الاحد 9 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 12 يناير 2003 في تصريح له بمناسبة انعقاد مؤتمر الحضارة والاقتصاد الذي نظمه مركز زايد للتنسيق والمتابعة في النصف الاول من اغسطس 2002 دعا سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء إلى تحقيق العدالة الاقتصادية على مستوى العالم، وقال: «انه لا يمكن لهذا العالم ان ينعم بالاستقرار ما لم تحدث فيه عدالة اقتصادية، لان غياب العدالة الاقتصادية سيقود إلى المزيد من العنف والحروب». كما اكد سموه في سياق كلمته على ان العصر الحالي هو عصر الاقتصاد وان الحضارة الصناعية التي نعيش في ظلها مجتمعات تقوم على اساس اقتصادي. وحينما نقوم بتحليل ابعاد هذه الكلمة نجد انها قد شخصت الواقع العالمي والذي يشهد تفاقما خطيرا وفجوة عميقة في الاوضاع الاقتصادية والمعيشية والصحية بين عالمين احدهما يمتلك كل مقومات الاقتصاد والتنمية ومهيمن على مقدرات شعوب العالم الاخرى، ويمثل هذا العالم الدول الصناعية الكبرى وعلى رأسها دول اوروبا الغربية والولايات المتحدة واليابان، فيما العالم الاخر هو العالم الثالث الذي تعيش شعوبه معاناة حقيقية بسبب الفقر والمجاعة والمرض والخوف، واذا ما تناولنا واقعنا العربي نجد ان الشعب العربي وان كان ينتمي للعالم الثالث الا انه ينقسم إلى شريحتين من حيث مستويات الدخل وتحقيق العدالة الاجتماعية، الاقتصادية، فالشريحة الاولى وتضم اصحاب الكيانات الاقتصادية والتجارية الذين كونوا ثرواتهم وحققوا اهدافهم على حساب المجتمع مستفيدين من قوة نفوذهم وقدرتهم على الوصول إلى اصحاب القرار وتطويع القرارات والقوانين لخدمة اهدافهم، وهذه الشريحة هي صغيرة في حجمها وتعمل على تعزيز نفوذها، فيما الشريحة الكبرى من المجتمع العربي هي تلك الشريحة من ذوي الدخل المحدود والفقراء والتي تتصاعد ارقامها بشكل كبير حيث تعاني الفقر والعجز والمرض والجوع، والبطالة والحاجة وجزءاً منها يعيش اوضاعا معيشية صعبة دون ان يجد العون والمساعدة من اصحاب الكيانات التجارية والاقتصادية في الدولة الواحدة أو الوطن وفي وضعية اقتصادية ومعيشية كهذه فانه من الطبيعي ان يصبح مجتمعنا العربي مسرحا للجريمة ولاسيما الجريمة الاقتصادية، والتطرف إلى مختلف اشكاله وألوانه، ثم العنف بين شرائح المجتمع الواحد، وحتى الارهاب ضد من زرع الفتن وجذور الارهاب الاقتصادي في وطننا العربي، وهنا لن تستطيع شرائح المجتمع وخاصة شريحة الاغنياء واصحاب الثروات والكيانات التجارية ان تنعم بالاستقرار والامان على نفسها، أو مالها أو كياناتها التجارية، الامر الذي يتطلب تطبيقا حقيقيا لمفهوم العدالة الاقتصادية التي تفضي إلى عدالة اجتماعية تنعم في ظلها مختلف شرائح المجتمع، وتحقق الاستقرار الامني والاقتصادي لرأس المال الخاص والعام وتدفع بمشاريع التنمية والاستثمار نحو النمو وخدمة مختلف شرائح المجتمع وفئاته، واذا ما سلطنا الضوء على مجتمع واحد كمجتمع الامارات فانه يتأكد لنا ان هذا المجتمع قد شهد تحولات اقتصادية واجتماعية شديدة افرز الكثير من التباينات الواضحة والملموسة في تركيبته الاقتصادية وقاعدته الانتاجية، ثم في تركيبته الاجتماعية وذلك خلال العقود الثلاثة الماضية، ويعزى ذلك اساسا إلى طبيعة المجتمع والطفرة المادية، فعلى صعيد التركيبة الاقتصادية وقاعدتها الانتاجية فقد شهد المجتمع الاقتصادي خلال هذه الفترة بروز عجز مزمن في الموازنة الاتحادية في ظل تراجع الايرادات النفطية،، وبفعل تذبذب اسعار النفط وحساسية اقتصاد الامارات المتسم بالريعية، ثم تباين في مساهمة قطاعات الاقتصاد الوطني في الناتج المحلي الاجمالي، وتدفق السيولة إلى خارج الدولة بحكم تحويلات العاملين أو عدم التسويق الامثل للفرص الاستثمارية، أو بحكم انخفاض اسعار الفائدة، كما شهد الاقتصاد ارتفاعا واضحا في القروض الشخصية، وتزايد معدلات الجرائم الاقتصادية بعد تزايد معدلات النزعة الاستهلاكية، وبروز كيانات تجارية واقتصادية جديدة وافول كيانات اخرى منها الوطنية أو الاجنبية، في ظل احتدام المنافسة بين الكيانات التجارية وفي ظل غياب الضوابط القانونية والتشريعية بل شهدت السوق المحلية هيمنة اجنبية واضحة للكيانات الاجنبية الجديدة، كما شهد المجتمع تباينا واضحا في مستويات الدخول بين افراد المجتمع حيث هناك شريحة تستأثر بالكثير فيما الشريحة الكبرى تعاني من القروض والمديونية، كما شهد المجتمع - وخلال العقود الثلاثة الماضية - تباينا شديدا بين مدن الدولة وقراها واقاليمها من حيث الخدمات والهياكل التحتية ودخول الافراد ومستوياتهم المعيشية، وبالتالي من الطبيعي وفي ظل هذه الاوضاع أن تتراجع معدلات الدخل الفردي وان ينعكس ذلك على معدلات الادخار الشخصي وبالتالي الاستثمار الخاص واذا كان دستور الدولة قد نص في ديباجته على اهمية ترجمة اركان وقواعد الحكم في الدولة على اساس «اعداد شعب الاتحاد للحياة الدستورية الحرة الكريمة مع السير به قدما نحو حكم ديمقراطي نيابي متكامل في مجتمع عربي اسلامي متحرر من الخوف والقلق والعوز»، واذا كان هذا الدستور قد اكد صراحة على حقوق دستورية لمواطني الامارات ومنها الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، واذا كان رئيس الدولة - اطال الله في عمره - قد أولى للانسان اهتماما كبيرا، واكد في اكثر من مناسبة على ان الانسان هو الثروة الحقيقية للوطن ومن اجل ذلك لابد وان تسخر كل الامكانيات والثروات من اجل تحقيق الرفاهية الاجتماعية والمستوى المعيشي للمواطنين فلماذا ونحن نحتفل بمرور واحد وثلاثين عاما على قيام الدولة، مازلنا نبحث عن ترجمة حقيقية لعدالة اقتصادية، ثم عدالة اجتماعية تحقق الاستقرار النفسي والاجتماعي والاقتصادي لإنسان الامارات، لماذا تؤكد التقارير الدولية والمحلية على ان دخل الفرد في الامارات يعتبر من اعلى معدلات الدخل الفردي في العالم اذ تشير إلى ان هذا المعدل قد وصل إلى 66 الف درهم في عام 2000 فيما شريحة كبرى من ابناء الامارات تتجاوز نسبتهم 90% مدينون لمصارف تجارية حيث تستأثر القروض الشخصية والسلفيات والسحب على المكشوف بنسبة 91.8% من حجم الائتمان المصرفي في عام 2001؟ ماذا يعني ان تكون 65% إلى 70% من موظفي الدولة مدينين؟ ولماذا تتزايد اعداد المسجونين بسبب قضايا مالية ومنهم 70% من مواطني الدولة؟! لماذا تسجل معدلات القروض الشخصية ارقاما تصاعدية اذ وصلت في سبتمبر 2001 إلى نحو 37.2 مليار درهم مقابل 31.8 مليار درهم في عام 2000، ونحو 21.9 مليار درهم في عام 1997، ولماذا وصلت هذه القروض في يونيو 2002 إلى نحو 38.1 مليار درهم؟! لماذا ترتفع اسعار السلع والبضائع وتشهد سوق الامارات احتكارات وتغيب الضوابط السوقية لتمتص الجزء الاكبر من دخول محدودي الدخول من موظفي الدولة فيما اجهزة الدولة لا تحرك ساكنا؟! لماذا تبقى رواتب واجور موظفي الدولة محدودة في ظل ارتفاع الاسعار فيما الوزراء والوكلاء، والوكلاء المساعدون يستأثرون بالزيادات والرواتب الكبرى رغم المزايا العديدة التي يحصلون عليها ومصادر الدخل الاخرى التي يمتلكونها؟! لماذا تشهد الامارات تباينا واضحا في التنمية البشرية وفي قضايا الحقوق الاساسية والدستورية فنجد ان امارات تعاني من شح الوظائف وتزايد العاطلين عن العمل لتصل في امارة كرأس الخيمة إلى 3.7%، فيما هناك امارات اخرى تعاني من شح الراغبين عن العمل من ابنائها فيما ابوابها موصدة امام ابناء الامارات الأخرى؟! ان تحقيق الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد والتنمية وترجمة مفهوم العدالة الاقتصادية تعتمد وإلى حد كبير في ارساء دعائم العدالة الاجتماعية والعدالة الدستورية في الحقوق والواجبات والالتزام بمعايير الكفاءة والقدرة والالتزام والاستعداد بين مختلف شرائح المجتمع، وما لم تكن هناك عدالة اقتصادية واجتماعية بين الشرائح المؤلفة للمجتمع فانه من الطبيعي ان يفضي ذلك إلى حدوث اختلالات امنية ومعيشية وانعدام الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في هذا المجتمع أو غيره