الاحد 16 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 19 يناير 2003 تستوجب المتغيرات الاقتصادية المستجدة في الساحة العالمية، والتطورات الاقتصادية المستقبلية كفرضيات منظمة التجارة العالمية، وتبعيات التجارة الالكترونية، واعتبارات العولمة الاقتصادية من المؤسسات الاقتصادية الاتحادية منها والمحلية والمعنية بالاقتصاد الوطني بقطاعيه العام والخاص وهذا الأخير بفرعيه الوطني والاجنبي العمل بجدية كاملة لاحداث اصلاحات اقتصادية حقيقية تستوجبها المرحلة المقبلة ولمواكبة التطورات الاقتصادية العالمية مع مراعاة عدم المساس بالمسلمات الاساسية التي يتطلبها الاستقرار الاجتماعي والامني والاقتصادي لمواطني الامارات والمقيمين فيها. واذا كانت وزارة الاقتصاد والتجارة قد انتهت من مشروع قانون استثمار رأس المال الاجنبي في الامارات والمؤلف من (19) مادة بعد قيام دول اخرى من مجلس التعاون باصدار قوانين للاستثمار الاجنبي، فانني أرى ان وجود هذا القانون يعد خطوة جيدة في اطار تصحيح ومعالجة الاوضاع الاقتصادية والتجارية في الدولة ولكن في الوقت ذاته لا يغني عن ضرورة قيام المشروع الاقتصادي بمراجعة دقيقة للقوانين والتشريعات الاقتصادية التي صدرت مع قيام الدولة والتي تتطلب ادخال تعديلات عديدة وجذرية كي تواكب مرحلة جديدة للاقتصاد الوطني، ثم أهمية قيام المشرع باصدار قوانين وتشريعات اقتصادية نجد ان الساحة الاقتصادية المحلية في حاجة ماسة اليها لتصبح مع القوانين المعدلة خطوة هامة في اطار الاصلاحات الاقتصادية ولخلق بيئة اقتصادية واستثمارية وتجارية مشجعة ومحفزة للنشاط الاقتصادي والاستثماري والتجاري العام والخاص بشقيه الاجنبي والوطني، كما ان وجود تشريعات اتحادية من شأنها ان تعزز وضع الدولة الاتحادية والتزام الامارات الاعضاء فيها بمراجعة قوانينها وتشريعاتها الاقتصادية ان وجود قوانين وتشريعات اقتصادية متطورة ومواكبة لمسيرة العمل بالدولة، والاقرار بالمباديء الدستورية الاساسية من قبل حكومات الامارات، ثم من قبل القطاعات المختلفة ولاسيما القطاع الخاص سوف يوصلنا ويمكننا حتماً من تحقيق اصلاحات اقتصادية تفضي الى حدوث نقلة اقتصادية وتنموية في الامارات تترجم الدولة أهدافها وتطلعات الانسان فيه. ومن هذا المنطلق نضع قراءتنا المتواضعة لمشروع قانون الاستثمار الاجنبي في الامارات والذي تم نشره مؤخراً في الصحف اليومية وتتضمن قراءتنا هذه جملة من التساؤلات التي قد يجد المشرع الاقتصادي بوزارة الاقتصاد فرصة لمراجعتها والاطلاع عليها قبل اقرار الصيغة النهائية للمشروع وتستند قراءتنا لهذا المشروع من خلال رؤيتنا لواقع ومستقبل الاقتصاد الوطني وآفاق ومستقبل الاقتصاد العالمي. أولاً: أرجو ان يكون هذا المشروع قد جاء وضعه من منطلق قناعة تامة بأهمية الاصلاحات الاقتصادية التي يفرضها واقع ومستقبل الاقتصاد الوطني ومصلحة المجتمع واستقراره وتنميته لا أن يأتي هذا القانون من اجل خدمة مصالح شريحة معينة من الفعاليات التجارية والاقتصادية، ثم ان يكون هذا المشروع قد جاء بناء على قناعة تامة واعتراف حقيقي من قبل الامارات الاعضاء بضرورة ان تكون هناك تشريعات اتحادية تتسق واهداف الدولة وتخدم الصالح العام ويكون لدى الامارات قناعة بأهمية الالتزام بتنفيذ بنود هذا المشروع في حال صدوره، والاقرار من قبل الامارات الاعضاء ومؤسسات القطاع الخاص بأن تعطيل هذا القانون من شأنه ان يقوض أهميته ويخلق مضاعفات شديدة للاقتصاد الوطني ويزيد من ضعفه واختراقاته واختلالاته. ثانياً: أهمية استكمال البنية الاساسية من التشريعات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية في الدولة سواء باصدار تشريعات جديدة تحل محل التشريعات الضعيفة الحالية التي صدرت منذ السنوات الأولى لقيام الدولة، ولاسيما القانون الاتحادي رقم (8) لسنة 1984 في شأن الشركات التجارية، ثم القانون الاتحادي رقم (18) لسنة 1993 في شأن المعاملات التجارية، ثم العمل بجدية لاصدار قوانين وتشريعات اخرى تفرضها معطيات السوق المحلية والمستجدات الدولية في الساحة الاقتصادية وأهمها القانون التجاري ذلك لان المرحلة المقبلة ستشهد انفتاحاً أكبر للسوق المحلية امام الاستثمارات الاجنبية بحكم التزام الامارات بتنفيذ اتفاقية منظمة التجارة العالمية اعتباراً من مارس 2005 ثم متطلبات ومسوغات العولمة الاقتصادية، ناهيك عن تبعيات التجارة الالكترونية. من ناحية اخرى فإن استكمال التشريعات والقوانين الاقتصادية المنظمة للسوق الاماراتية من شأنه ان يشكل ضوابط اساسية للسوق المحلية وللحركة الاستثمارية والتجارية الاستثمارية والتجارية في الدولة، ثم ايجاد بيئة استثمارية ومناخا استثمارياً يسهمان في توسع المشاريع الاستثمارية والانتاجية سواء لرأس المال الوطني، أو رأس المال الاجنبي. ثالثاً: إن إصدار قانون استثمار رأس المال الاجنبي في الامارات يفرض على الجهات المعنية (وزارة الاقتصاد والتجارة، وزارة المالية والصناعة، المصرف المركزي ثم باقي المؤسسات الاقتصادية المحلية والاتحادية) ان تنسق فيما بينها لأخذ الحيطة والحذر والاتفاق على آلية دقيقة لمراقبة ومتابعة حركة رأس المال الاجنبي وتستند تلك الآلية على ضوابط قانونية وادارية وفنية دون جعل ابواب السوق المحلية مشرعة امام الراغبين في العبث بها أو تخريبها وذلك في ضوء دراستنا ومتابعتنا للتخريب الذي احدثه رأس المال الاجنبي والازمات التي خلقها في اقتصادات دول كانت مرحبة به وآخرها ما حدث في دول آسيوية في عام 1997 والتي كان يطلق عليها (النمور الصفر) حيث احدث رأس المال الاجنبي المشبوه أزمة حقيقية لها بل تدمير لمؤسساتها وأسواقها المالية ولأسعار صرف عملاتها. ومن هنا فان اللجنة المقترح تشكيلها بموجب المادة (5) بمشروع القانون يجب ان تكون برئاسة وزير الاقتصاد وعضوية وكلاء وزارات ومدراء تنفيذيين ويتم اختيار اعضائها بدقة وموضوعية، مع أهمية مراعاة توصياتها وقراءتها من منظور مصالح الدولة ومواطنيها، ثم تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والامني واحداث تنمية اقتصادية حقيقية يكون لرأس المال الاجنبي دور حقيقي وفاعل دون السماح له بانتهاز الاوضاع الاقتصادية واستغلال الفرص المتاحة فحسب. رابعاً: مع أهمية تأكيدنا على ما ورد في المادة السابعة من مشروع القانون والتي تنص على الضوابط التي يجب مراعاتها من قبل اللجنة عند دراسة طلبات الاستثمار الاجنبي فانه يتعين علينا وقبل اصدار هذا القانون ان نراعي الاعتبارات التالية: ـ مدى أهمية رأس المال الاجنبي في ضوء توافر رأس المال الوطني حيث تعاني مصارفنا الوطنية والاجنبية على السواء من تخمة السيولة المحلية لديها والتي تفوق الطاقة الاستيعابية للسوق المحلية حيث يجد الجزء الأكبر من هذه السيولة طريقه للخارج والذي يقدر بمئات المليارات من الدولارات هي فوائض مالية يملكها القطاع العام والخاص. ـ وضعية السوق المحلية وتركيبتها، ثم وضعية الاقتصاد الوطني وتركيبته وقطاعاته ثم وضعية القطاع الخاص بمكوناته ووحداته (شركات ومؤسسات)، ثم حجم رأس المال الاجنبي ودوره في اقتصادات الامارات قبل وبعد الطفرة النفطية، ان دراسة الاوضاع الاقتصادية من قبل اللجنة المنصوص على تشكيلها في مشروع القانون تعد أمراً حتمياً قبل اصدار هذا المشروع كقانون. ـ أهمية عقد مقارنة وفي ضوء دراسة اللجنة للسوق المحلية خاصة وللاقتصاد الوطني عامة بين حجم رأس المال الوطني ورأس المال الاجنبي، اذ ومن خلال قراءتنا للسوق المحلية وقطاعات الاقتصاد الوطني يتضح ان هناك هيمنة واضحة لرأس المال الاجنبي على قطاعات مهمة وحساسة في الاقتصاد الوطني ولاسيما في القطاعات المؤلفة للنشاط الخاص، فقطاع التجارة وخاصة (الذهب والمنسوجات والالكترونيات، والمواد الغذائية والسلع الاستهلاكية)، ثم قطاع الخدمات وخاصة الخدمات العقارية مهيمن عليها من قبل الاجانب، كما ان حضور الشركات الاجنبية في السوق المحلية واضح وملموس، وشركاتنا المحلية ولاسيما في القطاعات التجارية والخدمات تعاني من منافسة شديدة من قبل الشركات والمؤسسات الاجنبية، اي بمعنى ان هناك هيمنة واضحة وحضوراً قوياً لرأس المال الاجنبي حتى قبل صدور هذا القانون. ـ أهمية قيام اللجنة المعنية والمشار اليها في القانون بدراسة ايجابيات رأس المال الاجنبي وسلبياته على مسيرة الاقتصاد الوطني، وذلك في ضوء الفترة الطويلة التي عرفت الامارات رأس المال الاجنبي، حيث يسجل تواجداً قوياً منذ عقود الثلاثينات، والاربعينات والخمسينات والتي سبقت الطفرة النفطية في الامارات، وكان دوره دوماً انتهازياً وقائماً على استغلال شرائح المجتمع ومن ابناء الامارات التي كانت تعمل تحت يد الفعاليات الاجنبية آنذاك، وتزايدت انتهازيته وشراهته لاستغلال الفرص في ظل تدفق النفط وامواله في شرايين المجتمع الاماراتي وكان دوره قائماً على اقتناص الفرص المتاحة، واغراقه لسوق الامارات بعمالة رخيصة اعتمد عليها في اعماله الأمر الذي ادى الى وجود معضلة سكانية حقيقية، ثم استنزافه للسيولة المحلية وتصديره لها سواء للأسواق العالمية، أو للأسواق التي تنتمي لها العمالة التي استقدمها، ثم استغلاله للسياسات الاقتصادية المرنة أو الغائبة في كثير من الاحيان، ثم استفادته من الثغرات القانونية، أو النقص في التشريعات الاقتصادية وغياب الضوابط والأطر المحددة لنشاطه كي يحقق أهدافه دون ان تكون مساهمة فعلية في الاقتصاد الوطني!! بقلم: نجيب عبدالله الشامسي