الاحد 9 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 12 يناير 2003 يذهب القائلون بعدم مشروعية عقد التأمين التجاري الى ان عقد التأمين التجاري قمار، او يشتبه بالقمار، «لما فيه من المخاطرة في معاوضات مالية، ومن الغرم بلا جناية او تسبب فيها وفي الغنم بلا مقابل، او مقابل غير مكافيء، فإن المستأمن قد يدفع قسطا من التأمين ثم يقع الحادث فيغرم المؤمن كل مبلغ التأمين، وقد لا يقع الخطر ومع ذلك يغنم المؤمن اقساط التأمين بلا مقابل، واذا استحكمت فيه الجهالة كان قمارا ودخل في عموم النهي عن الميسر في قوله تعالى: «يا أيها الذين امنوا إنما الخمر والميسر والانصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون» المائدة: 90 والاية بعدها. والمتأمل في الامور الاربعة التي تضمنها النص المتقدم، يرى عدم تماميتها ليكون عقد التأمين التجاري بموجبها عقدا غير مشر ع للقمار. فالمخاطرة وعدم تناسب الربح مع الخسارة لا تجعل من عقد التأمين التجاري وهو عقد معاوضة قمارا ذلك ان القمار كما هو واضح يتطلب الى جانب المخاطرة سعي المقامر الى ايقاع المتعاقد الاخر في خطر. وهذا ما يسمى بعنصر المغالبة وهو عنصر يخلو منه التأمين. كذلك لا يرجع منع القمار الى مجرد وجود الخطر والاحتمال فيهما، وإلا فإن هناك كثيرا من التصرفات التي تصح مع التعليق على شرط هو على خطر الوجود. أضف الى ذلك انه ليس في الادلة الشرعية ما يوجب تحريم كل مخاطرة وفساد كل عقد متضمن لنوع منها. كما ان جهالة العاقبة ـ على تقدير القول بوجودها في عقد التأمين التجاري ـ لا يلزم من وجودها وجود القمار، فليس كل عقد يتضمن جهالة العاقبة قمارا وهو واضح. ثم ان القول بأن عقد التأمين التجاري يضعف العزيمة ويعود الانسان على الكسل كالقمار فهو حرام مثله، لا يحتاج دفعه الى طول عناء، فليس هناك من يقول بحرمة كل عقد يؤدي الى الكسل وضعف العزيمة وانتظار الرزق وإن كانت هذه الامور غير حسنة. كما ان كون احتمال الربح المقترن باحتمال الخسران هو الدافع الى التعاقد في عقد التأمين التجاري وهو الدافع الى المقامرة، لا يجعل من عقد التأمين التجاري قمارا. ويمكنني ان اقول بأن مما يفترق به القمار عن التأمين التجاري: «ان جميع اشكال القمار وأنواعه المتعارفة تشترك في ان خطر الخسارة المالية الذي يتعرض له المقامر كان يمكن اجتنابه لو رغب في ذلك. اما التأمين فمختلف عن القمار اختلافا جوهريا، فالخطر الذي يحتمي المستأمن منه ومن اثره لا يتوقف وقوعه على وقوع التأمين، وعدمه على عدمه، فالمستأمن لا يقوم بتعويض نفسه عمدا للخطر بالسعي وراء الحادث الذي يؤول به الى خسارة مالية بخلاف المقامر الذي يسعى بارادته للخطر كما هو واضح. ثم ان الدافع المالي في القمار هو «الكسب عند الفوز، في حين انه في التأمين هو الرغبة في الاحتماء من الخسارة اذا وقع الخطر المخوف، فالمبلغ المشروط الذي يحصل عليه المستأمن في مثل هذه الحالة لا يمكن اعتباره ربحا انما يخلصه من عبء الخسارة التي اصابته.. في حين ان المبلغ الذي يكسبه المقامر يزيد ثروته ويعد بالنسبة له ربحا مطلقا. كما ان دوافع المقامر مختلفة عن دوافع المستأمن، فالأول يبحث عن ربح صاف في حين ان الاخر يبحث عن حماية نفسه من خسارة محتملة. اضافة الى ما في القمار من تعريض المال للضياع جريا وراء طمع في ربح او مال موهوم على تحققه على حدوث امر حدوثه معلق على المصادفة والحظ المجردين دون ان يتخذ لوجوده وتحققه اية وسيلة من الوسائل العادية في الاحداث والخلق، فيعطي الشخص ماله من غير دافع سوى الطمع في الحصول على اكثر منه اذا ما حدث مصادفة امر موهوم هو على خطر الوجود، فإذا حدث كان له من المال ما طلب وطمع فيه وإلا ضاع عليه ماله». على خلاف عقد التأمين الذي لا يعتمد على الحظ والمصادفة والرجم بالغيب، وإنما يقوم على أسس ونظريات علمية مستمدة من علم الاحصاء وتطبيقات نظرية الاحتمال وقواعد قانون الاعداد الكبيرة. وأن معظم الاوضاع الانسانية محفوفة بمخاطر لا يمكن اداراتها ادارة مناسبة بأي طريقة اخرى سوى التأمين. كما ان القمار افة خلقية تثير البغضاء والشحناء والعداوة بين الناس، وليس في عقد التأمين التجاري شيء من ذلك. وهناك فروق اخرى في اثار كل من التأمين التجاري والقمار على النشاط الاقتصادي وتوزيع الثروة لابد وان تكون كافية للقضاء على شبهة التماثل بينهما او الاشتراك في بعض الخصائص، او ان التأمين يستلزم القمار. والحقيقة ان الاثنين لا يشتركان في شيء، بل لكل منهما دور اجتماعي واقتصادي يجعلهما ضدين» ويشهد عِلى ذلك اختلاف النظرة اليهما فالقمار افة اخلاقية يتفق الناس على انها رذيلة، ولا ينظر الناس الى التأمين على انه كذلك، بل يعتبر مظهرا للتعاون الاجتماعي والتنظيم المفيد، وهذا وحده يكشف عن اختلاف الماهية بين الاثنين، اضف الى ذلك ان قسط التأمين المدفوع من قبل المؤمن له يقابله تعهد نتيجته الامان الذي يحصل عليه من المؤمن، فالقسط في الحقيقة ليس خسارة وليس غرما بلا جناية كما يقول مجمع الفقه الاسلامي، بل هو ما يقابل التعهد، وهو الامان الحاصل بعد التعاقد بخلاف المبلغ الذي يدفعه في المقامرة فإنه دون مقابل. كما ان طبيعة عقد التأمين لا تشبه طبيعة القمار، فعقد التأمين على المختار عقد معاوضة بين طرفين، اما وأين هذا من ذاك؟ والخلاصة: ان حقيقة التأمين التجاري مختلفة عن حقيقة القمار هوية وماهية اختلافا واضحا سواء عند اللغويين ام الفقهاء ام القانونيين ام في نظر العرف. ـ التأمين التجاري والرهان المحرم: يقصد الفقهاء بالرهان: «المال الذي يضعه المتلاعبون في البين من اموالهم ليتملكه الفائز منهم». او انه «الجعل في المسابقة». ويعرف القانونيون الرهان بأنه: عقد يتعهد بموجبه ان يدفع احد المتراهنين وهو الذي لم يصدق قوله في واقعة معينة مبلغا من المال للمتراهن الاخر الذي صدق قوله فيها «فيما يعرفرون المقامرة بأنها: «عقد يتعهد بموجبه كل مقامر ان يدفع اذا خسر المقامرة للمقامر الذي كسبها مبلغا من النقود او اي شيء اخر يتفق عليه». ومن التعريفين يتضح الفرق بين المقامرة والرهان. ذهب القائلون بعدم مشروعية عقد التأمين التجاري الى ان عقد التأمين التجاري من الرهان او من قبيل الرهان، والرهان ممنوع شرعا الا في صور معينة مستثناة ليس منها عقد التأمين بلا شك. وبما ان التأمين معلق على خطر قد يحدث وقد لا يحدث، فهو والرهان سواء في الحكم. كما ان خصائص عقود المقامرة والرهان هي نفسها عقد التأمين، وهي انها عقود ملزمة للجانبين، وأنها عقود معاوضات مالية ولما كان الرهان حراما كان التأمين التجاري حراما مثله. ويذهب المانعون الى «ان كلا من الرهان والتأمين التجاري فيه جهالة وغرر ومقامرة ولم يبح الشرع من الرهان الا ما فيه نصرة للاسلام وظهور لاعلامه بالحجة والسنان. وقد حصر النبي صلى الله عليه وسلم رخصة الرهان بعوض في ثلاثة بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا سبق الا في خف او حافر او نص، وليس التأمين من ذلك ولا شبيها به فكان محرما». والناظر الى هذه الاشكالات لا يجدها في حقيقة الامر مقنعة، ذلك ان كثيرا من الالتزامات والتصرفات تصح مع التعليق على شرط هو على خطر الوجود فترتب عليها اثارها ان تحقق الشرط المعلق عليه، ولا تترتب اثارها ان لم يتحقق الشرط المعلق عليه، وليس هذا الا نوعا من خطر تضمنه هذا التصرف، ومع ذلك لم يستوجب بطلانه. كما ان اشتراك عقد التأمين التجاري مع عقود الرهان ببعض الخصائص لا يجعل عقد التأمين التجاري رهانا، كيف وحقيقة كل من العقدين مختلفة عن الاخرى؟ فالرهان غير عقد التأمين، والباعث الدافع للتعاقد في الرهان هو قصد الربح والمنفعة عند كل طرفيه، بينما لا يتوافر قصد الربح والمنفعة عند كل من طرفي عقد التأمين. تقول الموسوعة البريطانية مفرقة بين المراهنة والتأمين التجاري ما نصه: «في قواعد التأمين يشترط في المستأمن ان يكون له مصلحة قابلة للتأمين المطلوب. وذلك بأن يكون معرضا للخسارة بوقوع حادث محتمل. ولولا هذا الشرط لأصبح عقد التأمين مجرد مراهنة. فحيثما توجد مصلحة قابلة للتأمين قانونا يكون عندئذ ما تدفعه الجهة المؤمنة للمستأمن عند وقوع الضرر تعويضا عن الضرر الواقع، وليس ربحا للمستأمن كما في حالة الرهان». فضلا عن «ان المؤمن له عند ابرام عقد التأمين لا يتراهن مع شركة، ولا مع باقي المؤمن لهم. فهو لا يتراهن مع شركة التأمين لان كليهما لا يرغب في وقوع الخطر، دليل ذلك انه يشترط لصحة التأمين ان يكون للمؤمن له مصلحة في عدم وقوع الخطر. وعلى العكس من ذلك فإن احد المتراهنين في الرهان يرغب في حدوث واقعة الرهان، ولا يرغب الاخر في وقوعها. كذلك فالمؤمن له لا يتراهن مع باقي المؤمن، لا تربطه بهم اية رابطة يصح انه توصف بالرهان. و،هكذا يفترق التأمين عن الرهان من حيث القصد والمضمون واذا ثبت ذلك فإنه لا يصح اعتبارا المؤمن كمنظم للرهان. كما ان اشخاص الرهان يرغب بعضهم في وقوع الخطر بينما يرغب بعضهم الاخر في عدم وقوعه ، وكل متراهن يتمنى الكسب في جانبه والخسارة في جانب الاخرين، وهكذا يسودهم القلق: «اما المؤمن لهم فإنهم لا يرغبون في وقوع الخطر لاي واحد منهم، لان لهم مصلحة في عدم وقوعه، وبذلك لا يتمنى كل مؤمن له ان يخسر غيره من المؤمن لهم وهكذا تسود بينهم الطمأنينة، لان من يتحقق بشأنه الخطر سيقبض مبلغ التأمين. ثم ان الرهان ليس فيه اية مصلحة بترميم اضرار الاخطار العارضة على النشاط الاقتصادي المنتج في ميدان الحياة الانسانية، لا بطريق التعاون على تفتيت تلك الاضرار وتشتيتها ولا بطريق تحمل فردي غير تعاوني، ولا يعطي احدا من المتراهنين اي امان او طمأنينة، كما هو الاثر المباشر في عقد التأمين». اضافة الى ان الرهان يعتمد على الحظ والرجم بالغيب والمصادفة، بينما يعتمد التأمين على قوانين علمية دقيقة وحسابات ونظم اعتمدت الاحصاء وقواعده وأصوله وأثبتت تجارة التأمين والخبرات الطويلة دقة نتائجه وصوابها وعلميتها. كما ان عقد التأمين يقوم على المعارضة بين بدلين وهي مفيدة لطرفيها ففيه ربح للمؤمن، وفيه امان للمؤمن له قبل تحقق الخطر، وتعويض بعد تحققه اما المعاوضة في القمار والرهان فلا تعود بالفائدة على الخاسر. وهناك امور اخرى سبق ان تعرضت لها في مناقشة دعوى وجود القمار في التأمين التجاري، ترد غالبيتها هنا، وقد تجنبت اعادة ذكرها طلبا للاختصار، وهي تنتهي بما تقدم ذكره من امور الى ان التأمين مختلف ماهية وشكلا عن الرهان. اما ما ذكره قرار مجمع الفقه الاسلامي في مكة المكرمة من ان الشرع لم يبح من الرهان الا ما فيه نصرة للاسلام وظهور لاعلامه بالحجة والسنان وقد حصر النبي صلى الله عليه وسلم رخصة الرهان بعوض في ثلاثة بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا سبق إلا في خف او حافر او نصل، وليس التأمين من ذلك ولا شبيها به فكان محرما». فهو من العلة المستنبطة او من الحكمة، وهي لا تعمم الحكم، فلعل علة الحكم امر اخر، او لعله جزء العلة لا كلها. والظن بأن مناط تحريم الرهان هو ما ذكره مجمع الفقه الاسلامي من ان الشرع لم يبح من الرهان إلا ما فيه نصرة للاسلام وظهور لاعلامه بالحجة والسنان لا دليل على اعتباره، فإن الظن لا يغني من الحق شيئا.