الاحد 18 شوال 1423 هـ الموافق 22 ديسمبر 2002 أنا الان ممن يتم وصفهم بعبارة «عامل ناضج»، وهي عبارة جديدة لها مستقبل مضيء، فهي واحدة من تلك التعبيرات التي تبدو سليمة النية وتفرض نفسها على اللغة لتزيد من الازدحام اللغوي بالعبارات الجديدة، ولكنها تبدو في الوقت نفسه كأمر لا يمكن تجنبه في عصر لا يريد فيه أي شخص ـ ما عدا هؤلاء الذين يظهرون للحديث في قنوات التلفزيون ومحطات الاذاعة ـ ان يسيء للآخر وعندما تلحق صفة «ناضج» بلفظ «عامل»، فان الأمر يعني ان الشخص الموصوف أصبح «أكبر في السن» وبشكل عام يكون تعدى العام الخامس والأربعين من عمره. ونحن «العاملين الأكبر في السن» (أنا عمري 56 عاماً) أصبحنا نتخم السوق بعددنا الزائد عن الحد، ونتيجة لذلك، أصبحنا نمثل مشكلة اجتماعية. وحتى أكون أكثر دقة في حديثي، ففي عام 2000 كان هناك 61 مليون أميركي من الفئة العمرية من 45 الى 64 عاماً، وبحلول عام 2010، سيكون هناك 79 مليوناً في هذه الفئة، وفقاً لتقديرات مكتب احصاءات العمل. أي ان هناك زيادة تقدر بـ 30% ستحدث في عدد اعضاء هذه الفئة خلال السنوات المقبلة حتى العام 2010 في الوقت الذي تبلغ فيه الزيادة في الفئة العمرية التي تزيد عن 16 عاماً حوالي 11% فقط. فنحن أبناء طفرة المواليد نتقدم نحو كبر العمر. والاشكالية هنا تتمثل في ان المجتمع لا يعلم بالضبط كيف يتصرف معنا. فلعدة سنوات كان الاتجاه هو التقاعد المبكر. وقيل ان الناس تريد الراحة والاستجمام، وان الشركات كانت في حاجة الى افساح الطريق امام الشباب الطموحين كما قيل. ونشأ لفظ التقاعد كوصف لحالة كل من هم في هذه المرحلة العمرية ليكون بمثابة الاجازة المكتسبة من الحياة. وفي عام 1950، كان 78% من الرجال الذين تتراوح أعمارهم من 60 الى 64 عاماً ضمن قوة العمل الفعلية للدولة، وكذلك كانت الحال مع 31% ممن هم في الخامسة والستين وما فوق. وبحلول عام 2000 انخفضت هذه النسب الى 55% و18% بالترتيب. ولا يزال للتقاعد المبكر جاذبيته. ومن الخطر القيام بأي تعميم فيما يتعلق بأي مجموعة كبيرة كتلك التي تتراوح أعمارها من 45 الى 65 عاماً. ولكن هناك بعض الاشياء التي يمكن تأكيدها دون خوف. فمعظمنا الان لديه قدر أقل من الاوهام مقارنة بوضعنا ونحن على سبيل المثال في السنة الخامسة والعشرين من عمرنا، والان ونحن في هذه العمر قمنا باستبدال طموحات يمكننا تحقيقها بأوهام غير واقعية. وبالنسبة لكثير منا، لايزال التقاعد المبكر هو الهدف. وعدد كبير منا لديه حماسة كبيرة للعمل، ولكن هناك آخرين قد عملوا بما فيه الكفاية. كما ان البعض يتم الاستغناء عنه، فالموظفون كبار السن ينتشرون بين جميع أنماط القوة البشرية العاملة ابتداء من عمال قطع الأشجار الميتة الى العاملين في مجال المحركات والاسطونات. غير أن هناك عدداً كبيراً منهم يتقاضون أجورا عالية. فهم يتمتعون بزيادات في الرواتب وتأمينات صحية متنامية، وعندما تريد الشركات خفض النفقات ـ كما هي الحال حالياً ـ فإنها تلجأ الى استبدال العمال الصغار الأقل في مرتباتهم بالعمال الكبار الذين يتقاضون مرتبات أكبر. وهناك تزايد في برامج «التقاعد المبكر». تلك الضغوطات التي تمارس لحث الناس على التقاعد المبكر لها أسبابها المفهومة. ولكنها عندما تحدث في مجتمع يشيخ في السن، فان الأمر يغدو كارثة، فمتوسط سنوات عمر الانسان في تزايد، والناس أصبحوا يتمتعون بمستوى صحي أفضل من ذي قبل. ونحن لا نستطيع ان نتحمل رؤية مزيد من العمال القادرين وهم يتم تهميشهم، فالمشكلة الاجتماعية التي تواجه «العامل الناضج» هي ان يوافق بين حاجة المجتمع «المتمثلة في الاحتفاظ بعدد أكبر من الأشخاص يعملون لأوقات أطول»، ورغبات الافراد والشركات «التي تفضل التقاعد المبكر». فنحن في حاجة الى احداث تغير عميق في انماط العمل على غرار ما تم عندما امتلأ سوق العمل بالنساء. فعدد أكبر من العمال الأميركيين الكبار في السن في حاجة الى الانتقال بشكل تدريجي من العمل الى تقاعد كامل. فنحن في حاجة الى وظائف ذات دوام جزئي، ونحتاج وظائف تتمتع بساعات عمل مرنة ومزيداً من الوظائف التي تستحوذ على اهتمام الناس حتى ولو كانت فرص الترقية فيها قد تلاشت. وأشارت احدى الدراسات التي قامت بها مجموعة بحثية تعرف باسم «مجلس المؤتمر» ان الشركات لديها «أكوام من الاستراتيجيات للحفاظ على العمال الناضجين»، وقد قامت هذه المجموعة البحثية باستطلاع أراء العمال الذين يزيدون عن خمسين عاما فيما فوق وتبين ان حوالي نصف هؤلاء «47% بالتحديد» قال ان «ساعات عمل اكثر مرونة» ربما تدفعهم إلى تأجيل تقاعدهم. بعض من تلك المشكلات يمكن في النهاية ان تعالج نفسها بنفسها، فاقتصاد يتمتع بقدر اكبر من القوة، والحاجة إلى الابقاء على العمال ذوي الخبرة، ربما يدفع الشركات إلى خلق انماط جديدة من الوظائف: اما العمل الاصعب فهو ضمان ان تغذي وظائف اليوم ووظائف الغد، وتصب في خانة الالتزام الشعوري لدى الناس، فالعمال الاكبر في السن عادة ما يشعرون بان الاخرين يبخسون تقديرهم، يقول احد الذين تم استطلاع ارائهم في الدراسة سابقة الذكر: كل الاعمال الهامة يتم اسنادها لموظفين في نفس عمر أو اقل من عمرهم من الرئيس الذي عادة ما يكون في الاربعين من عمره، ومن ضمن من تم استطلاع رأيهم، هناك 25% يريدون ان يتقاعدوا لانهم لا يشعرون باحترام الاخرين لهم. غير ان المشكلة لا تكمن فقط في الشركات فنحن الموظفين الكبار في السن يكون لدينا بعض الآمال والتوقعات غير الواقعية، فقد اشار حوالي نصف من تم استطلاع آرائهم ان زيادة كبيرة في مرتباتهم يمكن ان تدفعهم إلى تأجيل قرار التقاعد، بالتأكيد، فلماذا لا تتم مضاعفة رواتبنا، وتتواجد الصراعات بين الاجيال، فلو ظل عدد كبير يفوق الحد من جيل طفرة المواليد في المناصب الكبرى لوقت اطول من المفروض، فان هؤلاء الذين لا يقدرون على الانطلاق إلى هذه الوظائف سيمتلأون بالضغينة والاستياء تجاه هؤلاء الذين يعوقون ترقيتهم. ومنذ منتصف التسعينيات من القرن الفائت، تزايد بشكل ضئيل عدد الأميركيين الذين هم في الخمسين والستين من عمرهم الذين لا يزالون يحتفظون بوظائفهم، غير اننا نحتاج إلى نقلة اكبر، فقدر كبير من التقاعد المبكر يمكن ان يكون له اثار سيئة علينا «شخصيا» وعلى الدولة، فالمتقاعدون بشكل مبكر ربما يسيئون انفاق اموالهم، فهم بناء على ما تبين من خلال انخفاض مؤشرات سوق البورصة، ينفقون مدخراتهم بشكل سريع، كما ان وجود عدد قليل من الموظفين ووجود فائض من المتقاعدين يحدث قدرا كبيرا من الظلم الاجتماعي، وهذه الحالة من عدم التوازن تؤثر بالسلب على دخول الموظفين الاصغر في السن وذلك سبب الضرائب الاعلى التي يتم فرضها لدعم البرامج الفيدرالية الخاصة بالعناية الصحية والتكافل الاجتماعي، وتؤدي إلى خفض الرواتب من اجل تمويل تكاليف المعاش الآخذة في الزيادة نتيجة تضاعف عدد المتقاعدين، وليس هذا بالمصير الذي يريد جيل طفرة المواليد فرضه على اطفالهم.