الجمعة 23 شوال 1423 هـ الموافق 27 ديسمبر 2002 دعا عبد العزيز بوتفليقة الرئيس الجزائري خصوم سياسته الاقتصادية للحوار وتأييد برنامج الخصخصة الذي أعده وزير المساهمة وترقية الاستثمار حميد تمار، كونه يشكل ـ في نظره ـ الطريق الوحيد لانطلاق إصلاحات اقتصادية حقيقية. وأكد في مداخلة خلال رئاسته الاجتماع الأسبوعي لمجلس الوزراء يوم الثلاثاء بأن الملف الذي أعدته الحكومة بهذا الشأن «يتجاوز مداه وتداعياته إطار المؤسسة العمومية ليشمل مصير الاقتصاد الوطني برمته» وهو ما قرأه المحللون على أنه رسالة مباشرة لقوى سياسية ونقابية وقفت حتى الآن ضد مشروع الخصخصة بدعوى أنه يعرض الاقتصاد الوطني للخطر لارتكازه على تصفية المؤسسة العمومية. وشدد بوتفليقة على أهمية «النقاش الصادق والمسئول» بين جميع الأطراف أو الشركاء كما سماهم للتقدم بالإصلاحات وتنفيذها في أقرب الآجال. وشبه الملاحظون خطاب بوتفليقة بقرص مهدئ أراد به توفير المناخ الذي يسمح بتنفيذ سياسته المعطلة منذ أزيد من ثلاث سنوات بسبب خلافات بين الجهاز التنفيذي وقوى مؤثرة في الميدان وفي مقدمتها المركزية النقابية التي تخوض ما يشبه الحرب هذه الأيام ضد سياسة بوتفليقة، سواء فيما يتعلق بخصخصة المؤسسات العمومية أو بالقانون الجديد الجاري تحضيره بشأن المحروقات. وقد تحولت الساحة الى حلبة مواجهات كلامية ونقلت وسائل الاعلام تفاصيل هذه المواجهات خاصة بين شكيب خليل الذي يقود حملة كبرى لتمرير قانون المحروقات الجديد ومجيد سيدي السعيد الأمين العام للمركزية النقابية وأهم خصوم سياسة بوتفليقة الاقتصادية حاليا. ويرشح المراقبون الوضع الى مزيد من التوتر كون البرلمان الذي تسيطر عليه أغلبية في غير صالح الرئيس بوتفليقة ورجاله قد يرفض مشاريع القوانين التي تقدم له للنقاش والمصادقة، ليس فقط من منظور توجهها الاقتصادي الصرف ولكن أيضا كونها ستتسبب في قلاقل اجتماعية تهدد أمن البلاد. لاسيما وأن النقابة أعلنت نيتها في تنظيم إضراب يشل جميع القطاعات بما في ذلك تصدير النفط في حال اعتماد القانون الجديد للمحروقات الذي أعده شكيب خليل ويدافع عنه بوتفليقة شخصيا. وأكد أحد نواب البرلمان لـ «البيان» أنه بصرف النظر عن الجدوى الاقتصادية لمشروع شكيب، فإنه من الخطأ اعتماده إذا تبين فعلا أنه يخلق اضطرابا في المجتمع يهدد الاستقرار «وقال النائب» إن البرلمان سيقرأ مشروع القانون عند عرضه قراءة اقتصادية وأخرى اجتماعية سياسية وأمنية»، وفي خضم هذه الصراعات تحركت «جمعيات اللجان المساندة لبرنامج رئيس الجمهورية مؤخرا لإعلاء صوت التيار الذي يمثله بوتفليقة في الحكم. وهذه اللجان مجموعات مزروعة في عدة جهات من البلاد تتحرك في مناسبات يكون فيها الرئيس بوتفليقة محاصرا فتنظم مسيرات تأييد وندوات لفك ذلك الحصار وتوفير التغطية الاعلامية لتوجهاته. وكادت أن تتحول ندوة نظمها أنصار الرئيس في قسنطينة أكبر مدن شرق البلاد أول أمس الى مجال عراك بين هؤلاء الأنصار ومجموعة من النقابيين جاءت للتشويش على الندوة والقيام بدور مضاد. وأكد النقابيون خلال تلك المواجهة بأن قانون خليل لن يمر إلا على أجساد العمال وأن قرار «الخصخصة العمياء» انتحار جماعي، سيسرق 800 ألف منصب كان يشغلها العمال حاليا. ويساند العمال في موقفهم هذا خبراء سابقون في سونطراك أكدوا بأن قانون المحروقات الذي يريد بوتفليقة تمرير سيلحق أضرارا مباشرة قريبة وبعيدة المدى بالاقتصاد الجزائري وسيحرمه من 5.7 مليارات دولار بمجرد المصادقة عليه وهو مبلغ ضخم يخص مسائل عالقة بين سونطراك وعدد من الشركاء الأجانب تنازل عنه مشروع القانون الجديد مسبقا. ولا يستبعد الكثيرون أن تصل الجزائر من حيث الشكل الى ما وصلت إليه فنزويلا من مواجهات بين الرئيس شخصيا والمعارضة السياسية والنقابية لكن من حيث المضمون سيكون الوضع مقلوبا تماما فالطرف الذي تدعمه أميركا هو جانب الرئيس بوتفليقة ورجاله لأن السياسة التي سيعتمدونها تخدم المصالح النفطية الأميركية فيما تناصر في فنزويلا جانب المعارضة لأنها الطرف الذي يضمن مصالحها، على حساب رئيس «متشدد» لا يريد التنازل عن القطاع العام. الجزائر ـ مراد الطرابلسي: