الاحد 2 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 5 يناير 2003 في ضوء تشخيصنا لواقع ودور الشركات الاجنبية العاملة في سوق الامارات خلال العقود الثلاثة الماضية، وفي ضوء تعريجنا واشارتنا الى دور الشركات الاجنبية التي تواجدت في الامارات قبل قيام الدولة ومنذ الاكتشافات النفطية فاننا نؤكد بأن للشركات الاجنبية دوراً سلبياً على أوضاع اقتصادنا الوطني ومجتمعنا المحلي ومما شجع هذا الدور السلبي غياب معالم الاقتصاد الوطني وأسسه فلا تخطيط اقتصادي، ولا استراتيجية محددة، ولا سياسات واضحة على صعيد الدولة أو الامارة، وفي ضوء هذه المعطيات فان الاقتصاد الوطني فيما اذا ظل في هذه الوضعية سوف يكون مشرعاً أكثر من قبل امام تجاوزات هذه الشركات وممارساتها الضارة بالاقتصاد الوطني والمجتمع الاماراتي. ولعل عدم تجاوب هذه الشركات مع مناشدة المؤسسات والوزارات الاتحادية وأصحاب القرار الاقتصادي بضرورة المساهمة في تحقيق اصلاحات ملموسة في الاقتصاد الوطني، وفي فتح أبواب هذه الشركات امام ابناء الامارات للعمل فيها لدليل على موقف هذه الشركات، ومن هنا نحدد دورها المستقبلي في ظل معطيات المستقبل من خلال مجموعة من المؤشرات نذكرها كالتالي: الشركات الاجنبية ودورها في مستقبل الاقتصاد الوطني: ان وضعية الاقتصاد الوطني بتركيبته ومحدودية قاعدته الانتاجية وغياب أهدافه وضعف آلياته، ومحدودية دور الشركات الوطنية وغياب أهدافها وضعف قاعدتها الرأسمالية، ومحدودية قدراتها الانتاجية، ثم غياب السياسات العمالية وضعف التشريعات القانونية ذات العلاقة بالنشاط التجاري والاقتصادي كل هذا سوف يجعل من الشركات الاجنبية ان تمدد حضورها وتزيد من سيطرتها وهيمنتها وتمارس تجاوزاتها بالاضرار بالاقتصاد الوطني والمجتمع الاماراتي. ـ ان غياب استراتيجية التنمية الاقتصادية في الامارات على مستوى الدولة، ثم الاستمرار في تغيب دور التخطيط البشري والسكاني، ثم محدودية وغياب دور القطاع الخاص الوطني في الاقتصاد والتنمية سوف يمكن الشركات الاجنبية من السوق المحلية والاقتصاد الوطني وسوف تحقق ارباحاً قياسية دون مساهمة حقيقية في احداث تنمية اقتصادية فعلية في الامارات. ـ ان الوضعية القانونية للتشريعات الاقتصادية في الامارات وتغليب القانون المحلي في كل امارة على حساب القانون الاتحادي سوف يؤدي دون شك الى تعطيل توطين الاقتصاد الوطني وسوف تظل قيادة السوق المحلية بيد الشركات الاجنبية التي سوف تعزز هيمنتها وفرصتها وانتهازيتها وتحقيق أهدافها دون الاكتراث بسمعة السوق أو تنمية الاقتصاد الوطني، وسوف تستغل أوضاع السوق المتخلفة في هيكلها الانتاجي من اجل تسويق خدماتها وسلعها ذات المنشأ الاجنبي. ـ ان الاوضاع الاقتصادية المترهلة والضعيفة وضعف القاعدة الانتاجية للاقتصاد الوطني واعتماده على الخارج في ايفاء متطلبات المجتمع، سوف يؤدي الى تفاقم الظواهر الاقتصادية السلبية كالعجز في الميزانية الاتحادية بعد ان أصبح عجزاً مزمناً ولاسيما في ظل ضرورات التوسع في مشاريع الخدمات الاجتماعية وضرورات الصيانة للمشاريع القائمة، ثم بروز ظاهرة البطالة في سوق العمل سواء بين المواطنين أو المقيمين. وكذلك العجز في ميزان المدفوعات، ثم التذبذب في أسعار النفط وانعكاس ذلك على ميزانية الدولة وعلى ميزان المدفوعات، كل هذه الظواهر والمعطيات سوف تدفع بالقرار الاقتصادي في الامارات للخضوع والاستسلام لشروط الشركات الاجنبية والاستثمارات الاجنبية بعد ان تشكل تلك الاوضاع ضغوطاً شديدة على أوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ـ ان القانون الاتحادي رقم (8) لسنة 1984 في شأن الشركات ولاسيما المادة (22) منه ذات العلاقة بالملكية الاجنبية، ثم قانون الوكالات التجارية وهو القانون الاتحادي رقم (18) لسنة 1993، لن يكون لهما جدوى أو فاعلية في ظل المعطيات الاقتصادية المستجدة في العالم التي تفرض على الاقتصادات الناشئة ومنها اقتصاد الامارات ضرورة فتح أبوابها لتكون مشرعة أمام الشركات الاجنبية وخاصة فيما يتعلق بالملكية الاجنبية لتصبح هناك شركات أجنبية ذات ملكية خالصة لرؤوس أموال اجنبية، وسوف تكون هناك شركات تسويق ذات ملكية اجنبية كاملة دون حاجة الى كفيل، كما ان الضغوط الخارجية وتداعيات متطلبات السوق العالمية سوف تفرض على السلطة النقدية بالامارات وباقي الاقتصادات الناشئة فتح السوق امام المصارف الاجنبية الأمر الذي يعني تعديل القانون الاتحادي رقم (10) لسنة 1981 في شأن المصرف المركزي بما يتماشى مع التوجهات العالمية وبما ينسجم مع متطلبات الشركات الاجنبية، وبموجب الوضع القانوني الجديد سوف تحصل الشركات الاجنبية سواء القائمة حالياً والمتواجدة في سوق الامارات أو التي سوف تتواجد سوف تحصل على المزيد من التسهيلات والاعفاءات والمزايا دون أي التزام من قبل هذه الشركات تجاه الاقتصاد الوطني أو احداث تنمية اقتصادية أو فتح الباب امام الاماراتيين، أو حتى بدفع ضريبة معينة. ـ في ظل الاوضاع الهزيلة والهشة لشركاتنا المساهمة الوطنية، وفي ظل تراجع الاوضاع الاقتصادية فان الشركات الاجنبية سوف توسع من نشاطها وتفرض سيطرتها حيث لن تجد مقاومة من قبل الشركات الوطنية لاسيما بعد ان تبطل التعديلات القانونية المستجدة مقاومة شركاتنا الوطنية وتصب لصالح الشركات والاستثمارات الاجنبية التي سوف تقترض من المصارف العاملة في الامارات دون حاجة الى نقل رؤوس اموالها من الخارج، وبعد سنوات قليلة سوف تعيد ما اقترضته وسوف تحرك أرباحها وتديرها وبالتالي سوف تدخل منافساً شديداً على السيولة المحلية، كما ان هذه الشركات لن تكون مضطرة الى ادخال تقنية إلا بحدود معينة ومدروسة جيداً، ولن تتيح الفرصة للعمالة المواطنة للعمل فيها لان ذلك لا يندرج تحت شروط الاستثمار الاجنبي وتقاليد الانفتاح الاقتصادي الحديث. ـ ان التنافس المحتدم على الاستثمارات الاجنبية خلال الألفية الثالثة سواء على صعيد الدول والتكتلات الاقتصادية أو على صعيد امارات الدولة ذاتها سوف يفرض على الاقتصادات الناشئة ومنها اقتصاد الامارات الى الخضوع والاستسلام التام لشروط الاستثمار لاسيما في ظل الرغبة لدى القائمين على اقتصاد الدولة في الاندماج السريع في الاقتصاد العالمي، ثم لكون اقتصاد الامارات يتصف بالتجزئة والتباين في السياسات والاهداف والآليات المعمول بها في امارات الدولة الأمر الذي سوف يسهل على الشركات الاجنبية من اختراق السوق المحلية والتحكم في الاقتصاد الوطني. ـ ان توجه الدولة أسوة بباقي دول العالم ولاسيما العالم الثالث نحو خصخصة اقتصاداتها يعني اتاحة فرصة أكيدة امام الشركات الاجنبية ولرؤوس الاموال الاجنبية نحو التمدد والمزيد من التحكم والسيطرة بعد ان يتم رفع السقف الأعلى للملكية الاجنبية في الشركات القائمة وبعد ان فتحت الشركات المساهمة الوطنية القائمة المجال لرأس المال الاجنبي لتملك نسبة من أسهمها وربما تزيد هذه النسبة مع تراجع سوق الاوراق المالية وضعف الطلب المحلي على أسهم الشركات الوطنية، ثم ان الشركات الاجنبية سوف تتجه وفي اطار خصخصة الاقتصاد نحو شراء شركات وطنية قائمة دون اللجوء الى تأسيس شركات جديدة وبالتالي تتزايد حدة السيطرة الاجنبية. ـ باستثناء قطاع النفط والبتروكيماويات حيث المزية النسبية فيه سوف تقوم الشركات الاجنبية بالاستثمار طويل الاجل فيما معظم الشركات الاجنبية سوف توسع نشاطها أكثر في القطاعات الاستهلاكية والخدمية وخاصة في قطاع التجارة والتسويق وقطاع الخدمات والتشييد. ـ ان انضمام الامارات الى منظمة التجارة العالمية منذ ابريل 1994 ودخول هذه الاتفاقية الى حيز التنفيذ اعتباراً من ابريل 2003 يعني تطبيق الدولة لالتزاماتها تجاه الشركات الاجنبية كي تتمكن هذه الشركات من تحقيق أهدافها التقليدية وحصد المزيد من المكتسبات على حساب السوق المحلية والاقتصاد الوطني لاسيما في ظل تزايد اعدادها في الامارات ومنها المصارف الاجنبية التي تتحين الفرصة لدخول سوق الامارات على حساب مصارفنا الوطنية التي لن تستطيع منافسة الاجنبية مستقبلاً. ـ ان متطلبات العولمة الاقتصادية التي برزت اعراضها بقوة على سوق الامارات واقتصادها في الحاضر سوف تظهر بوضوح أكثر وبقوة أكبر خلال السنوات المقبلة من خلال شركات العولمة الاقتصادية المدججة بالقدرات الرأسمالية والامكانيات التقنية والنزعة نحو السيطرة على الاسواق الناشئة كسوق الامارات وفرض تقاليدها واعرافها عليها، حينها لن تستطيع شركاتنا ومصارفنا الوطنية الوقوف امام حركتها نحو السيطرة والهيمنة وحينها سوف تفقد شركاتنا الوطنية مواقعها في السوق المحلية وتتحول هذه السوق الى سوق معولمة في التشريعة الاقتصادية والتقاليد والاعراف التجارية والعمالة الاجنبية، ويصبح اقتصادنا الوطني فاقداً لهويته وحضوره بعد ان فقد مقاومته ومصادر قوته.