الخميس 22 شوال 1423 هـ الموافق 26 ديسمبر 2002 السودان سلة غذاء العالم العربي.. وصمام الأمان في المستقبل، فهذا البلد المترامي الأطراف والذي يعد من أكبر الدول العربية والإفريقية مساحة، إذ تبلغ 2.5 مليون كيلو متر مربع يتوسط 9 دول من حيث الجغرافيا، فيما الدولة العاشرة هي المملكة العربية السعودية التي يفصلها عن السودان البحر الأحمر، ومن الناحية الطبيعية فإن معظم بلاد السودان سهل منبسط، إضافة لكونه غنياً بموارده الطبيعية الذي تجعل منه قاعدة اقتصادية تقوم على الإنتاج الزراعي والحيواني وعليه فإن الزراعة تمثل العمود الفقري للاقتصاد وعليها تقوم معظم الأنشطة الاقتصادية. أما اكتشاف النفط فإنه يمثل إضافة نوعية، ومؤشراً على النمو الاقتصادي بشكل مضطرد، لكن يبقى هناك كوابح تعرقل هذا النمو والتطور الإيجابي وتؤثر سلباً في بنيته الاقتصادية، على رأسها الحرب في الجنوب والاضطرابات الداخلية فالسودان تعاقبت عليه منذ عام 1956 أي عام الاستقلال إلى عام 2002 سبعة أنظمة سياسية.. هذا ما يقوله الدكتور إبراهيم عبدالله رئيس اللجنة الاقتصادية للمجلس الاقتصادي السوداني. ـ كيف تفسرون لنا بصورة موضوعية مقولة أن (السودان سلة غذاء العالم العربي)؟ ـ يتمتع القطاع الزراعي في السودان بفرص واسعة وإمكانات هائلة توفر المقومات الأساسية للتنمية والاستثمار فيه وقد سبق أن رشح في مؤتمر الغذاء العالمي المنعقد في روما ضمن ثلاث دول لحل مشكلة الغذاء في العالم مع أستراليا وكندا، ويعتبر السودان الدولة العربية الوحيدة التي يعد ميزانها الزراعي موجباً، ويساهم مساهمة فعالة في الأمن الغذائي العربي، إذ بلغت صادراته من المنتجات الزراعية والحيوانية 595.7 مليون دولار في عام 1998، وهو قادر على إطعام خمسة أضعاف سكان الوطن العربي، وبذلك هو صمام أمان الغذاء العربي في المستقبل في حال استغلال ثرواته الزراعية. ـ ما الواقع الذي تعبر عنه الحالة الراهنة للاقتصاد السوداني؟ ـ لقد تشكلت ملامح الواقع الذي يعيشه الاقتصاد السوداني عبر الأعوام الخمسة الأخيرة (1997 ـ 2000) والتي شهدت تاريخين هامين. أولاً: تطبيقات سياسة تحرير الاقتصاد والتي كان الإعلان عنها قد صدر في فبراير 1992م. ثانياً: التحاق السودان بالبلدان المنتجة والمصدرة للبترول عام 1992. ومع ذلك فإنه يبدو من غير المنطقي تناول معطيات الواقع الراهن بمعزل عن المؤثرات الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية. ـ كيف؟ ـ إن البنية الاقتصادية الراهنة تعود مؤشراتها التاريخية إلى حقبة زمنية تقارب الخمسين عاماً أي منذ إعلان استقلال السودان في يناير عام 1956 وإلى عام 2002، ففي خلال هذه الفترة تعاقبت على حكم السودان سبعة أنظمة سياسية رئيسية شملت تحديداً حكم الأحزاب السياسية، وعلى فترات متقطعة تخللتها فترات من أنظمة الحكم العسكري، ونظام الحكم الشمولي والانتقالي والذي انتهى بنظام فترة الإنقاذ الوطني أي الفترة الراهنة منذ 30/6/1989. ـ كيف تفسرون تدفق الاستثمار الخارجي على السودان رغم الظروف الأمنية المضطربة والحرب الدائرة في الجنوب؟ ـ عكست مؤشرات الاقتصاد الكلي حالة من التحسن الاقتصادي المضطرد والمتمثل في الاستقرار الاقتصادي وذلك بتحقيق معدل نمو قدره 6.7% في الناتج المحلي الإجمالي وخفض معدل النمو إلى 4.8% مقارنة بـ 8.5% في العام الماضي مع المحافظة على سعر الصرف للعملة السودانية في حدود 257.3 ديناراً نتيجة لسياسات الترشيد في الإنفاق العام مع خفض الإستدانة من النظام المصرفي (البنك المركزي الى 0.2%) مما جعل الكتلة النقدية تحافظ على نموها في حدود 24% كما حافظ القطاع الخاص على نصيبه بالتمويل المصرفي في حدود 63% من اجمالي التمويل. ونتيجة لهذه السياسات الاقتصادية الكلية المحفزة للاستثمار ومناخه زادت تدفقات الاستثمار الخارجي الى 12.941مليون دولار للعام 2000م حيث غطت مختلف المجالات ويتوقع زيادة حجم الاستثمارات هذا العام حيث بلغت المشروعات المصدقة خلال الفترة ما بين يوليو الى سبتمبر 2001م 180 مشروعا بتكلفة قدرها حوالي 430 مليون دولار، وكذلك شهدت صادرات السودان ارتفاعا بلغ 1619 مليون دولار رغم الركود في الاقتصاد العالمي، وعملت الدولة على ترشيد الواردات دون اخلال بسياسات التحديد المعلنة وذلك بالعمل على حماية الأسواق المحلية من الآثار الضارة للإغراق السلعي والدعم غير المبرر للواردات. ـ يعتبر مشروع الجزيرة من أكبر المشاريع الزراعية في العالم، إضافة لكونه يشكل العمود الفقري للاقتصاد السوداني، حدثنا عن هذا المشروع الحيوي؟ ـ في الحقيقة فإن مشروع الجزيرة قديم حيث تم إنشاؤه عام 1925 في فترة الاستعمار البريطاني، وهو من أعظم المشاريع التي أقامها المستعمر في السودان لإنتاج وتصدير القطن لمصانع لانكشير، ويعتبر هذا المشروع من أكبر المشاريع المروية في الوقت الحاضر على مستوى العالم، ومساحته 2.1 مليون فدان أو نحو مليون هكتار وهو يغطي ويسهم في المتوسط بـ 65% من إنتاج البلاد من القطن طويل التيلة و70% من إنتاج القمح و15% من إنتاج القمح و32% من إنتاج الذرة و20% من إنتاج الخضر كما توجد بأرض المشروع حوالي 400 ألف رأس من الأبقار و600 ألف رأس من الضأن و760 ألف رأس من الماعز. وهذا المشروع يقوم بدور حيوي في الاقتصاد السوداني خاصة وأن معظم إنتاجه من القطن والخضروات والفول السوداني والأنعام، وهي كلها محاصيل تعد من الصادرات المهمة التي توفر العملات الصعبة وتدعم الخزينة العامة من خلال الرسوم على المحاصيل الزراعية. ويعمل في هذا المشروع 114 ألف مزارع حيث يمتلك الواحد منهم قطعة أرض تسمى (حيازة) ويعينهم في العمليات الزراعية وعمليات الحصاد أكثر من نصف مليون من العمال الزراعيين كما يعمل بإدارة المشروع أكثر من 6 آلاف من العاملين بإدارة الغيط وشئون الري والشئون الهندسية بالإضافة إلى العاملين بالمحالج والسكة الحديدية التي تمتد لأكثر من ألف كيلومتر داخل هذا المشروع. لقد كان لهذا المشروع الكبير أثره الاقتصادي والاجتماعي بفضل الثورة العمرانية والحضارية والتي تمثلت في الوفورات الخارجية وذلك بقيام العديد من مصانع الغزل، كما انتشرت خدمات التعليم والصحة والمياه بالإضافة إلى خدمات الكهرباء في جميع قرى المشروع مما جعل هذه المنطقة واحة وسط الريف السوداني. ـ ما أثر النقلة التاريخية التي حدثت إثر اكتشاف النفط على الاقتصاد، والتحاق السودان بالدول المنتجة والمصدرة للبترول؟ ـ بدأ إنتاج وتصدير البترول في السودان منذ عام 1999 حيث بدأت عمليات الإنتاج بنحو 120 ألف برميل في اليوم من البترول الخام ارتفعت إلى 250 ألف برميل، وهناك احتمال أن يصل إلى مليون برميل في اليوم، وقد ساعد ولوج السودان إلى دائرة البلدان المصدرة للنفط في تحقيق ما يلي: أولاً: توسيع القاعدة الإنتاجية وتقليل مخاطر الاقتصاد الوطني من الاعتماد على قطاع إنتاجي رئيسي وهو الزراعة بشقيها النباتي والحيواني وتدعيم الناتج المحلي الإجمالي. ثانياً: توسيع سلة الصادرات فبينما تراوحت قيمة الصادرات السودانية للفترة 1994 ـ 1998 حوالي 534 مليون دولار فإنها وبدخول صادر البترول ارتفعت إلى 780 مليون دولار في العام 1999 ثم إلى 1806 ملايين دولار في العام 2000 ونحو1700 مليون دولار عام 2001 رابعاً: الاكتفاء الذاتي من سلعة البترول في مقابلة احتياجات السودان من استهلاك وقود السيارات والزراعة والصناعات والغاز المنزلي وغيرها وهو ما أحدث وفوراً في النقد الأجنبي من مبالغ كانت مخصصة لاستيراد البترول تتراوح بين 300 ـ 400 مليون دولار سنوياً لصالح واردات هامة أخرى كالقمح والدقيق والمصنوعات والآلات والمعدات ووسائل النقل. ـ تطور البنية الهيكلية من أهم عناصر مناخ الاستثمار.. هل استطاع السودان تطوير هذه البنية بما يتلاءم مع التطور الاقتصادي لجذب الاستثمار؟ ـ إذا نظرنا إلى تطور البنية الأساسية نجد أن هناك تطوراً ملحوظاً قد طرأ على الخدمات في مجال الاتصالات حيث تم ربط البلاد بشبكة اتصالات حديثة خاصة المدن داخلياً وولائياً، إضافة إلى الاتصالات السلكية واللاسلكية، حيث ربط السودان بالعالم من حولنا، وقد بدأ الاهتمام بصورة جادة بنظم المعلومات المتطورة (شبكة الإنترنت، والبريد الإلكتروني) كخطوة للتعايش مع المجتمع الدولي، أما في مجال الطرق فقد بدأت الانطلاقة في مجال ربط الولايات بطرق عابرة مثل طريق التحدي الخرطوم عطبرة الذي تم إنجازه، طريق شريان الشمال الذي يربط بين أم درمان دنقلا وطريق السلام وطريق الإنقاذ الغربي، كما تم تأهيل السكك الحديدية، وتوسيع الموانيء، حيث ازداد الإقبال على الاستثمار في مجال النقل البري بصورة ملحوظة مما أدى إلى خفض تكاليف الترحيل، كما تم توسيع الموانيء البحرية والنهرية، وفي مجال الطاقة والتي تعتبر المحرك الرئيسي للقطاعات الاقتصادية الأخرى فإن البلاد تزخر بموارد كثيرة من الطاقة الأولية التي يمكن أن تنتج منها الطاقة الكهربائية منها المائية والحرارية فضلاً عن الطاقات الجديدة والمتجددة الأخرى، حيث أضاف استخراج البترول ومشتقاته من الغاز وغيره مورداً جديداً من مصادر الطاقة. حوار: يوسف احمد