الاحد 25 شوال 1423 هـ الموافق 29 ديسمبر 2002 ان حديث الشارع الاقتصادي عن دور القطاع الخاص في التنمية الاقتصادية في جانبيه الوطني أو الاجنبي، ومطالبة المؤسسات والهيئات الحكومية الاتحادية والمحلية للقطاع الخاص بضرورة المساهمة الجادة في احداث التنمية وتطوير الاقتصاد الوطني يقودنا الى تشخيص واقع الشركات المساهمة التي تكون القطاع الخاص، واذا كنا سبق وان تناولنا الشركات، فاننا نتناول في هذه الحلقات الشركات الاجنبية من حيث واقعها ودورها الحالي في الاقتصاد ثم الدور المنتظر منها في مسيرة الاقتصاد الوطني، واذا كنا قد بدأنا هذا التناول بتحديد الدور الحالي وواقع الشركات خلال العقود الثلاثة فإننا نستكمل تشخيص هذا الدور لتحديد معالم الشركات. ـ لم تساهم الشركات الاجنبية وخلال العقود الثلاثة الماضية فعلياً في احداث تنمية اقتصادية حقيقية، أو خلق قاعدة انتاجية فعلية، أو المساهمة في رفع معدلات النمو الاقتصادي في الامارات حيث كان جل اهتمامها ينصب في تحقيق أرباح قياسية وخلال فترة وجيزة من الزمن، واستثمرت الوفورات والمزايا والتسهيلات التي وفرها الاقتصاد الوطني وبسعر شبه مجاني، ثم استفادت هذه الشركات من النزعة الاستهلاكية المتفشية في مجتمع الامارات من خلال اغراق السوق المحلية بالسلع الاستهلاكية المصنعة أو المنتجة أصلاً من قبل شركاتها الأم أو الشركات المنتمية لها، أي ان دور هذه الشركات انصب في تسويق منتجات سلعية أو انتاج خدمات استهلاكية ربما أدت هذه السياسة الى تعطيل القدرات الانتاجية للشركات الوطنية أو لرأس المال الوطني بعد ان تمكنت الشركات الاجنبية من السوق المحلية واستطاعت ان تفرض نوعية معينة من السلع والبضائع بل أخذت الشركات الاجنبية تتنافس فيما بينها على السوق المحلية بأخذ كل شركة لحصة معينة لتسويق خدماتها وسلع شركاتها الأم. ـ لكون ان معظم الشركات الاجنبية هي شركات خدمية ولكون ان السوق المحلية خلال السنوات الماضية تحتاج الى عدد محدود في نوعية الخدمات فان هذه الشركات لم تعمل على استقطاب نوعية معينة من الخبرات الفنية أو استقدام تقنية حديثة حيث سعت الى تقليص نفقاتها الجارية والرأسمالية واعتمدت على استقدام عمالة رخيصة قامت بتدريبها لفترة محدودة، ثم تقنيات محدودة وبالتالي لم تستفد السوق المحلية أو الاقتصاد الوطني من هذه الشركات أو في الاسثتمار البشري أو التقني الفني. ـ اذا كانت الشركات الاجنبية قد اعتمدت على رأسمالها المحدود في فترة التأسيس فانها سرعان ما استطاعت ان تحقق ارباحاً قياسية خلال السنوات الأولى لتعيد أصل رأسمالها الى الدولة المنتمية لها وتعيد تدوير الارباح التي حققتها خلال هذه السنوات المحدودة مستفيدة من ظروف السوق المحلية وغياب المنافسة الجادة من قبل الشركات الوطنية، أو حتى الشركات الاجنبية الاخرى التي تعمل في نفس الحقل، وبالتالي فان هذه الشركات لم تستثمر اموالها الخاصة وانما اعتمدت على أرباحها المتحققة في سوق الامارات، وأصبحت مع الوقت قنوات لتحويل سيولة السوق المحلية الى البلدان المنتمية لها. ـ لم تبد الشركات الاجنبية جدية في خلق فرص عمل للمواطنين من ابناء الامارات ولم تعمل على خلق بيئة وظيفية مشجعة لهم ولا على تدريب وتأهيل النذر المحدود من الاماراتيين الذين استطاعوا اختراق العمل بهذه الشركات، وبالمقابل اعتمدت على استقدام عمالة اجنبية سواء من الدول المنتمية لها أو من جنسيات مختلفة مستفيدة من خلل التوازن السكاني في الامارات وغياب الضوابط السكانية في السنوات الأولى من قيام الدولة ولاسيما خلال عقد السبعينيات، كما استغلت غياب القوانين والتشريعات التي تلزم شركات القطاع الخاص بتشغيل الاماراتيين وتدريبهم وتأهيلهم، ثم تجاهلت هذه الشركات مطالبة المؤسسات الحكومية وأصحاب القرار في الدولة بضرورة فتح فرص العمل امام الاماراتيين في مؤسسات وشركات القطاع الخاص وفيما حصدت سوق العمالة في الامارات، بطالة بين الاماراتيين فاننا نجد ان العمالة الاجنبية تسجل هيمنة مطلقة وسيطرة كاملة على سوق العمل وتشكل نزيفاً للسيولة من اقتصاد الامارات الى الدول التي تنحدر منها حيث تقدر التحويلات بعشرات المليارات من الدولارات سنوياً هي رواتب واجور العمالة الوافدة، ناهيك الى السيولة الضخمة التي تتدفق من اقتصاد الامارات وسوقها المحلية في هيئة ودائع لدى مصارف وأسواق اجنبية يتم تحويلها من خلال المصارف العاملة في الامارات فيما يتفاقم عجز الموازنة الحكومية وتنخفض معدلات السيولة. ـ ان غياب القوانين والتشريعات والانظمة، ثم وجود سياسات تجارية واقتصادية متباينة بين امارات الدولة، ومنافسة هذه الامارات على استقطاب المزيد من الاستثمارات الاجنبية كل هذا شجع على وجود بيئة خصبة للشركات الاجنبية كي تمارس انتهازيتها في تحقيق أرباح قياسية وخلال فترة محدودة، وبدلاً من توجه هذه الشركات نحو خدمة وتنمية الاقتصاد الوطني واحداث تنمية فعلية فان سمات البيئة الاقتصادية والقانونية في الامارات قد شجع هذه الشركات لممارسة نشاطات قد شكلت اضراراً مباشرة وغير مباشرة بالسوق المحلية وبالتالي بالاقتصاد الوطني تجسدت في احتكار هذه الشركات للسوق المحلية وخاصة سوق الخدمات والتجارة والتسويق وعمدت على تسويق سلع وخدمات معينة منتجة في أسواق اجنبية بل سعت الى اغراق السوق بسلع استهلاكية في كثير من الاحيان تفتقر الى الجودة والنوعية، ثم باحتكاراتها هذه قد عطلت الشركات الوطنية من انتاج سلع وخدمات وطنية بل ان الشركات الاجنبية استطاعت ان تخرج السلع والبضائع الاماراتية رغم محدوديتها من السوق المحلية مستغلة غياب الحماية الوطنية للسلع ثم غياب الشركات التسويقية الوطنية. ولم يقتصر دور هذه الشركات على الاحتكارات، واغراق السوق المحلية بالبضائع والسلع الاجنبية بل انها اغرقت سوق العمالة بعمالة اجنبية رخيصة تجاوزت المعدلات المطلوبة لتشكل هذه العمالة بعد ذلك تهديداً مباشراً للأوضاع الامنية والاجتماعية وليعاني المجتمع الاماراتي من خلل سكاني رهيب والمجتمع الاقتصادي من خلل واضح في ميزان القوى الذي أصبح يميل وبحدة لصالح العمالة الوافدة بل اسهمت هذه الشركات وبسبب تجاوزاتها واستغلالها لغياب الضوابط واستخفافها في بعض الاحيان بأوضاع الدولة الاقتصادية والأمنية والاجتماعية في اغراق سوق العمالة بعمالة رخيصة من خلال المتاجرة بتأشيرات واقامات مقابل حصدها لمبالغ كبيرة الأمر الذي ادى الى بروز ظاهرة البطالة ليس بين المواطنين فقط وانما فيما بين الاجانب الباحثين عن فرص عمل في سوق الاحلام، وقد أدت هذه الممارسات الى بروز الجريمة الاقتصادية والاخلاقية في المجتمع الاقتصادي الاماراتي بسبب هذه البطالة دون اكتراث من قبل هذه الشركات. ـ تتسم السوق المحلية بالهيمنة الاجنبية سواء من حيث عدد الشركات الاجنبية الذي يفوق الشركات الوطنية، أو سيطرة رأس المال الاجنبي على سوق الامارات، أو هيمنة العمالة الاجنبية على سوق العمل في الامارات، ثم هيمنة السلع والبضائع الاجنبية المستوردة في سوق الامارات أو المنتجة في داخلها فيما تجد السلع والبضائع الوطنية صعوبة التسويق في الامارات، وبالتالي فان سوق الامارات أضحت ليست وطنية كما انها لاتخدم اقتصاد الامارات بقدر ما تخدم اقتصادات اجنبية وذلك بسبب تفوق الشركات الاجنبية على الشركات الوطنية من حيث العدد والقدرات الرأسمالية والفنية. ـ لقد اتاحت الأوضاع الاقتصادية والتشريعية المحدودة خلال العقود الثلاثة الماضية الفرصة كاملة امام الشركات الاجنبية لتعزيز أوضاعها ولتمكن نفسها من سوق الامارات واقتصادها الوطني، واستطاعت ان تفرض مفردات لغتها وتضع استراتيجياتها سواء في خلق نزعة استهلاكية وتحويل مجتمع الامارات الاقتصادي من مجتمع انتاجي الى مجتمع استهلاكي، أو بتغيير هوية الاقتصاد الوطني بجعله اقتصاداً معولماً في هويته وفي لغته وفي وسائل انتاجه، وضرب أي محاولات لشركاتنا الوطنية في أخذ نصيبها من السوق المحلية، وفيما حصدت هذه الشركات نتائج الفرص الكبيرة والتسهيلات الضخمة والمزايا والوفورات العريضة في تحقيق أرباح قياسية خلال العقود الثلاثة فان اقتصاد الامارات أصبح أكثر استهلاكياً ويفتقر الى التنوع في قاعدته الانتاجية وضعيفاً في قدراته، وأكثر اعتماداً على الخارج في توفير متطلبات المجتمع، فهل ننتظر في ظل هذه الوضعية ان يكون للقطاع الخاص دور في احداث تنمية اقتصادية، وهل ننتظر من الشركات الاجنبية ان تسهم في دعم الاقتصاد الوطني وازدهار المجتمع وتقدمه. بقلم: نجيب عبدالله الشامسي