الجمعة 29 شوال 1423 هـ الموافق 3 يناير 2003 تحتل الاستثمارات الأجنبية المباشرة اهتماما كبيرا نظرا للتأثير الكبير الذي يمكن ان تمارسه هذه الاستثمارات على النمو والتنمية في البلاد المضيفة لها بشكل عام وتأتي الاستثمارات الأميركية في مقدمة هذا النوع من الاستثمار حيث تعد الولايات المتحدة من اكبر الدول المصدرة للاستثمارات كما انها من أعلى الدول من حيث القدرات التكنولوجية وهو مايزيد من جاذبية الاستثمارات المباشرة المتدفقة منها بهدف اعادة توطين جزء من هذا التقدم في الدول المتلقية. وكانت قضية الاستثمارات الاميركية المباشرة في مصر هي محور نقاش الندوة التي نظمها منتدى الدراسات الاميركية بجامعة القاهرة مؤخرا، حيث أعدت الدكتورة لبنى عبداللطيف استاذ الاقتصاد بالجامعة دراسة هامة عن وضع هذه الاستثمارات، أكدت فيها ان مصر كانت خلال السبعينيات من أكبر عشر دول نامية متلقية للاستثمارات الاجنبية المباشرة والتي تركز معظمها في قطاع البترول، أما خارج هذا القطاع فقد اجتذب قطاع السياحة معظم الاستثمارات الاجنبية غير البترولية يليه قطاع المال ثم يأتي قطاع الصناعة في المرتبة الثالثة. وأضافت أنه بالرغم من المحاولات الواضحة التي تقوم بها الحكومة المصرية من أجل اجتذاب رؤوس أموال اجنبية لها من الخارج للاستثمار واقامة المشروعات المتنوعة بها الا أن هذه المحاولات لم تأت بما كان هو متوقع منها فلقد انخفض حجم الاستثمارات الأجنبية في مصر عاما بعد آخر بداية من عام 2000 وذلك في قيمتها الاجمالية، وفي عام 2001 وصل حجم الاستثمارات الاجنبية الى 251.1 مليون دولار في مقابل 1235 لعام 2000 أي بانخفاض يمثل نحو 58% في الوقت الذي كانت قد وصلت فيه الى 2919 مليون دولار في عام 1999 وتشير الدراسة الى انه بالرغم من اتجاه الاستثمارات الاجنبية المباشرة الى الدول النامية نحو الانخفاض بشكل عام في 2001 الا ان اتجاهها الى الانخفاض في مصر قد فاق الاتجاه العام فبينما كان معدل الانخفاض 58.7% في مصر فيما بين عامي 2000، 2001 فإن ذلك في اجمالي الدول النامية لم يتعد 14% بين هذين العامين. وأوضحت الدراسة أن تدفقات الاستثمار الاجنبي الى مصر في عام 1997 كان يقدر بـ 887 مليون دولار ارتفع الى 1065 في عام 1998 ثم الى 2919 في 1999 ولكنه انخفض في عام 2000 إلى 1235، ليشهد بعد ذلك انخفاضا حادا في 2001 قدر بـ 510 ملايين دولار فقط بينما في افريقيا شهدت التدفقات الاستثمارية المباشرة ارتفاعا كبيرا حيث كانت في عام 1997 تقدر بـ 10744 مليون دولار ارتفعت في عام 2001 لتصبح 16165 مليون دولار وكذلك في الدول النامية التي زادت الى 204801 مليون دولار في عام 2001 هذا بالرغم من أن الاستثمارات الاجنبية المباشرة تعرض مستواها العالمي الى انخفاض حاد بلغ 50%. وأكدت د. لبنى عبداللطيف ان الولايات المتحدة الاميركية تتصدر قائمة الدول التي تقوم بالاستثمار في مصر كما انها تعتبر أكبر مستثمر بترولي حيث تتركز الاستثمارات الاميركية في قطاع البترول كما ان الشركات الاميركية هي ثاني أكبر مستثمر اجنبي غير بترولي وغير عربي من مصر. وأشارت الى ان الاستثمارات الاميركية في الخارج اتجهت الى التناقص في قيمتها منذ عام 2000 في الوقت الذي شهدت زيادة مستمرة في مصر فيما عدا عام 1999 ولم تتعرض على نحو عام للاتجاه النزولي الذي شهدته اجمالي الاستثمارات الاميركية، وأوضحت انه بالرغم من ذلك فإن نسبة ماتلقاه الاقتصاد المصري من الاستثمارات المتجهة الى مناطق الشرق الأوسط وافريقيا قد شهد اتجاها الى الانخفاض في المتوسط خلال السنوات 2000، 2001 عن قيمه المتزايدة في السنوات السابقة، وأن الاستثمارات الاميركية تتركز في قطاع البترول تليه الصناعات التحويلية ثم الخدمات. كما اشارت الدكتورة لبنى في دراستها الى ظاهرة تسييل الاستثمارات الأميركية التي شهدتها الصناعة المصرية منذ عام 2000 حيث بدأت هذه الاستثمارات تخرج من الاقتصاد المصري وخروجها أخفى الزيادة الكبيرة في الاستثمارات الاميركية في قطاع البترول حيث ان معدل الزيادة الاجمالية في الاستثمارات الاميركية الى الاقتصاد المصري كان حوالي 161.3%، 73.5% بينما كان معدل نمو الاستثمارات البترولية الاميركية وحدها قد بلغ 428.7%، 118.9% في الأعوام 2000، 2001 على التوالي في الوقت الذي كانت هذه الاستثمارات في قطاع الخدمات المصري تعتبر هامشية وغير مستقرة وتشهد حالات تصفية. وتخلص الدراسة الى ان الاستثمارات الاميركية الصناعية في مصر تتوزع في معظم القطاعات الصناعية ولكن تحليل أنشطة هذه الاستثمارات يشير أنها تقوم بإنتاج سلع للمستهلك النهائي، ولا تقوم بإنتاج سلع وسيطة تشكل حلقة في سلسلة تصنيع متكاملة.. وهو مايعني ان الاستثمارات الاميركية في مصر تنجذب الى الموارد الطبيعية، وأنها ذات طبيعة قافزة تتخطى الحواجز الجمركية وتستهدف السوق المحلي وهو مايفسر التصفية التي تشهدها معظم هذه الاستثمارات خارج قطاع البترول مع تخفيض الرسوم الجمركية، وهو الوضع الذي ينبئ بأن السوق الحرة مع أميركا قد لا يترتب عليها زيادة في الاستثمارات الاميركية الى مصر كما يتوقع. وتشير الدراسة الى ان طبيعة هذه الاستثمارات وهو ماينطبق على كل الاستثمارات الاجنبية المباشرة الى الاقتصاد المصري، توضح ان ازالة الحواجز الجمركية له أثر عكسي على الاستثمارات الاميركية لأنه يسهل دخول السوق المصري من خلال الصادرات التي تنبع من الانتاج من الاقتصادات الاخرى الاكثر ملائمة في البنية التشريعية والقانونية وذات العمالة الماهرة، ثم تأتي عملية التصدير الى الاقتصاد المصري. وأوضحت د. لبنى ان الاستثمارات الاميركية والتقنية الخاصة بها المقدمة للدول النامية ومنها مصر اقل من التقنية المقدمة للدول الاخرى، ولا نتوقع أن تؤدي الى تنمية تكنولوجية في مصر وان هذه الاستثمارات أفقية تستهدف السوق المصري وطبيعتها القافزة محدودة بالقدرة الشرائية للمواطن المصري واضافت باننا نضع عوامل طرد لهذه الاستثمارات لانها تأتي نتيجة القفز على الجمارك. وقالت انه مازال امام الاقتصاد المصري العديد من الامور الجوهورية بالنسبة للاستثمارات الاميركية والاجنبية بشكل عام أولها اصلاح قانون العمل ففي الوقت الذي تضفي فيه نصوص قانون العمل صفات الجمود على سوق العمل فإن الشركات الأجنبية لا تستطيع الالتفاف حول هذه النصوص وادارة اعمالها لذلك فجمود التشريعات كانت على رأس الاسباب التي يذكرها المستثمرون الاجانب كمعوقات للعمل في السوق المصري واضافت ان معدلات الحماية الجمركية مازالت مرتفعة نسبيا مقارنة بالمتوسط العام للدول النامية كما يشوب الجمارك العديد من التشوهات في الهيكل وأيضا في تطبيق الاجراءات الى جانب عدم وجود تطور ملموس في سياسات الاصلاح الضريبي فأسعار الضريبة في مصر أعلى بكثير من الاقتصادات النامية المتنافسة معها على جذب الاستثمارات الاجنبية وبرغم ان الاعفاءات الضريبية في مصر عالية الا انه قد ثبت ان الاستثمارات التي تتلقاها الدول ذات الاعفاءات الضريبية الكبيرة لا تتسم بالاستقرار وأن دورة حياتها قصيرة أيضا نظم التدريب والتعليم في مصر تحتاج الى اعادة نظر فنظم التعليم المصرية لا تمكن الخريج المصري من تكوين قدرات تؤهله للتنافس العلمي مع نظرائه في العديد من الدول النامية الاخرى حيث ان المستوى المهاري للعامل المصري ينخفض بشدة على نظرائه في الاقتصادات المتنافسة على نحو يخفض من انتاجيته ويقضي تماما على الميزة النسبية لانخفاض مستوى الأجور في مصر. وأشارت الدراسة الى ان هذه العوامل تفسر الانخفاض النسبي لحجم الاستثمارات الاجنبية في مصر. بينما أشارت د. هناء خيرالدين رئيس قسم الاقتصاد الاسبق بجامعة القاهرة ان نصيب مصر من الاستثمارات الاجنبية بالنسبة لافريقيا يمثل 25.8% وبالنسبة للدول النامية 1.3% وذلك في سنة 2000 - 2001 هذه النسبة انخفضت الى الربع، وبدلا من حصولنا على نسبة 23% من نصيب افريقيا لم نحصل سوى على 33% وذلك لا يعني انسحاب الاستثمارات الاجنبية والأميركية ولكن يعكس مشكلات خاصة بالاقتصاد المصري نفسه مما يجعل الاستثمارات تهرب من مصر فالاقتصاد المصري يعاني من مشكلة كساد يجب حلها أولا وأضافت نحن دائما ننظر للاستثمارات الأجنبية من حيث حجم التدفق ولكننا لا نبحث اثر هذه الاستثمارات على بعض المتغيرات الاقتصادية في مصر واثرها على التصدير مقابل الاستيراد مؤكدة ان اثرها على الميزان التجاري كان سالبا وتساءلت هل الاستثمارات الاجنبية تحول موارد من الخارج ام تعبئ موارد من الداخل؟ وقالت ان التعريفة الجمركية ساهمت في تسطيح عملية التصنيع فنحن لا ننتج مستلزمات انتاج لان التعريفة تتجه الى حماية الانتاج والذي يريد ان ينتج فالتعريفة ستطفشهس وقالت منذ عام 1993 لم يحدث انخفاض في التعريفة الجمركية. وأشار د. عادل بشاي استاذ الاقتصاد بالجامعة الاميركية الى انه يجب اقران الاستثمارات الاميركية بالتصدير ويجب أن تجلب استثمارات تخدم التصدير كما يحدث في الصين وضرب مثلا بنظام تجميع السيارات واعتبره فاشلا لانه يفيد أفراد ولا يخدم الصناعة وقال ان عائد الاستثمارات الذي لا يستخدم في التصدير يعد عبئا على ميزان المدفوعات وهذا لا يعد عيبا في الاستثمارات الأجنبية ولكنه عيب الدولة المتلقية التي تقدم السلاح التي تحارب به. وتحدث صبري باجة مستشار بوزارة قطاع الاعمال العام مؤكدا ان بعض الاستثمارات الاميركية لا تعود بالفائدة على الاقتصاد المصري وضرب مثلا بشركات السجائر والفنادق وقال ان شركة سجائر اميركية تحصل مقابل تصنيعها لسجائرها في السوق المصري على مليار جنيه سنويا ولم تستثمر دولارا واحدا في مصر في الوقت الذي حاولت نفس الشركة الاستثمار في الهند فرفضت الحكومة الهندية لان لديها اكتفاء ذاتيا وطالبتها بالاستثمار في مجال الطائرات. القاهرة ـ ماجدة خضر: