الاحد 2 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 5 يناير 2003 في إطار العلاقة المشتركة بين لبنان وسوريا، على كل من البلدين أن يرتكز على قوة الآخر، مع تحقيق تكامل متزايد يقوم على عناصر التكامل الاقتصادي الأساسية بين البلدين. فسوريا تتمتع بموارد طبيعية وفيرة، وهي موارد الأرض والمياه، والموارد المعدنية، مع وجود قوة عمل فتية ومتنامية. لقد استثمرت سوريا في البنية التحتية، لكنها تحتاج إلى موارد مالية واستثمارات كبيرة لتحقيق أهداف ثلاثة رئيسية. وأول هذه الأهداف تطوير البنية التحتية الأساسية والإسكان والمرافق العامة لدعم الاقتصاد والنمو السكاني. ثانيا، الاستثمار بهدف استغلال وتطوير الموارد الطبيعية. ثالثا، الاستثمار في عملية التحديث والتحسين باعتماد التكنولوجيات الجديدة، ومنها تكنولوجيا وسائط الإعلام والمعلومات والاتصالات، وذلك في جميع النشاطات والقطاعات الاقتصادية. وهذا أمر أساسي لتتمكن من المنافسة على صعيد دولي، وهو جزء من التصحيح الناجم عن تحرير الاقتصاد ورفع القيود السائدة. وتتمتع سوريا بميزة مقارنة في الزراعة والصناعة، ومنها إمكانية تطوير الصناعات الزراعية. ويتمتع لبنان مقارنة مع سوريا بميزة تفاضلية في قطاع الخدمات ـ تجارة وتسويق، سياحة، خدمات استشارية ومالية ومصرفية. غير أن سوريا ركزت، إلى حد كبير، على إنتاج منتجات أساسية ومواد خام، معدنية وزراعية، لكنها ذات قيمة مضافة محدودة. مثال ذلك أن سوريا هي حاليا ثالث أكبر بلد منتج لزيت الزيتون في العالم، وهذا إنجاز بالغ الأهمية. غير أن إنتاج زيت الزيتون يتم، إلى حد كبير، باستعمال الزيتون المعد للاستهلاك، وهو ليس من النوع الصناعي الذي يتمتع بعائد مرتفع. والأهم من ذلك أن زيت الزيتون السوري لم يخضع لتصنيف متدرج وفق المعايير والمقاييس الدولية، وبالتالي فإن حصته محدودة في الأسواق الدولية، لاسيما فيما يتعلق بإنتاج النوع الصافي الثمين. ولبنان، الذي ينتج كميات أقل بكثير من زيت الزيتون يواجه مشكلات مماثلة. وبهذا الصدد، هناك مثل آخر هو القطن. فسوريا تنتج قطنا مرتفع الجودة وتقوم بتصديره بقدر قليل من القيمة المضافة. وفي السنوات الأخيرة، أصبحت صناعة الأنسجة السورية مندمجة في شبكة التوريد العائدة للاتحاد الأوروبي، وهي تقوم حاليا بتوريد أنسجة مصنوعة وسلعاً تامة مرتفعة الجودة إلى بلدان الاتحاد الأوروبي وإلى سائر البلدان. والواقع أن على سوريا ولبنان تعديل اتجاههما الاقتصادي بالانتقال من إنتاج مواد خام ومنتجات أولية ذات قيمة مضافة منخفضة إلى منتجات ذات قيمة مضافة مرتفعة تستخدم التكنولوجيا وتعتمد المعايير الدولية للمواصفات والمنتجات. خطة للعمل في المستقبل إن الأوضاع الجيو ـ استراتيجية والسياسية التي تلت أحداث 11 سبتمبر 2001، وإعادة احتلال مناطق السلطة الفلسطينية بالقوة والقمع والدم هو أمر لا يتطلب القيام بعمل جزئي متدرج بل يقتضي اتخاذ تدابير شاملة وجريئة. فهناك غضب عارم وخيبة أمل في صفوف الشعوب العربية، نتيجة الأحداث والتعامل بمكيالين بأوضاع المنطقة على الصعيد الدولي. ومن أجل مواجهة المطالب المشروعة لشبابنا، والاستجابة لتحديات العولمة والبيئة الناجمة عن أحداث 11 سبتمبر 2001، يحتاج العالم العربي إلى نهضة شاملة، وهذه مهمة ستضطلع بها أجيال متعددة. وما يعمل لمصلحتنا هو وجود فئات فتية من السكان المتعلمين، وإمكانية استخدام ثورة المعلومات الجديدة وتكنولوجيتها. وما تبقى هو مسألة إرادة ومثابرة وشجاعة في تنفيذ الإصلاحات. وعلى سوريا ولبنان، نظرا لموقعهما الاستراتيجي والجغرافي ومصالحهما المشتركة، القيام بقيادة هذه النهضة. وعليهما العمل معا على جبهات متعددة في إطار استراتيجية تشمل ما يلي: (1) الإقدام على تنفيذ إصلاحات اقتصادية ومالية؛ (2) زيادة الانفتاح في اقتصاد كل من البلدين، بما في ذلك عن طريق اتفاقات دولية ومتعددة الأطراف تعقد مع البلدان العربية والاتحاد الأوروبي والدخول الى منظمة التجارة العالمية؛ (3) تنفيذ استراتيجيات إلكترونية (e-Strategies) بهدف دخول الحياة الاجتماعية والاقتصادية العصر الرقمي. الإصلاحات الاقتصادية والمالية ينبغي لكل من سوريا ولبنان القيام بإصلاحات اقتصادية ومالية بهدف توسيع مشاركة القطاع الخاص وتخفيض حجم القطاع الحكومي ومدى تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي، وذلك لرفع معدلات النمو الاقتصادي حتى مستوى يتراوح بين 6 و8 سنويا وزيادة نمو الإنتاجية الكلية. إن صانعي السياسات في كل من البلدين يدركون أن التعاون والتكامل في الميدان الاقتصادي يجب أن يرتكز على تطبيق سياسات اقتصادية ومالية سليمة، وعلى حكم سليم شفاف فيما يتعلق بإدارة المؤسسات وتطبيق القوانين والأنظمة. وهم يدركون أيضا أن الروابط التي تجمع اقتصاد البلدين ـ التجارة والاستثمار واليد العاملة ـ تتأثر بالسياسات التي يتبعها كل منهما، وأن هذا التأثير متبادل. من الواضح، في لبنان، وجوب إعطاء الأولوية لتنفيذ برنامج مالي تصحيحي يمتد على عدة سنوات، مع اتخاذ تدابير متشددة للحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي. ويجب أن تتضمن هذه الخطوة إصلاحا شاملا للمالية العامة والنظام الضريبي، وتخفيض الدين العام وعجز الموازنة على أساس قابل للاستمرار. وهذا يقتضي إعادة النظر في حجم القطاع الحكومي ودوره في الاقتصاد، وفي قدرته على إدارة وتمويل عملية الإعمار في لبنان. وينطوي ذلك أيضا على عملية تحرير وإنشاء الإطار اللازم لتوسيع ومساهمة القطاع الخاص في توفير البنية التحتية وخدماتها، بالإضافة إلى متابعة خصخصة المرافق والخدمات العامة ابتداء من قطاعات الاتصالات السلكية واللاسلكية والكهرباء والماء والنقل والمواصلات، علما بأن الإطار القانوني للخصخصة موجود حاليا. أما التنفيذ فيتطلب إنشاء هيئات تنظيمية جديدة ومنحها الصلاحيات اللازمة، بالإضافة إلى وجود سلطات رقابية مستقلة تضمن تنفيذ برنامج الخصخصة بشكل شفاف وفعال ومسئول وتحافظ على المنافسة في القطاعات المخصخصة. وفي سوريا، يعني ذلك الاستمرار والإسراع في عملية إصلاح النظم وتحرير الاقتصاد. والعنصر الهام للاستراتيجية الاقتصادية الجديدة التي تبناها الرئيس بشار الأسد، أي الإصلاح الضريبي والمصرفي وتدابير التحرير الاقتصادي، يجب إكمالها بإصلاحات في قطاعات أخرى. مثال ذلك أن توحيد أسعار الصرف لتجنب التشوهات التي نجمت عن اعتماد أسعار صرف متعددة يشكل خطوة هامة في إصلاح النظام التجاري ونظام المدفوعات. كذلك فإن مرونة أسعار الصرف ومعدلات الفائدة عنصر هام في اشتغال أسواق الائتمان والأسواق المالية بشكل سليم، كما أنه عامل أساسي من عوامل الادخار والاستثمار. فالإصلاح الاقتصادي لا يمكن حصره بقطاع معين أو عزله عن القطاعات الأخرى، بل يجب أن يكون إصلاحا شاملا. والواقع أن القيام بخطوات إصلاحية إفرادية أو قطاعية قد يؤدي إلى تشوهات وإلى نتائج بعيدة عن النتائج الفضلى. إن الإصلاحات الاقتصادية في سوريا تطرح قضية حجم القطاع الحكومي ونشاطاته ومسئولياته. فالقطاع العام في سوريا يستأثر بحصة كبيرة من مجموع الإنتاج في جميع قطاعات النشاط الاقتصادي تقريبا. وبالتالي، فإن عمليات الإصلاح والتحرير ورفع القيود تطرح على البحث دور الحكومة ودور الدولة في ميادين الإنتاج والنشاط الاقتصادي والحوافز الاقتصادية. والمهم بهذا الخصوص أن يكون نظام الأسعار فعالا وغير مشوه، كي تنشأ عنه حوافز ملائمة للمستهلكين والمستثمرين ومؤسسات الأعمال. وهذا أمر ينطبق على الصعيدين المحلي والدولي. أما القرار الاستراتيجي الذي تواجهه صعوبات سياسية والذي يتعين على السلطات اتخاذه فهو مرتبط بمفهوم دور الدولة في الشئون الاقتصادية. إن الإصلاح الشامل يتطلب وضع خطة واضحة للإصلاحات المنوي إجراؤها بغية إطلاع القطاع الخاص والجمهور، المحلي والأجنبي المقيم وغير المقيم، على الشئون المتصلة بالاستراتيجية المنوي تنفيذها. وتوجد، في هذا الإطار خمس قضايا هامة ووثيقة الصلة، وهي: ـ يجب النظر إلى الإصلاح الاقتصادي على أنه مجموعة تدابير متشعبة ومترابطة في حقل السياسة العامة. ومن الأمثلة على ذلك ميدان كان مؤخرا موضوع تدابير إصلاحية مهمة، وهو القطاع المالي. فقد تم اعتماد قانون جديد للنقد والتسليف وللمصرف المركزي في سوريا، وهو يتيح الترخيص للمصارف الخاصة. وهذه كلها مبادرات ممتازة. غير إن إيجاد وتثبيت نظام مصرفي ومالي سليم وصحيح يتطلب أيضا إجراء إصلاحات في قطاعات اقتصادية أخرى. فإصلاح القطاع المالي ورفع القيود بهدف زيادة التعميق المالي يجب أن يؤدي إلى إلغاء الدعوم الممنوحة لمؤسسات الأعمال العامة التي تعمل من خلال النظام المصرفي عن طريق تخصيص الائتمانات بشكل إداري بعيد عن آلية السوق. ونجاح ذلك يقتضي زيادة الشفافية في عمليات القطاع العام، بالإضافة إلى إصلاح المالية العامة والنظام الضريبي، بغية إزالة التشوهات الضريبية القائمة. وعلى السلطات أيضا أن تتخذ قرارا بشأن ملكية وإدارة المصارف الحكومية. ذلك بأن تحرير القطاع المصرفي وإنشاء مصارف خاصة ودخول مصارف أجنبية سوف يؤدي إلى زيادة المنافسة. ولا بد هنا من تأمين تساوي الفرص. كذلك يجب تطبيق نظام رقابي واحد على المصارف الخاصة والمصارف الحكومية والمؤسسات المالية. ـ إن توقيت الإصلاحات وتسلسلها أمر هام لنجاح عملية التحرير ورفع القيود. ونجد أن بحث هذه القضية الهامة في سوريا لم يكن كافيا. فالبحوث والعبر المستخرجة من الإصلاحات الاقتصادية الناجحة (عملية الإصلاح في جمهورية الصين الشعبية) ومن الإصلاحات الاقتصادية الفاشلة (مؤخرا في أوروبا الشرقية وبلدان الاتحاد السوفييتي السابق وروسيا على وجه الخصوص) تشير إلى ضرورة تسلسل الإصلاحات على الوجه التالي: إصلاح الأسعار والأجور؛ إصلاح المالية العامة والإصلاح الضريبي؛ إصلاح القطاع المالي؛ إصلاح القطاع التجاري؛ وأخيرا، تحرير المدفوعات الخارجية وإلغاء إجراءات الرقابة على الرساميل. وهنا لابد من الملاحظة بأن الإصلاحات الاقتصادية الداخلية يجب أن تسبق إصلاح القطاع الخارجي. وعلى صانعي السياسات الاقتصادية أن يتجنبوا التشوهات الداخلية أو الدعوم المالية في أسعار السلع والخدمات أو أسعار الموجودات، التي تنجم عنها حوافز خاطئة ودلالات اقتصادية غير صحيحة، واجتذاب الموارد نحو قطاع أو نشاط معين بشكل يؤدي إلى تفاقم التشوهات. وعلى صانعي السياسات الاقتصادية أن يتأكدوا من أن التدفقات التجارية والرأسمالية تستجيب للعوامل الاقتصادية الأساسية، وللدلالات الصحيحة الصادرة عن أسعار وريوع سوقية غير مشوهة. ـ هناك في الواقع درجة أقل من الإجماع حول كيفية تنفيذ الإصلاحات، أي هل يجب تنفيذها بشكل تدريجي أم دفعة واحدة؟ فالاقتصادات الخالية من الاحتكاكات والتي توجد فيها مؤسسات مرنة وأفراد ومؤسسات ذات إطلاع جيد قد تحبذ إجراء إصلاحات جذرية في السياسات الاقتصادية تتم دفعة واحدة. والواقع أن بعض القطاعات الاقتصادية تتطلب اتباع نهج الدفعة الواحدة، في حين أن هذا النهج يضر قطاعات أخرى. وبالتالي، فمن الأفضل أن يتبع فيها نهج تدريجي. ـ إن على القطاع العام أن يقود تنفيذ عملية الإصلاح. وبهذا الصدد، ينبغي للحكومة أن تنظم أمورها الخاصة قبل أن تفرض الإصلاح أو ترفع القيود عن القطاع الخاص. ونجد، بنوع خاص، أن تدخل القطاع العام في اشتغال الأسواق وفي النشاط الاقتصادي هو الذي أدى إلى التشوهات. أما القاعدة الواجب اتباعها فهي أن رفع القيود يجب أن يتم أولا في الشركات والمؤسسات التابعة للقطاع العام، وأن يشمل الشركات القائمة بالإنتاج بالإضافة إلى مؤسسات الوساطة المالية. ـ يجب أن تنطوي الإصلاحات على اعتماد المعايير والنظم الدولية. ومرة أخرى، نجد أن القطاع المصرفي والمالي هو أفضل مثل، ولذلك فمن الأساسي الاستثمار في البنية التحتية للنظام المالي.