الاحد 2 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 5 يناير 2003 هناك أدلة أخرى على مشروعية التأمين التجاري واولها دليل الضرورات تبيح المحظورات، والضرورة الرافعة للتكليف في المصطلح هي: الحاجة الشديدة، أو: بلوغ الانسان حدا إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب، كالمضطر للاكل واللبس بحيث لو بقي جائعا أو عريانا لمات، أو تلف منه عضو، وهذا يبيح تناول المحرم. والضرورات تبيح المحظورات قاعدة تسالم عليها الفقهاء على اختلاف مذاهبهم الفقهية وان اختلفت عباراتهم في ذلك، وحكم العقل بها. اذا تم ذلك اقول لقد ذهب الشيخ الحجوي الثعالبي من كبار فقهاء المذهب المالكي وغيره إلى امكانية القول بمشروعية عقد التأمين الجاري للضرورة باعتباره «معاملة عمت بها البلوى لاتساع نطاق الاعمال التجارية والصناعية والزراعية برا وبحرا، ولا تخلو مملكة في العالم من هذه المعاملة، ولا يستغنى عنها، فلا شك اننا بهذا التضييق نكون اهلكنا ثروة الاسلام، ووضعنا المسلمين تحت اسر غيرهم، إذ لولا عملية الضمان ما بقيت شركة تجارية مهمة، وكيف تكون امة ماجدة في هذا العصر خالية اليد من هذه الامور، إذا تكون مستعبدة لغيرها، واستقلال الامم الحقيقي في هذه الازمان لا يكون إلا باستقلالها اقتصاديا وصناعيا، ولكل اصبح الضمان ضروريا في الوقت الحاضر اتقاء للطوارى الجوية والحربية وغيرها، فعمل الضمان هو من قبيل الضروري لا الحاجي ولا التحسيني، فبالضمان اصبحت ثروة البلاد في أمن من الكوارث. وبموجب ذلك فان عقد التأمين اصبح عقدا مباحا حتى ولو توفرت فيه مقتضيات التحريم التي ادعى المانعون وجودها فيه، بل ان التأمين اصبح ضرورة في مجتمعات هذا العصر الذي تضخمت فيه الاخطار. واذا كانت الشريعة الاسلامية قد جعلت الضرورات مبيحة للمحظورات دفعا للحرج والمشقة التي يقع فيها الانسان فهي لا تضيق بالتأمين الذي اصبح ضرورة للحياة... وبهذا يكون التأمين حلالا للضرورة، وهذه الدعوى غير صحيحة لاسباب منها: ان الضرورة في الفقه الاسلامي لا تكون إلا حيث تستغلق الامور ويتعين المحرم سبيلا وحيدا لانقاذ النفس أو المال أو الدين أو العقل أو العرض، ولم يثبت ان التأمين التجاري هو الطريق الوحيد لحفظ واحد من هذه الامور فان هذه الفكرة الضرورية للناس يمكن رعايتها باتخاذ وسائل اخرى بديلة. وما لم تكن الضرورة منحصرة لا ترفع الحرمة قطعاً. على أن المدار في الضرورة هو الضرورة الشخصية لا النوعية، ويمكن مراجعة الامثلة التي ساقها الفقهاء للضرورة لاستخلاص ذلك. اضافة إلى ان المراد بقاعدة الضرورات تبيح المحظورات هو: رفع الحركة التكليفية، لا جميع الآثار، فجواز التعامل بمعاملة فاسدة أو أخذ مال الغير قهرا لسد الرمق يرفع الحرمة، أما المال فمضمون على الآخذ، ويجب عليه ارجاعه متى ما تمكن منه وفق قاعدة: الاضطرار لا يبطل حق الغير. ومنه يعلم ان القاعدة لا تقلب الباطل صحيحا، ذلك ان حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة، ولا اجتهاد في موارد النص، والضرورات لا تغير الاحكام اصلا، وانما ترفع عقوبة الحرام فقط. ويضرب لنا الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء من كبار فقهاء المذهب الجعفري مثلا فيقول: لو كان بعض البيوع باطلا وحراما كالربا، فالضرورة لا تجعله عقدا صحيحا كسائر البيوع، وان احلته لمن اضطر اليه، فلو ارتفعت الضرورة وجب رد المال إلى صاحبه مع الامكان. ثم اذا كان التأمين التجاري مباحا للمضطرين اليه، فسيكون نتيجة لذلك حراما على الاغنياء وذوي الدخول العالية: إذ ثم لا ضرورة تبيح لهم التأمين التجاري، فما عندهم فيه سعة وغنى وتدارك حتى لو حصل المحذور ووقع الخطر. كما ان استدلال المستدلين على جواز عقد التأمين التجاري للضرورة بمثل الضرر يزال، وإباحة الضرورات للمحظورات في غير موضعه. خاصة وان الضرورة تعني ان يبلغ الفرد حداً إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب، فالضرورة بهذا المعنى لم تبلغ بالناس في واقعهم المعاش الى ضرورة التأمين، فإن أكثرهم لم يؤمن مع انه لم يهلك أو يقارب. ولو افترضنا انه وجدت ضرورة فإنما تقدر بقدرها، كما تقدم، وتعتبر امراً استثنائياً يزول بزوال الحالة التي ألجأت اليه، ولا يمكن ان يجعل قاعدة عامة في صورة نظام عام. لذلك كله فان الاستدلال على مشروعية عقد التأمين التجاري بقاعدة الضرورات تبيح المحظورات غير تام. دليل العرف ومناقشته ذهب بعض الباحثين الى القول بأن العرف يدل على مشروعية عقد التأمين التجاري مستدلين بان وصول التأمين الى هذا المستوى من الانتشار والاهمية يدل على انه قد صار عرفاً عاماً معروفاً في جميع البلاد الاسلامية شرقية وغربية، واذا لم يكن هذا الانتشار محققاً للعرف العام ففيم يتحقق اذاً هذا العرف، واذا أصبح متعارفاً فإن الشرط الفاسد المتعارف عليه يصير جائزاً شرعاً بهذا العرف، ونظراً للكثرة العددية التي تلجأ للتأمين يصبح التأمين كالشرط الفاسد المتعارف عليه فيجوز شرعاً. ويوضح الشيخ علي الخفيف من كبار فقهاء المذاهب الاربعة رأيه ورأيهم قائلا: «بأنا لو سلمنا بأن عقود التأمين التجاري فاسدة، لكنها متى ما تكاثرت العقود استحالت صحيحة». مستدلا أن «هذا أمر له نظير في المعاملة اذا جرى بها التعارف، فإن ما يكون منها في البداية قبل ان يصير عرفاً قد يكون فاسداً، ولكنها بعد ان تصير عرفاً عاماً تنقلب صحيحة لصيرورتها أمراً متعارفاً عليه، وذلك ما نص عليه في الشرط الذي جرى به العرف، ولولا ذلك لكان فاسداً». وهو استدلال غير صحيح. يقول السيد محمد تقي الحكيم من كبار فقهاء المذهب الجعفري: «ان الشارع المقدس لم يراع العرف بما انه عرف، وانما وافقت أحكامه بعض ما عند العرف فأبرزها بطريق الاقرار، ولذلك اعتبرنا اقراره سنة. وفرق بين ان يقر حكما لدى أهل العرف لموافقته لأحكامه، وبين ان يعتبر نفس العرف أصلاً يرجع اليه في الكشف عن الاحكام الواقعية. فما أقره في الاحكام العرفية يكون من السنة، وليس أصلاً برأسه في مقابلها». ثم ان انتشار التأمين التجاري وشيوعه، بل وانتشار كل شيء وشيوعه لا يجعله صالحاً لاستكشاف الحكم الشرعي. «وليس عندنا ـ كما يقول السيد الحكيم ـ من الأدلة ما يسمى بنظام الحياة، والذي نعرفه من أنظمة الحياة التي تعارف الناس عليها ان بعضها ممضي في الاسلام فهو حجة، وبعضها غير ممضي فهو ليس بحجة ولا يسوغ الركون اليه. وكم من العادات والأعراف التي كانت سائدة في الجاهلية قد استؤصلت في الاسلام.. هذا اذا أريد من العرف، العرف الذي يراد معرفة حكم الشارع منه. أما اذا أريد من العرف ما أوكل الشارع تحديد موضوعاته اليه، أو ما استكشف منه مرادات المتكلمين فهو وإن كان حجة بمعنى انه المرجع لتحديد المراد أو تشخيص الموضوع، إلا انه لا يشكل كبرى كلية تقع في طريق الاستنباط ليكون أصلاً في مقابل الاصول، وانما وظيفته تنقيح الصغريات لموضوع الحكم الكلي، أو الصغريات لقياس الاستنباط، وحال الثابت منه في بعض صوره حال مباحث الألفاظ في تنقيح الظهور للسنة أو الكتاب». والى هذا ذهب مجمع الفقه الاسلامي في رده على دعوى المستدلين بالعرف على اباحة عقد التأمين التجاري قائلاً انه: «لا يصح الاستدلال بالعرف، فان العرف ليس من أدلة تشريع الاحكام، وأنما يبني عليه في تطبيق الاحكام وفهم المراد من ألفاظ النصوص ومن عبارات الناس في ايمانهم وتداعيهم وأخبارهم وسائر ما يحتاج الى تحديد المقصود منه من الأفعال والأقوال، فلا تأثير له فيما تبين أمره وتعين المقصود منه». هذا كله على تقدير القول بأن عقد التأمين التجاري أصبح عرفاً عاماً. أما اذا ذهبنا مع الذاهبين الى ان عقد التأمين التجاري لم يصبح عرفاً عاماً. لأنه يجري بين عدد قليل من الناس بالنسبة لعموم المسلمين في دار الاسلام. داعمين ذلك بقول من يقول اننا لو أحصينا عدد المستأمنين بهذا النوع من التأمين نجد نسبتهم بالنسبة لعموم الشعب نسبة ضئيلة جداً لا تسوغ لنا ان نعتبرهم موجدين لعرف. فان الاستدلال بالعرف على إباحة عقد التأمين التجاري عند من يقول به سيبطل من أساسه. دليل المصلحة المرسلة ومناقشته يحسن بي باديء ذي بدء ان أحدد معنى المصلحة في المعجم العربي، ثم أعرف المصلحة المرسلة اصطلاحاً. ثم أتحدث عن الخلاف بين المذاهب الاسلامية في حجيتها وعدمها. معرجاً بعد ذلك على العلاقة المتصورة بين المصلحة المرسلة وعقد التأمين التجاري مع مناقشته. منتهياً الى رأي في هذه المسألة. يقول ابن منظور في لسان العرب: «المصلحة الصلاح، والمصلحة واحدة المصالح، والاستصلاح نقيض الاستفساد. واستصلح الشيء تهيأ للصلاح، والشيء أصلحه، وطلب اصلاحه وعده صالحاً. وفي الأمر مصلحة أي خير ومنفعة. ويبدو ان الاستصلاح في اللغة طلب المصلحة، لان السين والتاء للطلب، فالمصلحة لغة من آثار الاستصلاح، وقد فسرها الامام الطوفي لغة فقال: ان لفظها مفعلة من الصلاح، وهو كون الشيء على هيئة كاملة بحسب ما يراد ذلك الشيء له كالقلم يكون على هيئة المصلحة للكتابة. ويبدو ان المصلحة والاستصلاح في عرف كثير من الأصوليين كالمترادفين يستعمل أحدهما محل الاخر للدلالة على المقصود، حتى ان الامام الغزالي ذكر الموضوع بعنوان الاستصلاح وفي أثناء البحث عبر عنه بالمصلحة. وعرفت المصلحة او الاستصلاح بأنه: ما لم يشهد له من الشرع بالبطلان بالاعتبار نص معين فليس له على هذا شاهد شرعي على الخصو ص ولا كونه قياسا. أو هي الاوصاف التي تعرف عليتها بدون شهادة الاصول، بل بمجرد الاخالة اي بمجرد كونها مخيلة يعني موقعة في القلب خيال العلية والصحة، فلم يشهد لها الشرع بالاعتبار ولا بالابطال.. او هي كما عرفها الغزالي: المحافظة على مقصود الشرع وهو خمسة أشياء: ان يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، نسلهم، ومالهم. فكل ما يتضمن حفظ هذه الاصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الاصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة. لقد ذهب بعض الباحثين الى ان المصلحة المرسلة يمكن ان تكون دليلا على مشروعية عقد التأمين التجاري. لأن في عقود التأمين التجاري ما فيها من جلب النفع ودفع الضرر، حيث ان التأمين وسيلة للادخار وتكوين رؤوس الاموال، وزيادة فرص الائتمان، كما انه يجبر الكو ارث ويدعو الى الطمأنينة والامان، وذلك كله مصلحة للمسلمين وهي مصلحة مرسلة لم يرد نص باعتبارها، ولم يرد نص بإلغائها فيكون جائزا شرعا. اذ حيث توجد المصلحة فثم حكم الله. وهو استدلال غير تام ذلك ان المصالح اما معتبرة في الشرع وبالحكم القطعي من العقل من جهة ادراك مصلحة خالية من المفسدة كحفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل فقد اعتبر الشارع صيانتها وترك ما يؤدي الى فسادها... ولكن القول بحجيتها هنا لا يجعلها دليلا مستقلا في مقابل العقل. كما ان ادراكا كهذا غير وارد في موضوعنا محل البحث لوضوح ان عقد التأمين ليست مصلحته مصلحة ذاتية خالية من المفسدة بموجب حكم عقلي قطعي. وخلاصة القول: ان الظنون التي لم يقم على اعتبارها دليل قطعي لا حجية لها. والمصلحة المرسلة لم يقم على اعتبارها دليل قطعي فلا حجية لها. وإذا كانت المصلحة المرسلة هي نفسها من الظنون التي لم يقم على اعتبارها دليل قطعي فلا حجية لها، فكيف بعقد التأمين التجاري التي يراد اثبات مشروعيته بدليل المصلحة المرسلة؟ واذا كان الامر كذلك فهل يستطيع البحث ان يقدم دليلا على مشروعية عقد التأمين بكافة انواعه التبادلية والتعاونية والتجارية بما في ذلك عقد التأمين على الحياة؟ هذا ما سيتكفل البحث باثباته لاحقا ان شاء الله.