الاحد 25 شوال 1423 هـ الموافق 29 ديسمبر 2002 لا شك في أن حجم الاقتصاد الأميركي يعتبر الأكبر على الإطلاق على مر التاريخ البشري وأن هذا الاقتصاد قد شهد قفزات من التطور خلال العقود القليلة الماضية مكنته من الوصول إلى مرحلة متقدمة جدا لا يمكن أن يجاريه فيها أحد حتى الاقتصادات الرأسمالية العريقة في أوروبا وذلك أساساً بفضل الشفافية وسيادة القانون التي يتميز بها وكذلك بفضل الشركات الأميركية العملاقة والتي يفوق حجم تعاملات بعضها ميزانيات الدول العربية مجتمعة ولسنوات عديدة. ولكن ما ينطوي على الكثير من الشك هو أن هذا الاقتصاد الكبير والقوي (حتى الآن على الأقل) اقتصاد يقوم على أسس صحيحه ومتينة تمكنه من التغلب على كل الصعوبات والصمود أمام الصدمات ومن اجتياز حالة الركود الحالية والتي في رأيي تختلف عن سابقاتها من حيث إمكانية استمرارها فترة أطول وكذلك إمكانية تحولها إلى كساد يأتي على الأخضر واليابس ليس في الاقتصاد الأميركي فحسب بل في اقتصادات بقية دول العالم سواء الأول أو الثاني أو الثالث التي أضحت ترتبط فيما بينها برباط العولمة الاقتصادية التي يمكن أن تنشر الكساد كما تنشر الازدهار بين دول العالم. ولكي نتمكن من استشراف مستقبل الاقتصاد الأميركي فإنه يجب علينا في البداية أن نكون صوره كاملة عن وضعه الحالي من خلال النظر في أداء مختلف القطاعات الاقتصادية وكذلك السياسات المتبعة ومدى نجاحها ومن ثم ربطها مع بعضها البعض لنتمكن من الحصول على تصور عام عن وضعه الحالي يؤهلنا لمعرفة ما يمكن أن يؤول إليه في المستقبل وعلى المديين القريب والمتوسط كما يجب علينا أن نقوم بمحاولة لتقييم السياسات الاقتصادية (المالية والنقدية والتجارية) والإجراءات التي تم اتخاذها حتى الآن من قبل الإدارة الأميركية ومدى إمكانية نجاحها في إخراج الاقتصاد الأميركي من حالة الركود أو على الأقل تخفيف حدة وتقليل مدة بقاءه, ويجب أن أعترف أن لدي الكثير من الشك في أولاً نجاعة سياسات الإدارة الأميركية الحالية سواء الداخلية أو الخارجية وثانياً قدرة هذه الإدارة على التعامل مع هذه الأزمة الاقتصادية والسياسية بشكل صحيح ومقبول. لقد استطاع الاقتصاد الأميركي التغلب على الكثير من الصعاب خلال الستين أو السبعين عاماً المنصرمة، إذ تمكن من تجاوز الكساد العظيم الذي ضرب العالم الغربي في عشرينيات القرن الماضي وذلك رغم حدة وما سببه من أضرار جسيمة لاقتصادات الدول الغربية ويكفي أن نعرف أنه خلال فترة الكساد وبسببه وصلت نسبة البطالة في الولايات المتحدة إلى أكثر من خمسة وعشرين في المئة أي أنه من بين كل أربعة أميركيين يوجد عاطل واحد عن العمل وهي نسبة كبيرة جداً بجميع المقاييس, كما أن الاقتصاد الأميركي تمكن من الصمود في فترات الحروب الكثيرة التي خاضتها الولايات المتحدة خلال النصف قرن الماضي ابتداء بإعلان الحرب على اليابان ودخول الحرب العالمية الثانية مروراً بحربي كوريا وفيتنام وانتهاء بحرب الخليج الثانية هذا عدى الحروب والنزاعات الصغيرة التي كان للولايات المتحدة يد أو طرف فيها بطريقة أو بأخرى مثل التدخلات العسكرية في أميركا اللاتينية والجنوبية والشرق الأوسط والأقصى والبلقان وأخيراً وليس آخر أفغانستان, ولم يصمد الاقتصاد الأميركي في ظل هذه الحروب التي ينبغي لها أن تنهك أي اقتصاد مهما كانت قوته فحسب بل على العكس فقد لاحظ غير واحد من الخبراء الاقتصاديين والماليين أن الاقتصاد الأميركي كان ينتعش بعد كل حرب تخوضها الولايات المتحدة وهو ما لم يستطع أحد فهمه أو تبريره حتى الآن وهو أراه مبرراً لاندفاع الإدارة الأميركية الحالية وإصرارها على خوض حرب غير مبررة من الناحية القانونية أو السياسية أو حتى المنطقية ولا تحظى بأي دعم أو حتى قبول دولي. من المعروف أن حجم الاقتصاد الأميركي يعتبر الأكبر إذ يزيد حجم الناتج المحلي الإجمالي على أحد عشر تريليون دولار في حين لا يتجاوز الناتج القومي الإجمالي العشرة تريليونات دولار على أقصى تقدير, مما يعني أن الاقتصاد الأميركي اقتصاد مدين أي أنه اقتصاد لا يعتمد بالدرجة الأولى على رؤوس الأموال والاستثمارات المحلية التي تنتج عن الادخار المحلي بل على رؤوس الأموال الأجنبية التي تجد في السوق الأميركية والاقتصاد الأميركي عموماً ملجأ آمنا يسود فيه مبدأ سيادة القانون وتتوفر فيه فرص استثمار جيدة ويتمتع بدرجة عالية من الاستقرار والشفافية وبنيه تحتية وقانونية متطور مقارنة بباقي الوجهات الرئيسية للاستثمارات الدولية ويكفي أن نعرف أن الاستثمارات الخليجية العامة والخاصة تقدر بثمانمائة وعشرين مليار دولار وذلك في أكثر التقديرات تحفظاً أي ما يقارب الثمانية في المائة من حجم الاقتصاد الأميركي ككل وتشكل الاستثمارات السعودية نصيب الأسد من هذه الاستثمارات وهو ما يبرر في رأيي الأهمية والثقل الذي تتمتع به المملكة العربية السعودية لدى الإدارات الأميركية المتعاقبة والتي تجلت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وكون المملكة العربية السعودية الرقم الصعب في معادلة السياسة الأميركية الخارجية مرده كما أسلفنا الاستثمارات السعودية والخليجية الضخمة في الاقتصاد الأميركي والتي يستمد منها هذا الاقتصاد قوته ويتمتع بفضلها المواطن الأميركي بفرص عمل جيدة وبمعدل دخل عال. وهذا الوضع يعطي الاقتصاد الأميركي خصوصية قد لا تكون ميزة بالضرورة بل على العكس من ذلك تماماً إذ انه في بعض الأحيان يجعل هذا الوضع الاقتصاد الأميركي عرضة أكثر من غيره للهزات المدمرة التي قد تنتج عن اهتزاز الثقة في السياسات المالية أو النقدية أو التجارية وحتى السياسات الخارجية التي غالبا ما يكون لها انعكاس على الوضع الاقتصادي ونافلة القول هي أن الاقتصاد الذي يقوم على الثقة المجردة ينهار إذا ما اهتزت هذه الثقة لأي سبب كان مما يعطي للسياسات الاقتصادية والعامة الأميركية أهمية كبيرو ودور جوهري في استقرار الوضع العام ونمو وازدهار الاقتصاد الأميركي. وبالنظر إلى الوضع الاقتصادي والسياسات الاقتصادية والعامة فأنه يمكننا الخروج بالتصور التالي: أولاً: يعاني الاقتصاد الأميركي من ركود نتيجة ضعف شديد في الإنفاق الاستهلاكي الذي يعتبر ركيزة ودعامة أساسية من دعائمه, وقد أستمر هذا الضعف في إنفاق المستهلك الأميركي بل وزادت حدته نتيجة لوجود حالة من عدم الشعور بالأمان فيما يتعلق بالمستقبل لدى المواطن والمستهلك الأميركي بسبب عوامل كثيرة أهمها ازدياد نسبة البطالة ووصولها إلى معدلات قياسية مما جعله يقلل من الإنفاق غير الضروري ويزيد من ادخاره وذلك تحسباً للمستقبل بالرغم من أن معدلات الفائدة منخفضة جداً (أقل من معدل التضخم) مما يعني أن المدخرات سوف تقل قوتها الشرائية في المستقبل, ولم تساعد الإجراءات التي اتخذتها إدارة الرئيس بوش والمسماة إجراءات دعم الاستهلاك في الخروج من هذه الحالة والتي شملت خفضا في نسبة الفائدة وإعفاءات عالية النسب من الضرائب على الدخل والضرائب على الاستهلاك. ثانياً: نتيجة لضعف الاستهلاك فقد عانت الكثير من الشركات الأميركية وخاصة الكبيرة منها وتلك التي تعتمد بشكل أساسي على السوق المحلية الأميركية مما حدا ببعضها إلى إشهار إفلاسها مثل شركة إنرون التي تعمل في مجال إنتاج الطاقة والتي تعتبر ثاني اكبر شركة في هذا القطاع وشركة كي مارت التي تعمل في مجال البيع بالتجزئة والتي تعتبر أيضاً ثاني أكبر شركة عاملة في هذا القطاع بعد شركة وول مارت العملاقة والتي تعاني بدورها من بعض المصاعب المالية اضطرتها تسريح نسبة من موظفيها وإعادة توظيف نسبة أخرى بأجور ومميزات أقل وذلك من خلال إعادة التفاوض مع اتحادات عمالها وكذلك شركة أم سي أي ورلد كوم التي تعتبر من أكبر شركات الاتصالات على مستوى العالم وأخيراً شركتي يو أس أيرويز ويونايتد ايرلاينز للنقل الجوي وهذه الأخيرة اضطرت إلى إشهار إفلاسها حسب أحكام الفصل الحادي عشر من قانون الشركات بعد عجزها عن سداد الدفعة المستحقة من ديونها التي بلغت أكثر من مليار دولار والتوصل إلى اتفاق مع اتحادات عمال الصيانة لديها بشأن نسبة وحجم الخفض في الأجور, وقد دفع هذا الركود من جانب أخر إلى التخلي عن الكثير من خطط الاستثمار والتوسع إضافة إلى الاستغناء عن عدد كبير من العاملين وذلك في محاولة منها إلى ضغط النفقات أملا منها في تجنب الإفلاس وتحسن حالة السوق. ثالثاً: تعاني أسواق المال الأميركية من حالة من انعدام الوزن وعدم القدرة على التنبؤ بالمستقبل سواءاً القريب أو البعيد وذلك بسبب حالة الركود التي يعاني منها الاقتصاد وإمكانية استمرار هذا الركود وتحوله إلى كساد عام هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى عجز الحكومة حتى الآن على الأقل عن وضع السياسات المناسبة والحلول الكفيلة بإخراج الاقتصاد من هذه الحالة التي يعتقد بعض الخبراء أنها استمرت أكثر مما ينبغي والتي في رأيهم تشكل بادرة غير مشجعة إطلاقاً خاصة وأن الخلاف داخل هذه الإدارة قد بدأ يطفو على السطح وذلك بدليل استقالة أو إقالة كل من وزير الخزانة والمستشار الاقتصادي للرئيس بوش دفعة واحدة وهو ما لم يحصل في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية هذا من جهة، ومن جهة أخرى انشغال هذه الإدارة بالسياسة الخارجية وبخوض الحرب تلو الحرب بحجة مكافحة الإرهاب ومن جهة ثالثة عدم وجود برنامج معين أو خطة واضحة لدي الحزب المنافس (الحزب الديمقراطي) لإخراج الاقتصاد من الوضع المتردي والذي يمكن أن يتحول إلى وضع كارثي قبل أن تنتهي فترة ولاية الرئيس والإدارة الحالية. رابعاً: بسبب أحداث سبتمبر وما تلاها من أحداث وردات فعل فقد زاد الإنفاق الحكومي الأميركي بنسبة كبيرة وهذا الإنفاق مرشح للازدياد في المرحلة القادمة وذلك بسبب أولاً ما يسمى بالحرب على الإرهاب إذ كانت الحملة الأميركية على أفغانستان تكلف الخزانة ما يناهز الستين مليون دولار يومياً وذلك حسب بعض الإحصاءات التي لا أعلم مدى دقتها، وثانياً استحداث وزارة جديدة تكون مسئولة عن الأمن الداخلي تم رصد مائتي مليار دولار كميزانية أولية لها, مما يعني زيادة العجز في الميزانية الأميركية التي تدار أصلاً بأسلوب التمويل بالعجز مما يستدعي زيادة الضرائب على الشركات التي تعاني من حالة كساد والأفراد الذين يعانون من نسبة بطالة مرتفعة. وإذا ما جمعنا هذه الأجزاء المختلفة ووضعناها مع بعضها البعض لنكون صورة كاملة عن الوضع الحقيقي لاقتصاد اكبر وأعظم دولة عرفها التاريخ البشري نجد أن ما تشكل لدينا لا يدعو البتة إلى التفاؤل هذا إذا كنا طبعاً نتعاطف مع (الأميركان) أو لدينا مصالح مشتركة معهم ذلك أن الأزمة التي يمر بها الاقتصاد الأميركي ليست مجرد حالة تباطؤ أو حتى ركود اقتصادي بل هي أكبر من ذلك بكثير أنها أزمة ثقة وأزمة إدارة وأزمة اقتصاد يقوم في الأساس على استغلال الآخرين بأي طريقة كانت مشروعة أو غير مشروعة وظاهرة أحياناً ومن وراء الكواليس أحياناً أخرى, أنها أزمة اقتصاد يزدهر عن طريق إفقار الآخرين، وفي اعتقادي فإنه آن الأوان أن يتساءل المواطن الأميركي وكل من يرى في الولايات المتحدة الأميركية مدينة أفلاطون الفاضلة هل صحيح أن الولايات المتحدة دولة قوية تملك اقتصادا قويا وعصريا يقوم على أسس متينة أم أن هذا الاقتصاد ما هو الا فقاعة بلغت مداها وأن لها أن تنفجر وأن ما واجهه الاتحاد السوفييتي السابق في بداية التسعينيات من القرن الماضي سيكون هو نفسه مصير الولايات المتحدة الأميركية ولو بعد حين. بقلم: ناصر أحمد بن غيث