السبت 24 شوال 1423 هـ الموافق 28 ديسمبر 2002 ما زالت الصناعة العربية ورغم تاريخها الطويل نسبيا تعاني من الضعف في كفاءتها الإنتاجية وفي قدرة منتجاتها على المنافسة في السوق العالمية. وترتكز في معظمها على الصناعات الاستخراجية والتي حققت قيمة مضافة عام 2000 تقدر بحوالي 187 مليار دولار وتمثل نسبته 26.3% من إجمالي الناتج المحلي العربي مقابل 76 مليار دولار للصناعات التحويلية في نفس العام، وتمثل نسبة 10.8% من إجمالي الناتج المحلي العربي، بالإضافة إلى ضعف مستواها التكنولوجي والتحديات التي فرضتها المتغيرات في البيئة العالمية من حيث ظهور التكتلات الاقتصادية والعولمة. كما إن ضعف الدعم المقدم لاعداد المواصفات القياسية العربية للسلع والتي لا يتجاوز عددها 1600 مواصفة قياسية عربية وهو ما يمثل نسبة 15% من عدد المواصفات القياسية في الدول المتقدمة. وكانت العاصمة الأردنية قد شهدت انعقاد ملتقى وزراء الصناعة العرب لمناقشة واقع الصناعة العربية وسبل النهوض بها برعاية الملك عبدالله الثاني ابن الحسين تحت شعار «حول تنمية صناعية عربية». وقال م. طلعت بن ظافر مدير عام المنظمة العربية للتنمية الصناعية والتعدين أن كل ذلك يضع مسئوليات كبيرة إمام المعنيين عن الصناعة العربية للإسراع في التنمية الصناعية وتفعيل التنسيق والتكامل العربي في المجال الصناعي. وأوضح ان هدف العاملين في المجال الصناعي تقوم الصناعة العربية بدورها الأساسي في الارتقاء بالاقتصاد العربي، وبالتالي رفع معيشة الفرد العربي، من خلال التركيز على الصناعات ذات القيمة المضافة العالية التي يأتي في مقدمتها الصناعات التحويلية. فقد وصل نصيب الفرد من الناتج المحلي في دول رابطة الآسيان والتي بدأت في تنفيذ خطط تنمية صناعات إقليمية في فترة الثمانينات من القرن الماضي إلى أكثر من مرة ونصف عن مثيله في الدول العربية حيث بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي لدول الآسيان ثمانية ألاف وثمانمئة دولار في المتوسط عام 1998 في حين بلغ نصيب الفرد العربي كمتوسط خمسة آلاف وسبعمئة دولار عن نفس العام. وأضاف ان إعادة هيكلة قطاع الصناعات التحويلية العربية والتي تسيطر عليه الصناعات المعتمدة على الخامات الطبيعية الأولية والزراعية أصبح هدفا رئيسيا، حيث يمثل قطاع الصناعات الغذائية في الدول العربية 24% من الصناعات التحويلية بينما بلغت هذه النسبة في دول الآسيان 15.7% تقريبا والصناعات الكيماوية والبتروكيماوية تمثل في الدول العربية 30% بينما تمثل في الآسيان 18% اما الصناعات الهندسية والتي تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة والتي تلعب دورا مهما في الاقتصاد القومي نجد إنها تمثل في الدول العربية حوالي 10% بينما تمثل في دول الآسيان 37.7% من إجمالي الصناعات التحويلية، كما إن زيادة معدلات نمو الصادرات الصناعية العربية تمثل محورا مهما يجب التركيز عليه حيث قدر معدل النمو خلال فترة التسعينات بحوالي 10% سنويا بينما بلغ هذا المعدل 23% في دول رابطة الآسيان. وقال بن ظافر في حديث خاص لـ «البيان»: إن الملتقى الوزاري عقد بدعوة من الدكتور صلاح الدين البشير وزير الصناعة والتجارة الأردني وبمشاركة وزراء الصناعة العرب وناقش الملف الشامل الذي أعدته المنظمة عن واقع الصناعة العربية وسبل تطويرها والارتقاء بها واعتماد المقترحات التي سيتم رفعها إلى القمة العربية المقبلة بالبحرين وذلك بعد تبني المجلس الوزاري للمنظمة الذي عقد في الرياض خلال مايو الماضي توجيهات الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى بإعداد هذا الملف، حيث تم تكوين مجموعة عمل من ست دول عربية هي الاردن والسعودية والسودان وسوريا ومصر والمغرب بالإضافة إلى المنظمة لإعداد هذا الملف عن واقع الصناعة العربية والتحديات والمخاطر التي تواجهها. وأشار إلى أن إعداده قد مر بعدد من المراحل، حيث عقدت مجموعة العمل اجتماعاً لمناقشة الملف في صورته الأولية بالقاهرة في أغسطس الماضي تحت رعاية الدكتور علي فهمي الصعيدي وزير الصناعة والتنمية التكنولوجية بجمهورية مصر العربية، ثم طرح للمناقشة وإبداء الملاحظات عليه في ورشة العمل بدمشق في أكتوبر تحت رعاية الدكتور عصام الزعيم وزير الصناعة بالجمهورية العربية السورية قبل عرضه في صورته النهائية على الملتقى الوزاري في عمان. وحول الهدف من وراء إعداد هذا الملف وطبيعته يقول مدير عام المنظمة إن الملف يهدف إلى تحديد أهم السمات الراهنة لواقع الصناعة العربية وأبرز توجهاتها المستقبلية، وفرص التكامل الصناعي العربي في أهم الفروع الرئيسية، وتحديد أولويات العمل العربي المشترك في مجال الاستثمار والتنمية الصناعية. ويتناول الملف أربعة محاور رئيسية: المحور الأول يتعرض لدراسة واقع الصناعة العربية حيث تبرز عددا من النقاط الهامة وهي سيطرة الصناعات الإستخراجية على هيكل الصناعة العربية مقابل الانخفاض النسبي لحجم الصناعة التحويلية، حيث بلغت نسبة مساهمة الصناعات الاستخراجية في الناتج المحلي الإجمالي سنة 2000 حوالي 26% بينما لم تبلغ مساهمة الصناعات التحويلية اكثر من 11%. وقال أن معدل نمو القطاع الصناعي التحويلي في الوطن العربي حوالي 5.7% في المتوسط خلال النصف الثاني من التسعينات من القرن الماضي وهو أضعف من أن يدفع بهذا القطاع على الزيادة في دعم معدلات نمو الناتج المحلي في البلاد العربية أسوة بدول نامية رائدة مثل ماليزيا، تايلاند والفلبين والتي تتراوح معدلات النمو بها حوالي 30%. وأشار إلى سيطرة الصناعات التحويلية الأولية والمرتبطة بالخامات الزراعية على هيكل الصناعات التحويلية العربية حيث تمثل الصناعات الكيماوية والغذائية حوالي 31% و23% على التوالي من إجمالي الصناعات التحويلية عام 2000. كما أن هناك تماثلاً كبيراً بين الهياكل الصناعية العربية مما يجعل الصناعة العربية فيما بينها صناعة متنافسة وليست متكاملة مما يقلل جاذبية التكامل الصناعي العربي. ولم يتعد حجم التجارة البينية العربية 8.5% من جملة التجارة من العالم عام 2000. ويضيف الظافر إن الجزء الثاني من الملف يركز على المعوقات التي تواجه الصناعة العربية على المستوى القطري، والتي تضعف من قدراتها التنافسية وسنجد من ضمن هذه المعوقات سياسة التوجه الداخلي وارتفاع الأعباء الجمركية وغير الجمركية وضعف العلاقات التشابكية الصناعية وعدم الالتزام بمعايير ونظم الجودة والمواصفات القياسية والبيئية للسلع والمنتجات الصناعية وضعف القدرة التكنولوجية العربية وعدم استكمال نظم التطوير الداخلي وضعف مناخ الاستثمار. كما يتعرض الجزء الثاني إلى بعض المعوقات الأخرى والمتمثلة في تماثل هياكل الإنتاج القطرية وذلك نتيجة توجهها إلى الأسواق المحلية وانخفاض درجة التكامل إضافة إلى التحديات التي تفرضها البيئة العالمية المتغيرة والتي تمثل تهديدا حقيقيا للصناعة العربية إذ لم يتم اتخاذ الإجراءات الضرورية لتقليل انعكاساتها السلبية. وفي ظل ضعف التنسيق العربي فيما يخص التعامل مع القواعد المنظمة للتجارة والتي فرضتها اتفاقيات الجات حيث تكرس مركزية احتكار سوق التكنولوجيا في عدد من الدول المتقدمة وترفع من كلفة نقلها وتحد من قدرة الدول العربية على اللحاق بالتكنولوجيات المتطورة. ويتعرض الجزء الثالث من الدراسة إلى عرض تحليلي لتجربتي الاتحاد الأوروبي ورابطة الآسيان ومقارنتها بتجربتي العمل العربي المشترك. وقال إن تجربة الآسيان بدأت بأهداف اقتصادية متواضعة ومتدرجة على عكس المنطقة العربية والتي بدأت بأهداف طموحة، فيما نجد أن الآسيان حظيت بدعم الغرب وخاصة الولايات المتحدة الأميركية وهو ما افتقرت إليه المنطقة العربية لمثل هذا الدعم. أما الجزء الرابع والأخير فيتناول مقترحاً لتفعيل العمل العربي المشترك في مجال الصناعة. وحول مجالات التعاون الصناعي العربي المشترك والرؤى المستقبلية لتفعيل هذا التعاون يقول الظافر إن تفعيل التعاون العربي المشترك في مجال الصناعة يتطلب تفعيل منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى من خلال استكمال واعتماد قواعد المنشأ للسلع الصناعية العربية، استكمال إعداد المواصفات القياسية العربية الموحدة للسلع المدرجة للتبادل في منطقة التجارة الحرة وتنسيق التشريعات العربية في مجال التبادلات التجارية وبناء مواقف عربية مشتركة إزاء المتغيرات والتكتلات الإقليمية والدولية خاصة في مجالات الإغراق، الاتفاقيات الثنائية، المنازعات التجارية، الملكية الصناعية وتحسين برنامج الكفاءة الإنتاجية للصناعة العربية، عن طريق تطبيق مفاهيم الجودة الشاملة على الصناعات والنهوض بالموارد البشرية. وأكد أهمية دعم النسيج الصناعي العربي من خلال توفير الأطر اللازمة مثل إقامة مراكز عربية للمناولة ومراكز للإنتاج الأنظف وخلق فرص استثمارية في المجال الصناعي لمشاريع عربية مشتركة. وأكد انه إذا تحقق ذلك فإنه سوف يمكن الصناعة العربية من الصمود أمام التحديات القائمة. وأشار إلى أن الملف أشتمل على برنامج تنفيذي لمدة عشر سنوات ليبدأ تنفيذه من عام 2004 مع الأخذ بالاعتبار منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى وكذلك المتغيرات الإقليمية والدولية ونأمل أن يوفر هذا الملف الأرضية المناسبة لانطلاقة جديدة للصناعة العربية كي ترتقي بكفاءتها الإنتاجية وترفع من القدرة التنافسية لمنتجاتها في الأسواق المحلية والعالمية. وحول نتائج الملتقى قال إن انعقاده على هذا المستوى من الحضور عكس إهتماماً حقيقياً من جانب كافة الدول العربية بأهمية تطوير قطاع الصناعة نظرا لأنه أحد الروافد الرئيسية لتحقيق التنمية الشاملة القطرية والعربية. من جهة أخرى قال د. صلاح الدين البشير رئيس الملتقى وزير الصناعة والتجارة إن الإنجاز الكبير في قمة عمان والذي بني عليه في قمة بيروت لتفعيل العمل العربي المشترك تمثل في وضع أهداف وآليات محددة لتفعيل التجارة العربية البينية والربط والتكامل في مشاريع البنية التحتية والطاقة وأيضا برنامج واضح في مجال النقل. وبين إن الإنجاز الأكبر كان في تسريع وتيرة تحرير التجارة البينية، هذا الإنجاز الذي يساعد على رفع كفاءة الاقتصادات العربية بزيادة الإنتاج وتسهيل انتقال البضائع، مما ابرز بوضوح أهمية إن يرسم القادة العرب من خلال قرارات قمة ملامح استراتيجية تنمية الصناعة العربية، هذه الصناعة التي أوجد لها العمل العربي المشترك والفاعل بتحرير التجارة وتسهيل النقل فرصا هائلة للنمو وفي ذات الوقت التحديات الجسام. وقال ان التجارة العربية البينية تحقق سوقا أرحب لإنتاج صناعي عربي كفء مترابط ومتكامل وإن تحدي الصناعة العربية وفرصها لا تكمن فقط في إطار التجارة العربية ولكن أيضا في تحرير التجارة مع العالم الأمر الذي يضعنا امام تحديات ويمنحنا فرصا اكبر تجاه أسواق أرحب أغنى. وهذا يحتم أن نعمل على الصعيد العربي ونفكر بالفضاء الرحب لأسواق العالم. وأكد د. البشير أنه آن الأوان ان يوضع ملف الصناعة العربية امام القمة وان يرسل القادة العرب رسالة واضحة للمعنيين في الحكومات وفي القطاع الخاص ليقوموا بما عليهم تجاه ملف تأخر بحثه والعمل عليه. الصناعة العربية واستعرضت في جلسة العمل الاولى الخطوات التنفيذية التي تم إنجازها من قبل منظمة العمل العربية للتنمية الصناعية والتعدين في سبيل إعداد الملف الشامل عن الصناعة في الدول العربية. كما تم عرض ومناقشة ورقة عمل حول واقع الصناعة العربية مع الإشارة للاقتصاد الفلسطيني أشارت فيها إلى ان التنمية الصناعية احتلت أهمية كبيرة في تجارب النمو والتنمية في معظم الأقطار العربية وهذا ما انعكس في زيادة مستمرة في الأهمية النسبية لقطاع الصناعة في العالم العربي فقد شهد هذا القطاع ارتفاعا في معدلات نموه خلال عام 2000 وذلك للعام الثاني على التوالي نتيجة لزيادة أسعار النفط في السوق العالمية. حيث بلغت قيمة الناتج الصناعي الإجمالي خلال ذلك العام ـ وفقا للدراسة ـ نحو 263.2 مليار دولار بمعدل نمو بلغ 37.9 مليار دولار ومعدل نمو مقداره 20.4% في عام 1999 وتعتبر القاعدة الصناعية الأساسية في الوطن العربي هي قاعدة الصناعة الاستخراجية والتي بلغت القيمة المضافة فيها نحو 2.5 مرة مقارنة بالقيمة المضافة في الصناعة التحويلية عام 2000. وأشارت الدراسة إلى إن النمو الواضح للقيمة المضافة في قطاع الصناعة عائد لنمو القيمة المضافة في الصناعات الاستخراجية إلا ان ذلك لا يعد مؤشرا مستقرا بسبب ارتباط النفط بتطورات الطلب العالمي والأسعار العالمية للمواد الخام والتي تتعرض لهزات في أسعارها صعودا وهبوطا على المستوى العالمي. وبينت الدراسة ان معدلات نمو القيمة المضافة لقطاع الصناعة التحويلية قد اخذت في الارتفاع عن ذلك الذي شهدته عام 1998 وبالتالي فقد استعادت معدلاتها السابقة التي شهدتها عامي 1996 و1997 اضافة لاتجاه القيمة المضافة الصناعية في القطاع التحويلي للتذبذب صعودا وهبوطا مع مثيلتها في القطاع الاستخراجي جعل من مساهمتها النسبية في الناتج المحلي الاجمالي تتسم بالاستقرار النسبي فتراوحت حول 11% خلال النصف الثاني من التسعينيات كمتوسط. واشارت إلى ان الترابط بين القيمة المضافة في شقي القطاع الصناعي العربي الاستخراجي والتحويلي يعكس زيادة الصناعات الاستخراجية ويعود ذلك لسببين اولاهما ان يمول عائد الصناعات الاستخراجية التنمية الصناعية في قطاع الصناعات التحويلية وثانيهما إن الانشطة الصناعية التحويلية المعتمدة على القطاع الاستخراجي تسود النشاط الصناعي التحويلي لدى معظم الدول العربية. وخلصت الدراسة إلى انه وبالنظر إلى معدلات النمو في قطاع الصناعات التحويلية فهي لا تزال ضعيفة نسبيا مما يجعلها لا تستطيع ان تدفع بقطاع الصناعة التحويلية إلى الريادة في دعم معدلات نمو الناتج المحلي في البلاد العربية، اسوة بدوره الرائد في الدول النامية حديثة التصنيع مثل ماليزيا وتايلاند والفلبين في شرق وجنوب اسيا. وقد تراوح معدل نمو القطاع الصناعي التحويلي في الوطن العربي حول 5.7% في المتوسط خلال النصف الثاني من التسعينيات، مما ابقى على المساهمة النسبية لقطاع الصناعة التحويلية خلال سنوات التسعينيات حول 11% في المتوسط في النصف الثاني من التسعينيات، وبارتفاع طفيف قدره 0.5% فقط عن نسبتها في عام 1990. اما عن المساهمة النسبية لقطاع الصناعة على المستوى القطري للدول العربية، فتتراوح مساهمة قطاع الصناعة في القيمة المضافة المحلية بين 2.7% في جيبوتي، وتبلغ اعلاها في قطر حيث تصل إلى 52.3%. ويتقارب مدى نسبة مساهمة الصناعة الاستخراجية في الناتج المحلي الاجمالي في الدول العربية الأخرى في هذه المعدلات، فتتراوح بين 0.2% في جيبوتي و58.4% في قطر. وبالنسبة لمساهمة الصناعات التحويلية فيتضح ان هذه المساهمة وصلت إلى اعلاها في مصر ثم تونس والمغرب بنسبة 18.3% و18.2% و17.4% على الترتيب. عمان ـ عصام المجالي: