الخميس 22 شوال 1423 هـ الموافق 26 ديسمبر 2002 مازالت الضربات تتوالى على اقتصاديات جنوب شرق آسيا حيث تهتز أسواقها الكبرى في نمو متقطع والولايات المتحدة في حالة ركود ومخاطر الحرب مع العراق في تزايد مطرد. ويضاف إلى هذا السيناريو أثار انفجارات بالي وما تلاها من تحذيرات السفر إلى الخارج التي يرى المحللون أنها ستأتي، على الارجح، بضغوط سلبية على تدفق الاستثمارات الاجنبية المباشرة على المنطقة. وذكر باول شميك، الاقتصادي العالمي بمؤسسة أيديا» إن الاقتصاد الاميركي هو المبعث الكبير للقلق». واستطرد قائلا «والنزاع المحتمل مع العراق هو الورقة المؤثرة». وبرغم التأثر بالعوامل الخارجية، إلا أن أعدادا قليلة فقط من الدول المصدرة التي تضررت بالازمة الاقتصادية لعامي 1997 و1998 هي التي أظهرت أداء مبهرا في عام 2002، حيث ساعدت الصادرات الاسيوية البينية في تخفيف تأثير التباطؤ الاقتصادي في الدول ذات الاقتصاد المتقدم. ويتوقع المجلس الوطني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في تايلاند أن يحقق الاقتصاد نموا نسبته 4.9% خلال هذا العام متفوقة بذلك على جميع جيرانها بجنوب شرق آسيا باستثناء فيتنام، ومحققة كذلك عودة نشطة مقارنة بمعدل النمو في العام الماضي الذي لم تتجاوز نسبته 1.8%. ووسط الدول التي عانت بشدة من الاضطراب المالي الاقليمي تعتبر كوريا الجنوبية هي الدولة الوحيدة الاسرع في النمو. وقد اختص أيضا جوشونج شوانج، كبير الاقتصاديين في بنك التنمية الاسيوي، ماليزيا بأن تحقق نموا في إجمالي إنتاجها المحلي تصل نسبته إلى 4%، وذلك بعد النمو الممتاز الذي تحقق في الربع الثالث من العام والذي بلغت نسبته 5.6% على أساس سنوي. وقال شوانج» لقد أنجزت هذه الدول الكثير خلال ثلاث سنوات» واستطرد قائلا «غير أنه مازال أمامها الكثير الذي يتعين عمله، خاصة في قطاع البنوك التايلاندي». وبرغم تبدد مخاوف السقوط في حالة ركود مزدوجة في سنغافورة إلا أن الغموض المزعج المحيط بالحرب والنظرة الضبابية للاقتصاد العالمي قد دفعا بالكثير من الاقتصاديين إلى اتخاذ موقف متشائم. فقد ذكر أرتور وو، الاقتصادي ببنك اتش.اس.بي.سي «هناك أساسا الكثير من المخاطر الخارجية». ففي مقابل التوقعات المتراجعة للنمو من جانب الحكومة والتي تتراوح بين نسبة اثنين و2.5% لعام 2002 وبين نسبة اثنين إلى 5% لعام 2003، قالت السلطة النقدية في سنغافورة أن الانكماش المتصل هذا العام «من المتوقع الان أن يمتد خلال عام 2003 لفترة أطول مما كان متوقعا» حيث لن يتحقق التعافي إلا في النصف الثاني من العام. وكان الانكماش قد بلغت نسبته 2% في عام 2001، حيث كان مصحوبا بأسوأ حالة ركود منذ الاستقلال في عام 1965. أما معدل البطالة والذي ارتفع خلال الربع الثالث من هذا العام إلى أعلى نسبة له منذ 15 عاما وهي 4.8% فإنه من المتوقع أن يسجل نسبة 5.5% أو يزيد مع نهاية العام. ويذكر أن اتفاق التجارة الحرة المكتمل تقريبا بين سنغافورة والولايات المتحدة سيبدأ سريانه في عام 2004 ويهدف إلى خلق وظائف جديدة وجذب مزيد من الاستثمارات الخارجية. وقال شوانج أن أول اتفاق للتجارة الحرة بين الولايات المتحدة ودولة أسيوية يعتبر إنجازا «رائعا» لانه سيكون النموذج الذي يمكن أن تتطلع إليه الدول الاخرى الاعضاء في رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان). وقد تم وضع هذا الاتفاق التمهيدي الذي كشف النقاب عنه في 19 نوفمبر الماضي بعد أسبوعين من توقيع الصين اتفاقا مع رابطة آسيان لتكوين أكبر منطقة تجارة حرة في العالم بحلول عام 2010. ولوضعه بالمخالفة للقلق الحالي والضاغط في المنطقة، شن النقاد هجوما على الاتفاق باعتباره مثالا آخر على تباطؤ خطى العمل الذي تنجزه الرابطة بأعضائها العشرة. وبالنسبة لاقتصاد ماليزيا فإنه يسير، وفقا لتصريحات محافظ البنك المركزي، زيتي أخطر عزيز، على طريق تحقيق التوقع الرسمي وذلك بالرغم من أن تحذيرات السفر التي أعقبت تفجيرات بالي في 12 أكتوبر قد أضرت كثيرا بثاني أكبر مصدر للعملة الاجنبية للبلاد. وتمثل هذا الضرر في انخفاض الاعداد الشهرية للسياح بما يتراوح ما بين 100 ألف و300 ألف سائح وواضعا اللوم في ذلك على التحذيرات الواردة من الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا وألمانيا ودول أخرى، قال رئيس وزراء ماليزيا مهاتير محمد «لقد اعترضنا، ولكن ذلك هو كل ما نستطيع عمله». وبالنسبة لعام 2003 فقد ذكر رئيس البنك المركزي أن الكثير يعتمد على المؤشرات الخارجية وخاصة ما يتعلق بالتباطؤ الاقتصادي في الولايات المتحدة أو الحرب في الخليج. وقال اقتصاديون ان آمال تايلاند في الحصول على استثمارات جديدة هي في أشد الحاجة إليها إنما تتوقف على مدى قدرة البلاد على تسوية قضية الديون المعدمة التي تقدر بمليارات الدولارات والناجمة عن الازمة المالية لعامي 1997 ـ 1998. وصرح فيسوت سرسيسوبان، المتحدث بلسان وزارة الخارجية التايلاندية، بأن التوقعات المتفائلة بارتفاع إجمالي الناتج المحلي إنما «ترتكز على الاستهلاك المحلي الذي يعتبر راسخا والذي من المتوقع أن يستمر كذلك خلال عام 2003». وأضاف قائلا «في حالة نشوب حرب فإن الاقتصاد التايلاندي لن يعاني كثيرا إذا ما كانت هذه الحرب قصيرة». وحيث أن السياحة تعتبر أيضا ثاني أكبر مصدر للعملات الاجنبية في تايلاند، فإن الحكومة تعتزم التعاون مع جيرانها مثل سنغافورة وهونج كونج لتشجيع الرحلات الاقليمية. ومن جانبه قال جون شتويرمر، رئيس مركز أبحاث بير ستيرنس اند كومباني في سنغافورة، انه لمكافحة العجز وصور الفساد الفاضحة «فإنه من الضروري تحقيق تقدم أفضل في الفلبين لبث الثقة بين المستثمرين». ومشيرا إلى فشل الاستثمارات في تحقيق الانتعاش منذ تولي جلوريا أرويو ماكاباجال الرئاسة في البلاد في يناير من عام 2001، قال شتويرمر أن الفلبين تخاطر بأن يتم تخفيض ترتيبها مرة أخرى من جانب وكالات التصنيف المالية. ويذكر أن سقف العجز في الموازنة الفلبينية قد اتسع ليصبح 233 مليار بيزوس «4.48 مليارات دولار»، أي بنسبة 6.5% من إجمالي الناتج المحلي بدلا من النسبة المستهدفة أصلا وهي 4% فقط من الناتج المحلي. ويتوقع المحللون ألا تكون الحكومة قادرة على الحفاظ على الخفض الذي توقعته للانتاج المحلي الاجمالي لهذا العام والذي تتراوح نسبته بين 4% و5%. وبالنسبة لاندونيسيا فإن تفجيرات الثاني عشر من أكتوبر فوق جزيرة بالي وما أعقبها من تهديدات إرهابية لثلاث من المدارس الدولية البارزة في جاكارتا، قد أساءت بدرجة أكبر لسمعة إندونيسيا كمكان خطر للعمل أو للزيارة. وقد ذكر صندوق النقد الدولي، في موافقته في ديسمبر الجاري على منح قرض لاندونيسيا، أن الهجوم «يشكل تحديا جديدا يجب مواجهته على الجبهة الاقتصادية من خلال التنفيذ الحازم والمستمر لبرنامج الحكومة الاصلاحي». وقد أدى هذا الوضع إلى تقليص الحكومة الاندونيسية لتوقعاتها بشأن النمو في أكبر دولة إسلامية في العالم إلى نسبة 3% لهذا العام و4% في عام 2003. غير أنه حتى هذه الارقام قد أثارت شكوكا من جانب خبراء الاقتصاد. وفي حين حظيت الرئيسة ميجاواتي سوكارنو بوتري بالاشادة لبدئها تحقيقا سريعا في تفجيرات بالي، إلا أنها كانت أقل شجاعة في ترتيب منزلها من الداخل وتطهير جهاز القضاء الفاسد، سيئ السمعة. وقد ذكر يوسف واناندي مدير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في إندونيسيا «إننا في أزمة. وهي (ميجاواتي) تحب أن تملك ولكنها لا ترغب في أن تحكم». ـ د ب أ