الاحد 25 شوال 1423 هـ الموافق 29 ديسمبر 2002 اختلف الفقهاء في ان الشخص اذا وعد غيره بقرض او بتحمل وضيعة عنه (أي خسارة) او اعارة او نحو ذلك مما ليس بواجب عليه في الاصل، فهل يصبح الوعد ملزما ويقضي عليه بموجبه ان لم يف له، او لا يكون ملزما. فذهب فقهاء المذهب الجعفري والحنفي والشافعي والظاهري، بل ذهب الجمهور الى انه لا يلزمه شيء. كما اختلف فقهاء المذهب المالكي في وجوب القضاء بالعدة على اقوال اربعة: الأول: يقضي بها مطلقا (أي انها ملزمة له). الثاني: لا يقضي بها مطلقا. (أي انها غير ملزمة له). أما القول الثالث فيقضي بها ان كانت على سبب، وان لم يدخل الموعود بسبب العدة في شيء، كقولك: أريد ان اتزوج فأسلفني كذا، فقال، نعم، ثم بدا له قبل ان يتزوج فإن ذلك يلزمه ويقضي عليه بها. ولا يقضي عليه بها ان كانت كانت على غير سبب، كما اذا قال: اسلفني كذا ولم يذكر سببا، فقال نعم: ثم بدا له، او قال هو من نفسه: انا اسلفك كذا، ولم يذكر سببا، ثم بدا له. الرابع: يقضي بها ان كانت على سبب ودخل الموعود بسبب العدة في شيء، وهذا هو المشهور من الاقوال. كما اذا وعده بأن يسلفه ثمن شيء يريد شراءه فاشتراه فعلا، فالقول بالقضاء بالعدة مطلقا والقول بعدم القضاء بها مطلقا ضعيفان جدا. وقد تابع الامام مالكا على هذا القول غالب اصحابه وأهل مذهبه ونقل القضاء به عن عمر بن عبدالعزيز. ولو اغمضت الطرف عما ذهب اليه الجعفرية والاحناف والشافعية والظاهرية بل الجمهور من عدم الالزام، وتجاوزت ما دار من خلاف حول ارادة المالكية للعموم من عدمه كما ذهب الى ذلك بعضهم، ونظرت الى مذهب المالكية على ما عرضه به من يدعي انه يقول بالالزام، محاولا ان اتلمس امكانية قياس عقد التأمين التجاري على الموعد، مقربا ذلك بالتقريب التالي: يقول الشيخ علي الخفيف عن عقد التأمين التجاري، مقربا امكانية تخريجه على الوعد الملزم بما نصه: ان فيه (التأمين التجاري) التزاما اقوى من التزام الوعد، وقد ذهب المالكية الى وجوب الوفاء به قضاء. وهذا الاستدلال غير صحيح. اما على رأي النافين لحجية القياس فواضح لانه على تقرير كونه قياسا على الوجه الصحيح، فهو قياس ظني، والقياس الظني محل خلاف بل ليس بحجة. وأما على رأي المثبتين للحجية فهو كذلك. لأننا لا نذهب للمعقول الا لضرورة عدم المسموع، ولا ضرورة هنا، لوجود المسموع. ولو تنزلنا وذهبنا للقول بالقياس مع الذاهبين، فسنجد انه قياس مع الفارق لاسباب منها: ـ ان الوعد الملزم تصرف يتم بارادة منفردة، وهو كذلك تصرف ملزم لجانب واحد. في حين ان التأمين تصرف يتم بارادتين وملزم للجانبين، فالمؤمن يتعهد حقيقة في التأمين من الاضرار بتعويض ما يصيب المؤمن له من خسارة مترتبة على وقوع الخطر، ولكن هذا التعهد يقابله ويقترن به تعهد اخر من جانب المؤمن له بدفع الاقساط، وهذان التعهدان يتمان بارادتين يقوم بهما عقد التأمين. ولذلك لا يصح النظر الى عقد التأمين على اساس انه يقوم على تعهد من جانب المؤمن فقط. كما هو حال الوعد الملزم. ـ ان العوض في الوعد الملزم معلوم عند الطرفين اما ما تدفعه شركة التأمين فهو مجهول لا يعلمه احد الطرفين الا بعد الخطر، فلا يقاس مجهول على معلوم كما يقولون. ـ ان اساس الزام الواعد بالوفاء اذا قام الموعود بمباشرة السبب او العمل بناء على الوعد، هو دفع الضرر الذي تسبب فيه الواعد، لانه لولا الوعد ما اقدم الموعود على مباشرة هذا العمل. ولا شيء من ذلك في التأمين. فالمؤمن لا يدفع له الى القيام بعمل ولم يعلق تنفيذ التزامه على قيامه بهذا العمل. ـ الوعد الملزم لا يجب الا اذا تسبب الوعد بالدخول في الامر الموعود. اما التأمين فإن المؤمن له اذا دخل بنفسه فاتلف المؤمن عليه قصدا فلا يستحق التعويض في هذه الصورة، ويستحقه فيما عداها. فالصورتان مختلفتان في تحقيق المناط لا يصح القياس. اضافة الى ان الوعد الملزم عند من قال به، تبرع محض لا معارضة فيه، ذلك ان الموعود لا يلتزم بشيء مقابل وعده. خلافا لعقود التأمين. من ذلك كله يتضح ان قياس عقد التأمين التجاري على الوعد الملزم عند من يقول به قياس مع الفارق. قياس عقد التأمين التجاري على عقد المضاربة يمكن قياس عقد التأمين التجاري على عقد المضاربة ـ كما قالوا ـ لما بين المعاملتين من علاقة وثيقة. فالنفع في المضاربة بين العامل وصاحب المال، والنفع في التأمين مشترك كذلك بين المؤمن والمستأمن، هذه هي دعواهم في القياس. وهذا القول غير تام . اما على رأي النافين لحجية القياس فواضح . لأنه قياس ظني، والقياس الظني محل خلاف بل ليس بحجة. وأما على رأي مثبتي هذه الحجية فهو كذلك. لأننا لا نذهب للقياس الذي هو من المعقول الا لضرورة عدم المسموع، ولا ضرورة هنا. لوجود المسموع. ولو تنزلنا وذهبنا للقياس لوجدنا ان لا صورة من صور عقد التأمين يمكن قياسها على عقد المضاربة. ذلك ان القسط في عقد التأمين التجاري يخرج من ملك المؤمن له ويدخل في ملك المؤمن بخلاف عقد المضاربة فإن المال فيه يبقى على ملك مالكه، وليس للمضارب الا مقدار الحصة المتفق عليها بينهما. كما ان صاحب المال يتحمل وحده الخسارة في المضاربة، وذلك فيما اذا لم يحصل تعد او تفريط من المضارب. اما في التأمين فلا تقاسم الشركة المؤمنة المستأمن شيئا في الربح، وانما تنفرد به، كما لا يتحمل المستأمن شيئا فيما اذا خسرت الشركة المؤمنة. بل لو اشترط المالك على العامل في عقد المضاربة ان يكون شريكا معه في الخسارة كما يكون شريكا معه في الربح بطل الشرط. ثم ان المؤمن له في عقد التأمين لا ينوي من اجراء التعاقد مع شركة التأمين ان يقدم على عقد مضاربة مع الشركة بأمواله. كما ان شركة التأمين لا تقصد من وراء ذلك التعاقد ان تكون عاملا في عقد مضاربة مع المؤمن لهم. بالاضافة الى ان حصة كل من صاحب المال، والعامل تتحدد في عقد المضاربة من الربح بالكسور، من نصف او ثلث او ربع او نحو ذلك وليس لذلك وجود في عقد التأمين التجاري. وعلى فرض ان مبلغ التأمين المستحق للمؤمن له عند وقوع الخطر يمكن اعتباره ربحا، فلابد لذلك من تحقق الخطر. واشتراط تحقق الخطر يفيد في ان سبب توزيع الربح لم يكن مجرد حدوث الكسب كما هو الامر في المضاربة بل ان استحقاق مبلغ التأمين معلق على تحقق الخطر. اضف الى ذلك ان تحقق الخطر ليس دليلا على تحقق الكسب لشركة التأمين والمؤمن له. بل ان تحقق ذلك الخطر يعتبر خسارة لشركة التأمين اذا نظرنا الى عقد التأمين نظرة يستقل فيها كل عقد عن الاخر. وكذلك فإن تحقق الخطر لا يعني الكسب بالنسبة للمؤمن له، لانه لا يعوض في التأمين من الاضرار الا بمقدار الضرر. فالتأمين اذا يجبر الضرر ولا يحقق الكسب للمؤمن له. وخلاصة القول هنا: ان شركة التأمين تدفع مبلغ التأمين بصرف النظر عن مسألة تحقق الكسب. في حين ان توزيع الأرباح في المضاربة معلق على وجود الكسب. حتى انه بالنسبة للتأمين على الحياة الذي قيل بأنه يتضمن عقدين، فان جواز أحد هذين العقدين وهو المضاربة لايفيد جواز الثاني، وهو التأمين، فيبقي العقد محل إشكال. ثم انه في حالة وفاة صاحب المال في عقد المضاربة فان المال ينتقل الى ورثته حسب قواعد الشريعة الاسلامية. أما في عقد التأمين التجاري فإن ورثة المؤمن على حياته وربما المستفيد يحصلون على مبلغ التأمين من الشركة المؤمنة باعتباره حقاً ثبت لهم في ذمة المؤمن لا باعتباره شركة مع مورثهم المتوفي. كما انه يشترط في المضاربة ان يكون الاسترباح بالتجارة لا بغيرها من أوجه الاسترباح الاخرى، لان الاسترباح بالتجارة دخيل في مفهوم المضاربة كما تقدم. ولا يوجد مثل ذلك الشرط في عقد التأمين، كما هو واضح. وأخيراً فإنه لا يحق للعالم في المضاربة خلط رأس المال بمال آخر لنفسه أو غيره إلا مع كسب الاذن من المالك، بينما يحق للشركة المؤمنة ان تفعل في المال المستحصل من المؤمن لهم ما تشاء، وكيف تشاء، من دون حاجة الى كسب الاذن من المؤمن لهم في ذلك، لان المال مالها وحدها، وهي المتصرفة فيه حسب ظروفها وقناعاتها. من ذلك كله يتضح ان قياس عقد التأمين التجاري على المضاربة لا وجه له. قياس عقد التأمين التجاري على نظام العاقلة يحسن بي باديء ذي بدء ان أعرف بنظام العاقلة. ثم أثني فأتحدث عن قياس عقد التأمين من المسئولية على نظام العاقلة. ثم أناقش هذا القياس على الرأيين: رأي نفاة حجية القياس، ورأي القائلين بالقياس، منتهياً بعد ذلك الى رأي في هذه المسألة. يقول الفقهاء: ان معنى العقل هو تحمل الدية. وأصله: ان القاتل كان اذا قتل قتيلاً جمع الدية من الابل فعقلها بفناء أولياء المقتول، أي شدها في عقلها ليسلمها اليهم ويقبضوها منه.. والعاقلة هي العصبة والأقارب من قبل الأب الذين يعطون دية قتيل الخطأ.. ومنه الحديث الدية على العاقلة. وقد وردت فيه روايات متعددة، وقال به أئمة المذاهب الاسلامية على اختلافها. وبمقتضى هذا النظام فان على عاقلة الجاني أن تتعاون في دفع دية القتيل خطأ. ونظام العواقل كان موجوداً قبل الاسلام فجوزه الاسلام وأقره، وفيه تخفيف لأثر المصيبة على الجانب المخطيء وصيانة لدماء ضحايا الخطأ من أن تذهب هدراً، لان الجانب المخطيء قد يكون فقيراً لا يستطيع دفع الدية، فيضيع دم الضحية دون مقابل. يقول آية الله محمد سعيد الطباطبائي الحكيم: «عاقلة الجاني هم الرجال من عشيرته وهم الذين يتقربون اليه بالأب كالأخوة والأعمام وأولادهم ويدخل فيهم الآباء وإن علوا والابناء وإن نزلوا، ولا يشترك معهم الجاني نفسه. وتتحمل العاقلة دية جناية الخطأ من الجاني على غيره، أما لو جنى على نفسه خطأ فلا دية له، ولا تتحمل العاقلة شيئاً، وتضمن العاقلة كل جناية عن خطأ محض سواء كانت على النفس أم على الطرف أم كانت من سنخ الجروح والكسور ونحوها». وفي مسند الامام زيد وشرح كتاب النيل وشفاء العليل ما يشير الى ذلك. وخلاصة هذا النظام كما يقول الشيخ مصطفى أحمد الزرقاء من كبار فقهاء المذاهب الاربعة: «انه اذا جنى أحد جناية قتل غير عمد بحيث يكون موجبها الأصلي الدية لا القصاص، فان دية النفس توزع على أفراد عائلته الذين يحصل بينه وبينهم التناصر عادة وهم الرجال البالغون من أهله وعشيرته وكل من يتناصر هو بهم ويعتبر هو واحداً منهم فتقسط الدية عليهم من دون فرق بين الغني والفقير والقريب والبعيد» وفق نظام خاص مذكور في كتب الفقه. أما وجه القياس بين عقد التأمين من المسئولية ونظام العاقلة، عند القائلين بحجية القياس، هو اشتراكهما في المضمون والعلة، وهو التعاون على دفع التعويض الناشيء عن المسئولية. يقول الشيخ الزرقاء «واذا كان الأمر كذلك فما المانع من ان يفتح باب لتنظيم هذا التعاون على ترميم الكوارث المالية يجعله ملزماً بطريق التعاقد والارادة الحرة، كما جعله الشارع إلزامياً دون تعاقد في نظام العواقل. وهل المصلحة التي يراها الشرع الاسلامي بالغة من القوة درجة توجب جعلها الزامية بحكم الشرع تصبح مفسدة اذا حققها الناس على نطاق واسع بطريق التعاقد والمعاوضة التي يدفع فيها القليل لصيانة الكثير ولترميم الضرر الكبير من مختلف الكوارث، وذلك لكي يصبح هذا الباب قابلاً لان يستفيد منه كل راغب، مع ملاحظة ان هذا التوسيع في النطاق داخل في دائرة التعاون المندوب اليه شرعاً بصورة غير الزامية». وهذا الاستدلال غير صحيح. أما على رأي النافين لحجية القياس فواضح، لانه وارد في مورد خاص لا يتعدى منه الى غيره. كما ان هذا النظام ليس عملاً مبنياً على اتفاق. وليس هو تأميناً مالكياً، بل هو تأمين شرعي ـ لو أسميناه تأميناً ـ والشرع يلزم بهذا التأمين، وقسط التأمين الذي يأخذونه ـ لو أسميناه تأميناً ـ هو عبارة عن الارث الذي ينالونه إن مات قبلهم. والتأمين من المسئولية يختلف عن ذلك اختلافاً بيناً كما هو واضح. ولأنه على تقدير كونه قياساً على الوجه الصحيح فهو قياس ظني، والقياس الظني محل خلاف بل ليس بحجة. هذا كله على رأي النافين لحجية القياس. وأما على رأي مثبتي حجية القياس فهو كذلك، لأننا لا نذهب للمعقول إلا لضرورة عدم المسموع، ولا ضرورة هنا، لوجود المسموع. ولو تنزلنا وذهبنا للقياس لوجدناه قياساً مع الفارق. فالتعاون في عقد التأمين التجاري مفترض لا اساس له من الحقيقة لانه لا رابطة بين المؤمن لهم. بينما التعاون في نظام العواقل حقيقي غير مفترض، لان العاقلة تربطها صلة الدم والعضوية. كما انه لا تعاون بين المؤمن والمؤمن له، فالعلاقة تجارية بحتة. ثم ان الهدف من نظام العاقلة هو النصرة الشرعية بكل ما تدل عليه هذه الكلمة من معنى. بينما الهدف من التأمين من المسئولية هو غير ذلك. اضافة الى ان ما يتحمله الفرد من العاقلة يختلف باختلاف حاله، فالغني يدفع غير ما يدفعه المتوسط، اما الفقير فلا يدفع شيئا على رأي، والقضية خلافية. اما في عقد التأمين فإن المؤمن يتحمل التعويض على كل حال. ثم ان نظام العقل في الاسلام الزام من الشارع لمجموعة من الناس تربطهم رابطة معينة بتحمل ما توجبه جنايات بعضهم، وليس التزاما منهم باختيارهم بتحمل شيء ما مقابل عوض، كما هو الحال في عقد التأمين من المسئولية كما تقدم. وبناء على ذلك كله يبدو ان لا وجه لقياس عقد التأمين من المسئولية على نظام العاقلة. حتى لقد استغرب بعضهم هذا القياس استغرابا شديدا وناقش من ذهب اليه نقاشا حادا. بقلم: عبدالهادي الحكيم