الاربعاء 19 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 22 يناير 2003 اكد سمو الشيخ الدكتور سلطان بن خليفة آل نهيان عضو المجلس التنفيذي رئيس ديوان سمو ولي عهد أبوظبي أن الانجاز الاقتصادي والاجتماعي الذي حققته دولة الامارات على مدى العقود الثلاثة الماضية لم يكن ليتحقق دون تخطيط مسبق. وقال سموه في كلمة له في افتتاح ندوة التخطيط الاقتصادي في عصر العولمة التي عقدت امس في فندق انتركونتيننتال أبوظبي ان صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة لا يتخذ قرارا دون دراسة وتخطيط واستشاره فكانت المسيرة التنموية التي يرعاها سموه ويتابع مراحل تنفيذها صاحب السمو الشيخ خليفةبن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الاعلى للقوات المسلحة كانت هذه المسيرة ومازالت تضع قضية التخطيط ضمن اولوياتها. وأشار في الكلمة التي القاها نيابة عن سموه سمو الشيخ سعيد بن سيف آل نهيان مدير ادارة البحوث والدراسات بديوان صاحب السمو ولي عهد أبوظبي الى أن أهم سمات التجربة التنموية في دولة الامارات ارتكازها على مايسمى في الفكر التنموي بالتنمية المستدامة التي تهدف اساسا الى الاستخدام الكفء للموارد بمايحافظ على حقوق الأجيال المقبلة في هذه الموارد. وأضاف أن هذه التجربة اتسمت كذلك بوجود دور بارز للدولة في عملية التنمية امكن من خلال استخدام العوائد النفطية في خلق طاقات انتاجية فاعلة متمثلة في الزراعة والصناعة واقامة بنية اساسية على احدث واعلى المستويات مما سهل عمل القطاعات الأخرى من تجارية وسياحية وغيرها لذلك كان لتدخل الدولة ابلغ الاثر في انجاز عملية التنمية في وقت قياسي مقارنة بالتجارب التنموية المعاصرة. وأضاف سموه في كلمته في افتتاح الندوة التي نظمتها ادارة البحوث والدراسات بديوان صاحب السمو ولي عهد أبوظبي بالتعاون مع المعهد العربي للتخطيط بالكويت أن الاتجاه الحديث المرتبط بظاهرة العولمة والمتمثل في الانتقال من اقتصاد الاوامر الى اقتصاد النظم والقواعد لا يعني ترك الدولة القيام بدورها الفاعل في الحياة الاقتصادية حيث تؤكد تجارب العديد من الدول النامية أن دور الدولة ومسئولياتها في تحقيق أهداف التنمية الشاملة لن يقل عن ذي قبل، بل سيظل غاية في الأهمية، وان كان هذا الدور يمكن أن يتحقق بطريقة غير مباشرة ليصبح من خلال ضبط اليات السوق، عن طريق التأثير على عوامل العرض والطلب. فالدولة مازالت تقوم بدور اساسي ومكمل للدور الذي تقوم به الأسواق. وأعطى سموه مثالا لادوار الدولة بقيامها بدور هام في توفير البنية الأساسية اللازمة لنمو القطاعات الاقتصادية المختلفة. بالاضافة الى مسئوليتها عن توفير المعلومات السليمة عن النشاط الاقتصادي، وهذه المعلومات يجب أن تتمتع بقدر من المصداقية والانتظام والاستقلال. وتقوم الدولة كذلك بادارة النظام النقدي، وتوجيه المالية العامة من ايرادات ونفقات، وهو ما يؤدي الى دعم الاستقرار الاقتصادي، وتحقيق التوازن المالي، وتعظيم دور الدولة الاجتماعي. وأعرب سموه عن اعتقاده بأنه سيظل للدولة في العالم النامي عموما، وفي منطقتنا خصوصا، دور انتاجي في المجالات التي يعجز القطاع الخاص عن الدخول فيها، اما لارتفاع مخاطرها، او انخفاض ربحيتها منبها الى أهمية التخطيط الاقتصادي لدولنا، سواء على المستوى القطري، او على المستوى العربي بصفة عامة. وقال انه على المستوى القطري، فان كل دولة من دولنا العربية مشغولة بكيفية تنمية اقتصادها بما يمكنها من تحقيق انجازات مهمة لشعبها في حدود ما يتوافر لها من موارد اقتصادية. وعلى المستوى العربي ككل، دعا لوضع استراتيجية عربية متكاملة، تسهم في تحقيق طموحات شعوبنا نحو التكامل والتكتل الاقتصادي، الذي يعد الوسيلة الوحيدة للتعايش في عالم اليوم، الذي تسوده التكتلات ليس على مستوى الدول الصغيرة فحسب، وانما على مستوى الدول المتقدمة ايضا. ثم القى الدكتور عيسى محمدالغزالي مدير عام المعهد العربي للتخطيط بالكويت كلمة خلال الجلسة الافتتاحية للندوة أشار خلالها الى أن الدراسات المتخصصة اوضحت أن الاقتصاد العالمي قد تعرض لثلاث موجات من العولمة استندت جميعها على تأثير التقدم التقني على تكاليف النقل والمواصلات والاتصالات. كذلك توضح الدراسات أن العولمة تحدث من خلال الهجرة عبر الحدود وتدفق الاستثمارات نحو المناطق التي تعد بفرص اقتصادية غير تقليدية ومن خلال تدفق السلع والخدمات في اطار التجارة الدولية بين المناطق. وأضاف أن الدراسات المتخصصة توضح كذلك أن الموجة الاولى للعولمة كانت خلال الفترة 1870- 1914 والتي شهدت ليس فقط نضوج الثورة الصناعية وما صاحبها من تقدم تقني هائل وانما ايضا هجرة دولية كبرى نحو العالم الجديد في ذلك الوقت. وشهدت الفترة من 1945- 1980 الموجة الثانية للعولمة والتي تميزت بتحرير التبادل التجاري بين الدول المتقدمة فيما بينها في مجال السلع المصنعة والخدمات. هذا ويلاحظ أنه لم يتمكن اي من الدول النامية من الانخراط في هذه الموجة الثانية وذلك بسبب عدم نضوج عملية التصنيع التي بدأتها هذه الدول منذ استقلالها. وأوضح أن الموجة الثالثة بدأت عام 1980 وحتى الوقت الحاضر وهي الفترة الزمنية التي شهدت ولوج عدد من الدول النامية للأسواق الدولية للسلع المصنعةحيث ارتفع نصيب هذه السلع من اجمالي صادرات هذه الدول من متوسط 20% الى متوسط 80% وبلغ عدد الدول النامية التي شاركت حتى الان في هذه الموجة 24 دولة اشتملت على الاردن كالدولة العربية الوحيدة وذلك حسب تحليل البنك الدولي. مشيرا الى أن معظم الدول النامية تبنت خلال هذه الفترة برامج للاصلاح الاقتصادي هدفت، فيما هدفت اليه، الى زيادة انفتاح هذه الدول على الاقتصاد العالمي وانخراطها فيه ليس فقط من خلال اجراءات تحرير نظم التجارة الخارجية والقضاء على المغالاة في أسعار الصرف، وانما ايضا بتغيرات هيكلية هدفت الى ترحيب اكبر بالاستثمارات الاجنبية بمختلف اشكالها. وقال ان برامج الاصلاح الهيكلي التي طبقت في الدول النامية خلال الموجة الثالثة للعولمة هدفت في اساسياتها، ولا تزال، الى استعادة التوازن المالي والنقدي في عدد كبير من الدول النامية والقضاء على مظاهر تشوهات الأسعار ومن ثم الارتقاء بالكفاءة الانتاجية ومن بعد تحفيز النمو الاقتصادي واستندت توصيات برامج الاصلاح الهيكلي على قراءة للشواهد التاريخية في مجال الانجاز التنموي في الدول النامية تقول بأن ما يشاهد من قصور في الانجاز التنموي يمكن رده الى محتوى السياسات الاقتصادية التي طبقتها الدول النامية منذ استقلالها وحتى منتصف السبعينيات. وأضاف أن السياسات التنموية المتبعة في الدول النامية عشية استقلالها كانت تهدف الى الاسراع في عملية التصنيع باتباع استراتيجية التصنيع لاحلال الواردات وزيادة تراكم رأس المال واستغلال الطاقات العمالية الفائضة في القطاعات الريفية وكان للدولة، في معظم الدول النامية، دور نشط في صياغة وتنفيذ هذه الاستراتيجيات التنموية من خلال آلية التخطيط ومن خلال القيام بانتاج السلع والخدمات في عدد من القطاعات التي كانت تعتبر محورية. واستعرض الدكتور صبري حسنين الخبير الاقتصادي بديوان صاحب السمو ولي عهد أبوظبي في كلمة الندوة الموضوعات التي طرحت خلالها مشيرا الى أن تخطيط التنمية الذي استمر كأداة اقتصادية فعالة لعدد كبير من الدول النامية خلال عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، أخذ يفقد سمعته الجيدة في بداية السبعينيات، وذلك بعد أن تم الربط بين كل من الأداء الاقتصادي المتدني من ناحية، والتدخل الحكومي في النشاط الاقتصادي من ناحية أخرى. وابتداء من عام 1980، فان الحديث عن عملية التنمية اصبح محكوما بعدد من القضايا المتعلقة بالعولمة وعمليات الاصلاح الاقتصادي، وما يرتبط بذلك من ضرورة تفعيل الحرية الاقتصادية وانتهاج ممارسات اكثر ليبرالية. وأضاف أن الواقع العملي المستند على تجربة النمور الاسيوية أكد أن الدولة قدمت دعما ماليا لمعظم الأنشطة الاقتصادية، وأن التوجيه الحكومي كان بارزا في هذه التجربة، التي أكدت أن العولمة لا تكون فقط حسب النموذج الغربي، الداعي الى تراجع دور الدولة واعطاء قوى السوق مجالات اوسع، حيث يمكن أن يتم الانخراط في الاقتصاد العالمي في ظل تدخل صارم للدولة لضبط الأسواق، وفي ظل عملية تخطيط منظم حيث تم تطوير فهم جديد لقضايا التنمية يعطي للدولة دورا مركزيا، وأن هذا الدور اساسي ومكمل للدور الذي تقوم به الأسواق. وقال ان الندوة هدفت الى القاء الضوء على أهم القضايا المرتبطة بدور «التخطيط الاقتصادي» في عصر «العولمة» واستنتاج الاثار الممكنة لبعض من تلك القضايا على مستقبل التنمية في الوطن العربي. وذلك من خلال جلستي عمل تركزت الاولى على التطورات الحديثة في الفكر التنموي مدلولاتها للتخطيط الاقتصادي، بينما تركزت الجلسة الثانية على واقع التخطيط الاقتصادي والعولمة في الاقتصادات العربية. وأوضح انه بالنسبة للتطورات الحديثة في الفكر التنموي موضوع الجلسةالاولى تم استعراض ثلاثة مناهج اساسية شملت نظرية التنمية المرتفعة التي سادت حتى بداية السبعينيات من القرن العشرين حيث لوحظ أن محتوى السياسات التنموية الذي كان سائدا طبقا لهذه النظرية قد اشتمل على الاسراع بعملية التصنيع والتراكم السريع لرأس المال العيني، اي زيادة حجم الاستثمار واستنفار القوى البشرية الفائضة في القطاعات الريفية للعمل في القطاعات ذات الانتاجية المرتفعة، خاصة قطاع الصناعة وتخطيط العملية الاستثمارية واشتراك الدولة في القيام بالاستثمار في عدد من المجالات. وأضاف أن المنهج الثاني يتعلق بنظرية التنمية النيوكلاسيكية التي استعادت حيويتها تحت هيمنة المؤسسات المالية الدولية، كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي. وسعت هذه النظرية الى صياغة السياسات الاقتصادية في الدول النامية تحت ما أخذ يعرف بحزمة سياسات «وفاق واشنطن». وذكر أن هذه السياسات تمثلت في الدعوة الى تحرير الأسواق المحلية للسلع والخدمات في اتجاه الأسعار العالمية بوصف الأخيرة انها تمثل الأسعار التنافسية وتقليص دور الدولة وزيادة دور القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي وتعديل التركيبة المؤسسية والتشريعية للاقتصاد لتتوافق مع متطلبات عمل اليات السوق. وقال الدكتور صبري حسنين أن البنك الدولي يزعم أن هذه البرامج تهدف الى زيادة الكفاءة الانتاجية في الاقتصاد، ومن ثم فانها تستهدف زيادة النمو الاقتصادي عن طريق زيادة التوجه الاقتصادي نحو الخارج. وقال ان المنهج الثالث يتعلق بمبادرة «الاطار الشامل للتنمية»، وهي المبادرة التي قام بها رئيس البنك الدولي جيمس ولفنسون في عام 1999. حيث هدفت المبادرة الى تعزيز فعالية شركاء التنمية في تمكين الدول النامية من تحقيق اهدافها التنموية وتمت صياغة «الاطار» حول اربعة مبادئ اساسية تمثلت في وجود اطار شامل طويل المدى للتنمية وقيام الدولة بصياغة البرامج والسياسات التنموية وقيادة الدولة للأطراف المشاركة في عملية التنمية وتقييم الانجازات بالاستناد الى النتائج المتحققة. وأوضح الدكتور صبري حسنين أن جلسة العمل الثانية حاولت الوقوف على واقع التخطيط الاقتصادي والعولمة في الدول العربية، حيث أكدت الأوراق المقدمة في هذه الجلسة على أن وزن الدولة في الاقتصاد سيظل هاما جدا، وذلك رغم ما تحدثه العولمة من تغيير هيكلي في توزيع الأدوار بين السوق والدولة. وليس من المزايدة القول أن الدولة اصبحت أكثر أهمية واكثر تعقيدا، وأن جودة الادارة الحكومية تعد محددا هاما بالنسبة للتنمية الاقتصادية. ولذلك فلابد من تطوير وتحديث مفهوم وأساليب التخطيط التنموي، حتى يستجيب لمتطلبات العولمة ولضرورة التنسيق الفعال بين القطاع الخاص والخدمات الحكومية. كما أكدت أن العولمة لم تشمل كل المناطق بنفس النسق، فهناك العديد من الدول، التي لا تزال بعيدة كل البعد عن الاندماج الكامل في الأسواق الدولية، ومن الانخراط في ظاهرة العولمة، وابرز مثال على ذلك الدول ذات الدخل المتوسط ومنها معظم الدول العربية. وأوضحت أوراق الجلسة الثانية أن أهم الميادين التي يجب ادراجها في عملية التخطيط التنموي في مفهومه الجديد، وهو ما يتمثل في تأمين كل الخدمات والمرافق العامة الضرورية للتنمية الاقتصادية، ومن أهم هذه الخدمات العامة البنية الأساسية، في مجالات النقل والاتصالات والماء والكهرباء والصرف الصحي وغيرها التعليم والتدريب والبحث العلمي، الهادف لبناء المهارات القادرة على استيعاب وتطوير التكنولوجيات الحديثة، لأنها تعد السبيل الوحيد لانجاز التقدم الاقتصادي المنشود لكل الدول العربية والمؤسسات العامة التي تحارب الفقر، وتسهر على الامن الاجتماعي، وعلى تأمين حقوق الناس وأملاكهم، وعلى تنفيذ العقود واحترام الوعود، والتي تمكن من محاربة الفساد. وتم التأكيد على أن الدول العربية ذات الدخل المرتفع، اي الدول الخليجية، مدعوة ايضا لصياغة خطط تنموية متطورة لضمان تنمية مستدامة، مع اعتماد اكبر على القطاع الخاص وعلى حرية المبادرة والاستثمار. وأشار الدكتور صبري حسين الى أن هذه الدول لديها فرصة كبيرة للتطوير والاصلاح، سواء في سياستها الاقتصادية الكلية، او في القطاعات المالية، او في ميدان التعليم وتطوير الخبرات البشرية الراقية، او في مجال تنويع نشاطاتها الاقتصادية والصناعية والخدماتية، وذلك لكي تخفف من الاعتماد على الموارد البترولية، ولكي تستطيع التوفيق بين الحاجة للعمالة الوافدة وضرورة ايجاد وظائف مناسبة للعمالة الوطنية. وأوضح أن اوراق العمل اوضحت كذلك أن العولمة قد ادت الى تزايد موجات التحرير الاقتصادي والمالي، والى اعادة توزيع الانتاج على المستوى الدولي من طرف الشركات المتعددة الجنسية. حيث تم ترحيل اجزاء من العمليات الانتاجية الى الأماكن ذات التكلفة المتدنية وانعكست هذه الظاهرة في تزايد معدلات التجارة الدولية، وتزايد الاستثمار المالي والاستثمار الاجنبي المباشر، وتدفق المعلومات بشدة نتيجة التطورات في مجال تكنولوجيا المعلومات والحاسوب. أبوظبي ـ عبد الفتاح منتصر:
خلال افتتاح ندوة التخطيط الاقتصادي في عصر العولمة بأبوظبي، سلطان بن خليفة : أهمية كبيرة للتخطيط بالدول العربية للتعايش مع عالم التكتلات
