الاحد 9 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 12 يناير 2003 جاء الاعلان عن موافقة عشرة مصارف من البنوك الاستثمارية الكبرى في الولايات المتحدة الأميركية على دفع 1.4 مليار دولار أميركي لخداع وتضليل المستثمرين ليمثل مسرحية سياسية أكثر منه خطوة لاصلاح سوق البورصة. وربما يأتي هذا الاعلان كنهاية مناسبة لعام غص بالفضائح المالية في الشركات الأميركية، غير ان أي فرد يتصور ان هذه التسوية من جانب تلك المصارف سوف تجعل من الاستثمار أكثر أماناً فانه ربما لا يختلف في تفكيره عن هؤلاء الذين تصوروا منذ سنوات قليلة ان الشبكة العنكبوتية هي أعظم اختراع انساني بعد المحرك البخاري. ان كل فضيحة مالية تكتب سيناريو احداثها وحلقاتها وعواقبها، ويجب ان يظهر المسئولون الذين يتولون مناصب عامة في هذه الاثناء وهم يتملكهم الغضب، وعلى الصحفيين ان يفضحوا أي عيب يظهر لهم، ثم يجب ان تحدث «اصلاحات» ويجب ان يتم الاعلان عن اسماء المسئولين والسماسرة والمصرفيين المذنبين وفضحهم واعتقالهم اذا كان هذا ممكناً. ان مثل تلك العملية تحمل في طياتها مجداً كبيراً على المستوى الصحافي والسياسي معاً، كما انها تثير جواً من الشك. احدى الافكار الخاطئة في هذا النطاق تتمثل في ان كثيراً من المستثمرين سوف يعوضون كل أو بعض خسائرهم. ان ثلثي مبلغ الـ 1.4 مليار دولار هذا، أي 900 مليون دولار، مخصص لتأمين قدر من الراحة وطمأنة المستثمرين بشكل استرجاعي ولكن اللغز يكمن في هوية من ربما سيحصل على هذه الاموال. فضلاً عن ذلك فان المبلغ صغير للغاية، فمنذ وصولها الى قمة مستوياتها في مارس 2000، خسرت البورصة أكثر من 7 تريليونات من الدولارات وفقاً لتقارير مؤسسة ويلشاير أسوشيتس، وببساطة لا توجد أموال تكفي لتعويض كل مستثمر، حتى لو كان كل شخص يستحق بالفعل تعويضاً. ان أسلوب الغرامات هذا يعد عاراً، وهو الأمر الذي ينطبق نفسه على رفع دعاوى قضائية الغرض منها تعويض الخسائر، فالغرامات تهدف بشكل أساسي الى جعل المشرعين والمنظمين يبدون متشددين ومتصلبين. والدعاوى القضائية في أغلب الاحوال تكون عبارةعن وسيلة لاثراء المحامين، ومن الخطأ التصور ان هذه الدعاوى تساعد حاملي الاسهم كمجموعة، فالأمر على النقيض من ذلك تماماً. فأنت اذا قمت بمقاضاة «س» من الشركات بسبب قيامها بعملية احتيال، فإنك بذلك تقاضي حاملي الأسهم بتلك الشركة. وافترض ان هذه الشركة قامت بتسوية أوضاعها مقابل 100 مليون دولار، في هذه الحالة يتقاضى المحامون الذين تولوا مسئولية القضية على أساس تقاضي الاتعاب حسب مبلغ التسوية حوالي ثلث المبلغ، أي حوالي 33 مليون دولار. وافترض ان هناك مليوناً من حملة الاسهم ـ كلهم يملكون استثمارات متساوية في هذه الشركة ـ يدعون انهم تعرضوا لعملية احتيال. في هذه الحالة يتقاضى كل منهم 67 دولاراً، وفي هذه الاثناء يخسر حملة الاسهم بالشركة في هذه الحالة مبلغ الـ 100 مليون بكامله. فالاموال تنتقل من مجموعة من حاملي الاسهم الى مجموعة اخرى مع قيام المحامين بالتهام جزء كبير من هذه الاموال. والتصرف العادل الوحيد من هذا الامر يحدث عندما يتم ثبوت ادانة أفراد محددين واجبارهم على اعادة مكاسبهم غير القانونية أو اعتقالهم أو القيام بالأمرين معاً، غير ان قليلاً ما يحدث هذا الامر. حسناً، فربما تؤدي هذه التسوية التي اطلقتها المصارف العشرة الى تحسين تحليل البورصة، وربما هو التوصيف الصواب. صحيح انه اثناء فترة الطفرة الاقتصادية التي عاشتها البلاد، قامت المصارف الاستثمارية بتطبيق بعض الممارسات غير الصائبة. وساعد محللو البورصة على ترويج عملية الامتلاك الجماعي للأسهم بين المستثمرين. وكان هناك وعد ضمني بأن التقديرات الجيدة والايجابية سوف تحافظ على ارتفاع أسعار أسهم الشركات، وهو الأمر الذي سيجعل الاستثمارات مربحة بشكل أكبر، غير ان بحث المصارف الاستثمارية عن رسوم الاكتتاب المربحة أدى الى التقليل من مصداقية تحليل الاسهم هذا. وبموجب هذه التسوية، على المصارف الاستثمارية ان تتنازل عن هذه الممارسات، فهذه المصارف عليها ان تبقي تحليلات البورصة والاكتتاب منفصلة. وبشكل فعلي تعهدت البنوك العشرة «التي ضمت بينها ميريل لينش، وسالومون سميث بارني وجولدمان ساكس ومورجان ستانلي» بانفاق 450 مليون دولار خلال خمسة أعوام لشراء تحليلات لأسهم البورصة من منظمات بحثية مستقلة، ان مثل تلك التغييرات ربما تفضي الى نتائج جيدة. غير ان التحليل الفاسد للأسواق لم يتسبب في الطفرة التي شهدها السوق، ولن يؤدي التحليل الأفضل للأسواق ـ اذا كان هذا التحليل ممكناً ـ الى علاج ما حدث. في عام 2001، كان حوالي 47% من جميع الاسهم تتم ادارتها والتحكم فيها عن طريق المؤسسات، وبشكل أساسي شركات التأمين وصناديق المعاش، هؤلاء الخبراء والمحترفون الماليون الذين يديرون هذه الصناديق يسيطرون على السوق، ويتحكمون في حوالي 90% من المعاملات، وهؤلاء كانوا يعلمون بصراعات المصالح بين محللي البورصة والمكتتبين، وكانوا يعلمون كذلك ان كثيراً من أسعار الأسهم لا يمكن تبريرها إلا بهذا المنطق الضعيف القائل ان شخصاً ما آخر سوف يدفع سعراً أعلى. ولكن من كان يهتم؟ فمن خلال مثل تلك الطفرة السوقية، فان الاسعار المرتفعة هي الحقيقة المسيطرة، والجشع والطمع وليس الذكاء هما العاملان اللذان يحكمان سير الامور. ولان السوق يمكنه رفع أو خفض قيمة الاسهم لمدد طويلة، فان التحليل الجيد لأسهم شركة ما لا يؤدي بشكل تلقائي الى توقع جيد لسعر أسهم هذه الشركة. كما ان هذا التحليل الجيد يمكن ان يتم تقويضة بسبب الاقتصاد الكلي للدولة، وهذا الاقتصاد بالطبع صعب ان يتوقع مساره. وفي عام 2002، انخفض مؤشر «ستاندرد اند بورز» لخمسمئة سهم للعام الثالث على التوالي، وكانت الفترة من 1939 الى 1941 هي آخر فترة يشهد فيها السوق انخفاضاً في مؤشرات لثلاث سنوات متتالية، على حد تقرير لمؤسسة «هوارد سيلفربلات أوف إس أند بي» ويتوقع قليل من المحللين ان تنخفض المؤشرات للعام الرابع على التوالي، وهو الامر الذي لم يحدث منذ الفترة بين عامي 1929 و1932، غير ان الأمر يمكن ان يحدث، لاسيما اذا خيب الاقتصاد الآمال المعقودة عليه. ويجب ان توافق لجنة البورصة والأوراق المالية على هذه التسوية. غير ان الاعلان الاستهلالي صاحبته ادعاءات بأن الخطوة سوف تغير من وول ستريت وتستعيد ثقة المستثمر، ان هذا القدر الكبير من المبالغة في التأكيد على نتائج التسوية يسير بالتوازي مع تجاوزات وول ستريت السابقة ويذكر ان رسماً كاريكاتورياً جميلاً كان قد نشر في مجلة نيو يوركر، يدور حول شخصين جالسين أمام بعضهما البعض على أحد المكاتب، وقال أحدهما للآخر: «هل تذكر عندما قلت لك انني سأكون أميناً معك يا جيف؟»، فرد عليه الآخر قائلاً: «كان الأمر كذبة كبيرة».