الاحد 18 شوال 1423 هـ الموافق 22 ديسمبر 2002 تتمتع منطقتنا بقدر كبير من الموارد البشرية والطبيعية والمعدنية. وباستثناء المناطق الصحراوية (مع وجود تصحّر متزايد في بعض الحالات)، فإن بلدان الشرق الأوسط تتمتع بشروط مناخية ومواقع جغرافية ملائمة، مع إمكانية استخدام النقل البحري أو النهري أو كليهما معا والذي يسهل التبادل التجاري. وبالتالي، فإننا لا نواجه مصاعب البلدان غير الساحلية أو البلدان ذات المناخ الشديد الوطأة، أو المصاعب الناجمة عن عدم إمكانية استخدام خطوط النقل أو عن البعد الجغرافي، وكلها عوامل تزيد تكاليف التجارة والتعامل. ولكن، بالرغم من هذه العوامل المؤاتية لتحقيق التنمية والنمو الاقتصادي، لم يكن أداء منطقتنا أداء جيدا. والواقع أن وضعيتنا النسبية قد سجلت تراجعا، كما يستدل من مؤشرات كثيرة. ويبلغ مجموع عدد السكان في بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا 296 مليون نسمة، أي ما يقارب عدد السكان في بلدان الاتحاد الأوروبي، علما بأنهم يمثلون 4.9% من سكان العالم وأنه من المتوقع أن يبلغ عددهم 393 مليوناً في سنة 2015 (بمعدل نمو سنوي قدره 1.9%). فالسكان مؤلفون من فئات فتية و40% منهم هم دون العشرين، وهم يتكاثرون بوتيرة سريعة نسبيا. وبالتالي، فإن القوة العاملة البالغة 99 مليوناً يتوقع نموها بشكل أسرع من نمو السكان ومن المتوقع أن تبلغ 148 مليوناً في سنة 2015. ومن المتوقع أيضا أن يكون نمو السكان الذين هم في سن العمل، من الآن حتى سنة 2015، نموا أسرع مما في أية منطقة أخرى في العالم، أي بمعدل سنوي قدره 2.7%. وكانت حصة بلدان الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا من الدخل العالمي تبلغ 1.39% سنة 1970 و1.84% سنة 1990، علما بأنها وصلت حتى 2.09% سنة 2000. ونجد أن الدخل المجمع للبلدان العربية هو أقل من دخل اسبانيا (559 مليار دولار أميركي)، التي تعتبر بلدا صناعيا متوسط الحجم، في حين أن عدد سكانها البالغ 39.5 مليون نسمة هو أقل بكثير من سكان البلدان العربية. ونجد أيضا أن فنلندا الصغيرة، وعدد سكانها يفوق بقليل 5.2 ملايين نسمة، يبلغ حجم انتاجها سنويا 122 مليار دولار أميركي، أي ما يقارب إنتاج المملكة العربية السعودية (173 مليار دولار أميركي). وفي الخمسينينات، كانت حصة الفرد من الدخل القومي في مصر مماثلة لحصة الفرد في كوريا الجنوبية، لكنها هبطت في سنة 1998 إلى مستوى بلغ خمس الحصة الكورية. وفي سنة 1990 كان حوالى 59 مليوناً شخص (24.8% من السكان) يعيشون على دخل يومي يقل عن دولارين في بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا. غير أن هذا العدد ارتفع حتى 87 مليوناً (29.9% من السكان) في سنة 1999. وهناك تراجع في نتائج النمو في بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، علما بأن هذه النتائج والتقلبات في نسب النمو ترتبط ارتباطا قويا بأسعار وتطورات النفط والغاز. ويسيطر النفط على تجارة البلدان في منطقة الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا، علما بأن صادرات الوقود تمثل ثلاثة أرباع صادرات المنطقة. ونتيجة لذلك، فالصادرات غير مستقرة، وهي شديدة التأثر بتقلبات أسعار النفط وبالصدمات المتصلة بالعرض النفطي، علما بأن أعلى حصة لصادرات المنطقة من الصادرات العالمية متلازمة مع ذروة أسعار النفط. ومن جهة أخرى، لم تتمكن المنطقة حتى الآن من تنويع قاعدة صادراتها. وتزداد حصة البلدان الأعضاء في الجات/المنظمة العالمية للتجارة من التجارة العالمية بشكل مطرد. وبعد ان انضمت الصين الى هذه المنظمة، سوف تبلغ حصة البلدان الاعضاء أكثر من 96% من التجارة العالمية. اذن، يستخلص من هذا الأمر ان التجارة العالمية تسودها حاليا قواعد المنظمة العالمية للتجارة. وهذا يعني ان من مصلحة البلدان العربية عموما، ومن مصلحة سوريا ولبنان خصوصا، الانضمام الى هذه المنظمة العالمية والقيام بتحرير تبادلها التجاري على مستوى متعدد الاطراف، وفق القواعد والانظمة التي وضعتها المنظمة العالمية للتجارة. واذا لم يتم ذلك فالبلدان العربية، وسوريا ولبنان، ستصبح بلدانا مهمشة. وتنمو التجارة العالمية للخدمات بسرعة تفوق نمو الإنتاج العالمي وتجارة البضائع، وهذا يعبر عن التغير التدريجي في بنية النشاط الاقتصادي، المتحول من الزراعة والصناعة نحو الخدمات والخدمات المالية وتكنولوجيا وسائط الإعلام والمعلومات والاتصالات. لقد كانت البلدان العربية حتى الآن بطيئة في تصميم استراتيجيات خاصة بتحرير وتطوير قطاع الخدمات، الذي يخضع عادة لقيود شديدة، كما أنها لم تستثمر في البنية التحتية اللازمة (مثلا، الاتصالات السلكية واللاسلكية، والسياحة والنقل). ويشير بحث حديث العهد إلى أن إصلاح قطاع الخدمات وتحريره من القيود في البلدان العربية يمكنه أن يؤدي إلى مكاسب كبيرة لمصلحة المستهلكين والمستفيدين من الخدمات، علما بأن هذه المكاسب تفوق ما يؤدي إليه الاكتفاء بإلغاء الحواجز الجمركية وغير الجمركية على السلع المستوردة بنسب تتراوح بين 30% و40%. وبالتالي، إذا اقترن تحرير التجارة بإصلاح قطاع الخدمات فهذا يؤدي إلى مكاسب أفضل مما يؤدي إليه التغيير في إحدى السياستين، مع وجود تكاليف متماثلة بشأن التكييف اللازم في ميدان القوة العاملة. لكن التبادل التجاري فيما بين البلدان العربية محدود، وهو لا يتجاوز 7% من تجارة البضائع ويشمل الوقود في الدرجة الأولى. وهذا يعبر عن الوقائع التالية: (أ) إن الحواجز التجارية بين البلدان العربية، الجمركية وغير الجمركية، هي أشد من الحواجز على التجارة بين البلدان العربية وشركائها التجاريين من غير البلدان العربية، (ب) إن هناك قاعدة منتجات متماثلة. وفي حالة البلدان غير الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، نجد أن متوسط التعريفات الجمركية يتراوح بين 10% و15%، وهو من أعلى المتوسطات في العالم، مما يؤدي إلى درجة مرتفعة نسبيا من حماية النشاط الاقتصادي المحلي. والواقع أن التحرير التجاري يتعلق بتخفيض الحواجز الجمركية أي التعرفة وغير الجمركية بقدر ما يتعلق بتسهيل التبادل التجاري وتأمين فعاليته. وعلى سبيل المثال، فإن تخفيض عدد الأيام وتكاليف التخليص الجمركي أمر تعادل أهميته تخفيض التعريفات الجمركية. ونمط المتاجرة في البلدان العربية نمط متنوع. فبلدان الاتحاد الأوروبي هي أهم الشركاء التجاريين لبلدان المغرب العربي، في حين أن بلدان مجلس التعاون الخليجي تتجه نحو اليابان وآسيا. أما التجارة في بلدان المشرق العربي فهي أكثر تنوعا.