الاحد 16 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 19 يناير 2003 اذا ما انتقلنا الى نقطة أخرى تتعلق بالتأمين التجاري والغرر فسنجد ان الغرر في المعجم هو الخديعة والغفلة والخطر اما في المصطلح الفقهي: فقد تعددت تعريفاته عند الفقهاء وإن اقتربت كثيرا من بعضها البعض فقد نقل عن الامام مالك انه عرف الغرر بأنه «ما لا يدري ايتم ام لا» وورد في حاشية الرملي على نهاية المحتاج بأن الغرر هو ما احتمل امرين اغلبهما اخوفهما». وعرفه السرخسي بأنه: «ما يكون مستور العاقبة». وورد في شرح منتهى الارادات ان القاضي وجماعة فسروا الغرر بأنه : ما تردد بين امرين ليس احدهما اظهر». وبملاحظة ما ورد في كتب اللغة، وما عرفه به الفقهاء وما يستفاد من الادلة الناهية عن الغرر، يمكن القول بأن الغرر ليس هو الخطر والجهل والغفلة وأن تفسيره بها تفسير باللازم، ان الغرر يعني توهم حسن ما هو قبيح في الواقع، وهو المناسب لتفسيره بالخديعة. وهو تعريف الامام السيد محسن الحكيم له. اذا اتضح ذلك اقول: من المعلوم ان السنة النبوية قد نهت عن الغرر حيث ورد في صحيح مسلم انه: «نهى رسول الله عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر. والظاهر ان المراد من النهي النبوي عن بيع الغرر، لا كما ذكروه من (الحرمة التكليفية)، وانما يعني (النهي الوضعي)، وهو (فساد المعاملة)، لا اكثر. ويذهب فقهاء المالكية الى ان عناصر الغرر المغتفر ثلاثة اذا اجتمعت في الغرر كان معفوا عنه. وكانت المعاملة معه صحيحة، وان فقد واحدا منها كان الغرر مؤثرا، وحكم على المعاوضة بالبطلان، وهذه العناصر الثلاثة هي: ان يكون الغرر يسيرا، وغير مقصود، ودعت اليه الضرورة. ولما كان الغرر في عقد التأمين التجاري ـ كما يقول القائلون بعدم مشروعيته ـ فاحشا، ومقصودا، وليس من الغرر الذي تدعو اليه الضرورة، فقد تعين عدم مشروعية هذه العقود. وجملة القول عن عدم مشروعية عقد التأمين التجاري للغرر: هو ما صوره مجمع الفقه الاسلامي في دورته الاولى المنعقدة في 10 شعبان 1398هـ بمكة المكرمة حيث نص قراره على ان: «عقد التأمين التجاري من عقود المعاوضات المالية الاحتمالية المشتملة على الغرر الفاحش، لان المستأمن لا يستطيع ان يعرف وقت العقد مقدار ما يعطي او يأخذ، فقد يدفع قطسا او قسطين ثم تقع الكارثة فيستحق ما التزم به المؤمن، وقد لا تقع الكارثة اصلا فيدفع جميع الاقساط ولا يأخذ شيئا، وكذلك المؤمن لا يستطيع ان يحدد ما يعطي ويأخذ بالنسبة لكل عقد بمفرده، وقد ورد في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن بيع الغرر». وقد نوقش دليل القائلين: بعدم مشروعية عقد التأمين التجاري لاشتماله على الغرر بمناقشات عدة، ذلك ان القدر المتيقن من نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، لا النهي عن مطلق الغرر. والتأمين التجاري ليس بيعا ليشمله النهي المتقدم. يقول محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي من كبار فقهاء المالكية بالمغرب «هذا الحديث له مفهوم مخالفة في لفظ بيع، فما كان بيعا، فهو منفي عنه منطوقا، وما كان غير بيع، فهو مباح مفهوما، وهذه المعاملة لا بيع فيها وفيها غرر، فهي مباحة. ومفهوم المخالفة ما عدا اللقب عند المالكية والشافعية والحنابلة مقدم بشروطه على القياس والاستدلال، لانه من باب المسموع الذي هو مقدم على المعقول، ولا نذهب للمعقول الا لضرورة عدم المسموع.. وهذا المفهوم يؤيده المعنى المقصود من تشريع الحكم، وذلك ان الشرع يمنع الغرر في البيع لانه اضاعة لاحد العوضين على احد المتعاوضين دون الاخر.. وهذا يجري على اصل مالك والشافعي وابن حنبل من تقديم الكتاب او السنة منطوقا ومفهوما على القياس والاستدلال». اما اذا ذهبنا على مذهب القياسيين الذين لا يرون مفهوم المخالفة دليلا، فإننا ننظر اقرب الاشياء المنصوصة شبها بالسكرتاه (التأمين) فنقيس عليها، ولا سبيل لقياسها على البيع». وزاد الحجوي الثعالبي على ذلك فذكر: «ان اختلاف الاصوليين في نحو نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر هل يعم كل بيع غرر او هي قضية عين لا عموم لها؟ وعلى العموم استثنوا من البيع الغرر اليسير، فإذا كان يسيرا كما في السكرتاه، فهو جائز». ولو سلمنا بتجاوز النهي عن بيع الغرر في الحديث النبوي الى غيره من المعاوضات الاخرى.. فإن الغرر الذي عده فقهاء المالكية مانعا من جواز المعاملة هو ما ادى الى نزاع مستدلين بما روي عن زيد بن ثابت: «كان الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبايعون الثمار، فإذا جذها الناس وحل تعاطيهم قال المبتاع: انه اصاب الثمر عاهات يذكرونها ويحتجون بها فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين كثرت عنده هذه الخصومات: لا تتبايعوا حتى يبدو صلاح الثمر». وروى احمد في مسنده قال: «قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ونحن نتبايع الثمار قبل ان يبدو صلاحها فسمع رسول الله فيه خصومة، فقال: ما هذا؟ فقيل له: «ان هؤلاء ابتاعوا الثمار ويقولون: اصابها الدمان والعشام، فقال صلى الله عليه وسلم لا تبايعوها حتى يبدو صلاحها». يقول الشيخ علي الخفيف معقبا على ذلك لقد «ثبت ان سبب نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ما افضت اليه من الخصام والنزاع. وليس في التأمين التجاري غرر كثير يؤدي الى نزاع، وليس في عمل شركاته سفاهة وجهل مطلق لتمنع لانها لا تقدم اعتباطا ومن دون حساب دقيق وشروط خاصة نضعها تضمن لها الربح الاكيد والكثير غالبا اذا ما قيس ببعض ما قد تخسره لطالبي التأمين عند وقوع الحادث». وقد ذهب الشيخان محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي المالكي، ومصطفى احمد الزرقاء، وهما يناقشان موضوع الغرر في المعاوضات الى ابعد من ذلك حين قررا ان الغرر هو عدم الاقدام على معاملة التأمين لا في التأمين. ويقول علي الحسيني السيستاني من كبار فقهاء المذهب الجعفري في النجف الاشرف بالعراق جوابا عن سؤال وجهته اليه اسأله فيه عن قول بعضهم: «ان عقد التأمين التجاري ينطوي على غرر، والغرر منهي عنه شرعاً»، فأجاب بقوله: «لم يثبت ان الغرر يخل بالصحة في مطلق العقود»، كما نفى وجود الغرر في عقد التأمين من فقهاء المذهب الزيدي: محمد عبدالله عوض الضحياني، ومن فقهاء المذهب الاباضي الشيخ بلحاج محمد بن بابه. هذا كله على تقدير القول بتجاوز نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن البيع الغرري لغيره من عقود المعاوضات الاخرى ليؤثر فيها، اما اذا اقتصرنا على البيع فقط كما هو منطوق الحديث الشريف فلا يصح التعدي منه إلى غيره، وسينتفي الاشكال حينئذ من اساسه. وخلاصة القول: ان عقد التأمين التجاري ليس فيه بجانب كل من طرفي العقد غرر ليقال بعدم مشروعيته، فالمؤمن له يحصل على الامان الفعلي نتيجة لتعهد المؤمن والتزامه الفعلي نتيجة المؤمن والتزامه الفعلي بتحمل الخسارة عنه لو وقع الخطر المؤمن منه، وشركات التأمين التجاري تأخذ قسطا محددا لوقت محدد وتدفع مبلغا محددا لو وقع ما تعهدت بتدارك خسارته وفق شروط خاصة، متخذة من حساب الاحتمالات وقانون الكثرة وقواعد علم الاحصاء طريقا لضبط الاخطار ومعرفة درجة احتمال حدوثها، وبذلك يتأسس نظام شركات التأمين على قواعد علمية رصينة تنأى بنفسها عن الحظ والصدفة، وتبتعد عن المخاطرة والقمار، وليس ادل على دقة تلك الحسابات من تحول التأمين إلى علم يدرس في الجامعات ومراكز البحوث في شتى بقاع العالم، وليس ادل عليه كذلك من تغلغل عقوده في الكثير من اوجه النشاطات الاقتصادية في كل مكان حتى اصبح حاجة اقتصادية للشركات الكبرى لا يمكن الاستغناء عنها وبات ضرورة اقتصادية فيما بين الدول. وحسبك ان يقول بعض الاقتصاديين ان ما جنته وتجنيه شركات التأمين التجاري من ارباح طائلة جعلت ميزانيات بعضها تنافس ميزانيات بعض الدول، فأين هذا كله من الغرر؟ ولو نحيت جانبا ما انتهيت اليه من نتيجة، وانسقت مع القائلين بوجود الغرر في عقد التأمين التجاري، وان الغرر لعقود التأمين التجاري، وعرضت الامر على المباني الثابتة لعلم اصول الفقه، لانتهت بي إلى ان الغرر المنهى عنه لا يشمل عقد التأمين التجاري، وذلك من خلال التمسك بالعام في الشبهة المفهومية للمخصص المنفصل. بتقريب ان هناك ادلة عامة أو مطلقة تشمل افرادا عديدة من قبيل (اوفوا بالعقود) وهناك ادلة مخصصة لمثل هذه المعلومات من قبيل استثناء العقود الغررية من حكم اوفوا بالعقود. والادلة المخصصة أو الادلة الخاصة تارة تكون واضحة المفهوم ومعلومة المصاديق، واخرى تكون هناك شبهة في مفهومها او مصاديقها، فهناك عام يقول: (أوفوا بالعقود)، والمفروض ان المراد به العقود العرفية، أي التي يؤمن العرف بأنها عقود تامة.. وهناك خاص يقول بعدم الوفاء بالعقود الغررية، ووقع الشك في مفهوم الغرر، وهو شك بين الاقل والاكثر، اي لا نعلم بأن الغرر هل يختص بالغرر الفاحش المؤدي إلى النزاع في المعاملات أو يشمل كل جهالة في العقد، فالاقل هو خصوص الغرر المؤدي للنزاع عادة، والاكثر هو الاعم منه ومن انواع الجهل الاخرى. يقول علماء اصول الفقه في مورد كهذا: بان اجمال الخاص لا يسري الى العام، ويصح التمسك بأصالة العموم لادخال المجمل أو المشتبه فيه في حكم العام. ذلك ان سقوط العام عن الحجية في مورد الخاص المنفصل ليس لارتفاع ظهوره فيه، ولا لكشفه عن عدم استعماله في العموم، بل لمزاحمة ظهوره فيه بما هو اقوى منه، وما يكون عرفا من نسخ الرافع لمقتضي حجيته، وذلك لا يتم بالاضافة إلى مورد اجمال الخاص، لان الخاص لا يكون حجة إلا فيما هو ظاهر فيه، وهو الاقل المتيقن دون مورد الاجمال والاشتباه، فلا يصلح لمزاحمة العام الذي يقدم انه المقتضي للحجية، بل يتعين العمل فيه بالعام لعدم جواز رفع اليد عن المقتضي في المقام الا مع ثبوت المانع، ومجرد احتمال شمول التخصيص المعلوم له لا يصلح فارقا بينه وبينها بعد فرض عدم حجية الخاص فيها. يقول محمد سعيد الحكيم من كبار فقهاء المذهب الجعفري ان العام المخصص بالمنفصل ينعقد له ظهور في العموم، وإذا كان يقدم عليه الخاص، فمن باب تقديم اقوى الحجتين، فاذا كان الخاص مجملا في الزائد على القدر المتيقن منه، فلا يكون حجة في الزائد لانه - حسب الفرض - مجمل لا ظهور له فيه، وانما تنحصر حجيته في القدر المتيقن، وهو الاقل، فكيف يزاحم العام المنعقد ظهوره في الشمول لجميع افراده التي منها القدر المتيقن من الخاص، ومنها القدر الزائد عليه المشكوك دخوله في الخاص، فاذا خرج القدر المتيقن بحجة اقوى من العام، يبقى القدر الزائد لا مزاحم لحجية العام وظهوره فيه. وبناء على ذلك فلو شككنا في مفهوم الغرر، وترددنا فيه بين الاقل والاكثر التمسك بعموم قوله تعالى: (ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) وغيره من العمومات والاطلاقات المصححة للعقود العرفية لتشمل موردنا هذا من دون معارضة الدليل الذي اكتنفته شبهة مفهومية، لما تقدم من بيان علماء أصول الفقه. بقلم: عبدالهادي الحكيم