الاحد 18 شوال 1423 هـ الموافق 22 ديسمبر 2002 يمثل الخطر الناتج عن تدهور سعر صرف الدولار عالميا تجاه العملات الرئيسية الاخرى، أحد أهم وأكبر المخاطر الرئيسية التي تهدد فوائض واستثمارات الدول العربية النفطية في الخارج. وفي نفس الوقت فان من الصعب تقدير تلك الفوائض ونسبة الدولار الأميركي في مكوناتها ولكن المعروف هو ان التعامل في الصادرات النفطية في غالبيته العظمى يتم بالدولار الأميركي، اضافة الى كونه يلعب دور العملة الدولية الرئيسية في التعاملات العالمية على ضوء تنامي العلاقات الاقتصادية المتمثلة بالمعاملات المالية والنقدية والتجارية، لذلك يمكن القول بأن معظم الفوائض المالية الناتجة عن تصدير الدول العربية للنفط الخام هي مستثمرة بالدولار الأميركي رغم لجوء بعض الدول العربية النفطية في السنوات الأخيرة الى زيادة ما تملكه من المحافظ المالية بالعملات الاخرى. على هذا الأساس فان كل انخفاض في سعر الدولار على المستوى العالمي سيؤدي الى خفض في القيمة الحقيقية لتلك الفوائض وتكون نتيجة الخفض أسوأ اذا كانت القيمة السوقية لتلك الاستثمارات آخذة في التدهور في نفس الوقت. ويمكن للمتتبع للمسار التاريخي لتطور سعر الدولار عالميا من ناحية وأسعار النفط في السوق العالمية من ناحية اخرى، سيلاحظ ارتباط هذين السعرين بعلاقة عكسية. أي انه في الوقت الذي ترتفع فيه أسعار النفط عالميا فان الدولار يسجل انخفاضا ملحوظا تجاه العملات الاجنبية الاخرى. هذه العلاقة العكسية التي نشأت بين قيمة الدولار عالميا وأسعار النفط تشير الى حقيقة ان النظام الرأسمالي العالمي وبقيادة الولايات المتحدة الأميركية قد حرصت على ان تمتص أثر ارتفاع أسعار النفط على اقتصادات الدول المتقدمة للتخفيف من حدة الازمات الاقتصادية التي تتعرض لها اضافة الى تخفيض جزء كبير من الايرادات النفطية الحقيقية لدول منظمة الأوبك. لقد كانت الخسائر الكبيرة التي حققتها دول الأوبك نتيجة لتقلب سعر الصرف للدولار في مساره العكسي مع مسار حركة أسعار النفط لم تول الاهتمام الكافي من قبل هذه الدول لحماية مصالحها ولكن استمرار التدهور الذي يسجله سعر صرف الدولار في الفترة الأخيرة يجعل من المهم ان تقوم هذه الدول بالعمل على اتخاذ الخطوات الكفيلة بحماية مصالحها والعمل على وقف الاخطار التي تهدد الفوائض النفطية المستثمرة في الخارج. إن ما يحدث الان تغيرات كبيرة في أسعار الصرف على الصعيد العالمي لا يمكن اعتباره من قبيل التغيرات التصحيحية التي من شأنها ان تعيد الامور الى أوضاعها الاعتيادية وانما ما يحدث هو نتيجة حرب نقدية بين عملات الأقطاب الثلاثة للاقتصاد العالمي والمتمثلة في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا واليابان وهو في الحقيقة انعكاس لتفاقم الازمة الاقتصادية العالمية وهي ليست ازمة ذات طابع دوري بقدر ما هي أزمة هيكلية طويلة المدى ولا يوجد في الوقت الحاضر ما يشير الى امكانية حلها أو وقف التدهور المتواصل فيها. ان الانهيار الحالي في سعر صرف الدولار عالميا هو تعبير عن الازمة التي يمر بها الاقتصاد الأميركي وهي أزمة تعكس أزمة هيمنة هذا الاقتصاد على مجمل النظام العالمي وفي نفس الوقت عجز هذا الاقتصاد عن تولي قيادة هذا النظام الذي يمر الان بعلاقات نمو غير متكافئة وبعلاقات صراع طاحنة، وفي ضوء ذلك وفي ظل الصعوبات التي يمر بها الاقتصاد الأميركي فمن المنتظر ان تكون خسائر الدول النفطية الدائنة أكبر في المرحلة المقبلة خاصة وانه من المتوقع ان الولايات المتحدة الأميركية سوف تعتمد تخفيض قيمة الدولار في محاولة منها لاسترجاع توازنها الاقتصادي. ان الاقتصاد الأميركي في الواقع يتصرف بموارد أكثر مما متاح له حيث ان هناك عجزا داخليا تعكسه الموازنة الفيدرالية والعجز الخارجي الذي يعكسه الميزان التجاري حيث مرت فترات على الولايات المتحدة قامت فيها بسد هذا العجز من دول الفائض مثل الدول النفطية وبعض دول غرب أوروبا واليابان من خلال استثماراتها في الولايات المتحدة. ان استمرار الولايات المتحدة باعتماد سياسة التخفيض في قيمة الدولار يلقي بعض الشك في علاج أزمة العجز الأميركي لعدد كبير من الاعتبارات منها ما يتعلق بتشجيع الصادرات الأميركية وتقليل الاعتماد على الواردات اضافة الى امكانية تصريف الانتاج الأميركي في دول العالم الثالث. أما عن حالة العجز في الموازنة الفيدرالية فليس من المتوقع ان يباشر تخفيض قيمة الدولار أية تأثيرات ايجابية لتقليل هذا العجز حيث ان هذا العجز هو نتيجة عوامل لا علاقة مباشرة لها بقيمة الدولار وهي الزيادة السريعة والكبيرة في الانفاق على التسليح وخوض الولايات المتحدة حروباً واسعة في مناطق عدة من العالم بشكل مباشر وغير مباشر واقتراح خطط عسكرية لخوض حروب مستقبلية مما يتطلب رصد مبالغ اضافية لهذه البرامج. هذا اضافة الى سياسة الادارة الجمهورية في تبني برنامج طويل الأمد لتخفيض الضرائب والركود الاقتصادي العام الذي يعاني منه الاقتصاد الأميركي والفضائح المالية المتتالية للشركات العملاقة. ان كافة المؤشرات تشير الى ان الإدارة الأميركية ليست مستعدة للتخلي عن أي من برامجها التي أشرنا اليها، حيث انها غير مستعدة للتنازل عن خططها العسكرية وبالتالي تخفيض انفاقها العسكري ولا زيادة الضرائب اضافة الى استمرار مسلسل الفضائح المالية وانهيار مؤسسات اقتصادية كبيرة، فمن المتوقع ان تستمر الازمة في الاقتصاد الأميركي لاخذ مداها الذي ربما يؤدي الى تشوهات وخلل كبير في الاقتصاد الرأسمالي العالمي خاصة وأن فقدان الثقة في الدولار الأميركي وفي الشركات الكبرى الذي عبرت عنه الفضائح المالية الأخيرة يمثل انذارا الى دول الفائض بعدم الاستمرار في استثمار فوائضها المالية في الدولار الأميركي وفي الشركات الأميركية. على أية حال فان أثر التخفيض المستمر في قيمة الدولار على مستقبل دائنية الدول العربية النفطية يواكبه تخفيض بنفس النسبة في القيمة الحقيقية للفوائض النفطية المستثمرة بالدولار اضافة الى ما يسببه ذلك من انخفاض مواز في القيمة الحقيقية للعوائد النفطية والتي تمثل مصدر دخل لهذه الدول. واذا استمرت قيمة الدولار في الانخفاض في الفترة المقبلة فقد يشعر المستثمرون العرب بضرورة سحب أموالهم من السوق الأميركي والتوجه نحو الاستثمار في عملات اخرى أقوى تحت تأثير الشعور بفداحة الخسائر المتحققة أو حتى لمجرد الاستفادة منها في سد العجز في موازناتها المحلية. وفي هذه الحالة فان الولايات المتحدة ستسدد تلك الاموال بدولار منخفض القيمة بالمقارنة بالقيمة التي كانت عليها تلك الاموال في فترة سابقة تمثل بداية الاستثمار وبذلك تكون الولايات المتحدة قد تخلصت من جانب من مديونيتها بعد ان تكون قد حققت مكاسب رأسمالية. من المعلوم فقد حرصت الدول العربية النفطية في عصر تكوين الفوائض النفطية على تنويع مصادر دخلها وذلك باستثمار تلك الفوائض في الخارج في قنوات استثمارية متنوعة، ومع تنامي حجم هذه الفوائض في الخارج زادت الايرادات التي تحصل عليها تلك الدول من هذه القنوات وأصبحت تشكل نسبة من مكونات دخلها القومي ومصدرا هاما من مصادر الدخل الحكومي والدخل الخاص للكثير من الافراد الذين استثمروا مدخراتهم في الخارج اعتمادا على معرفة العائد الحقيقي الذي تدره تلك الاستثمارات حيث ان هذا العائد يتوقف على نوع العملة المستخدمة وسعر صرفها اضافة الى العوامل الاخرى مثل نوع الاستثمار، أسعار الفائدة ومعدلات التضخم، السياسات النقدية والمالية في البلاد التي اتجهت اليها هذه الاستثمارات وعلى الاحوال الاقتصادية العامة في الاقتصاد العالمي. وبشكل عام فاننا مع التعاون الاقتصادي الدولي وأهميته لابد من القول بأن استثمار معظم الفوائض النفطية العربية في الخارج قد نتج عنه مردودات سلبية في معظم الاحيان وكان المردود الايجابي بالدرجة الأولى للمؤسسات والدول التي تم الاستثمار فيها أو باستخدام المعايير الاقتصادية البحتة نجد بأن جزءاً كبيراً من المشاريع العربية تمثل أفضل استثمار للدول العربية المستثمرة والمضيفة على حد سواء، فهو يجنب الدول المستثمرة مخاطر تراكم استثماراتها في بلدان اجنبية متعرضة للتضخم والتقلبات في أسعار صرف العملات اضافة الى العوامل السياسية الاخرى المتمثلة بتجميد الارصدة، وهو في الوقت نفسه يؤمن للدول المضيفة فرصا جيدة لتمويل وتحقيق مشاريعها الانمائية دون الدخول في دوامة المديونية الخارجية وهو في الحالتين يؤمن للطرفين مردودا مجزيا.