الاحد 18 شوال 1423 هـ الموافق 22 ديسمبر 2002 بدأت العلاقة بين اقتصادات الامارات والشركات الاجنبية منذ عصر اللؤلؤ، أي انها تعود الى أوائل القرن التاسع عشر الميلادي وقبل الاكتشافات النفطية حينما كانت الامارات نقطة أساسية في حركة التجارة بين الشرق والغرب، وعندما تم اكتشاف النفط كانت الشركات البريطانية هي السباقة الى المنطقة، ثم وجدت منافسة من قبل الشركات الأميركية، ولقد اتسمت العلاقة بين الشركات الاجنبية والامارات بأنها لم تكن علاقة مبنية على تكافؤ المصالح أو الفائدة المشتركة. لقد كانت الشركات الاجنبية تسعى دائماً الى الهيمنة والسيطرة الاقتصادية، لذا فان الامارات منذ الاكتشافات النفطية وجدت نفسها مرغمة على التوقيع مع سبع شركات عالمية يطلق عليها (الاخوات السبع) سبع اتفاقيات وبموجبها تقاسمت هذه الشركات مناطق الامتياز في الامارات سواء البحرية أو البرية، واتسمت هذه الاتفاقيات بأنها اتفاقيات احتكارية حيث صيغت من طرف واحد وبموجبها اعطت الامارات جميع الامتيازات لهذه الشركات وبما فيها الاعفاءات الضريبية. ومع قيام الدولة ولاسيما خلال عقد السبعينيات كان تواجد الشركات الاجنبية ليس من اجل المساهمة في احداث تنمية اقتصادية وانما من اجل الاستفادة من الطفرة الاقتصادية التي شهدتها الامارات آنذاك، ومع توسع الشركات الاجنبية في نشاطها وفي اعدادها في سوق الامارات فاننا نجد ان هذه السوق تعاني من هيمنة اجنبية مطلقة وسيطرة دائمة للشركات الاجنبية الأمر الذي يستوجب مراجعة أوضاع هذه السوق بهدف اعادة التوازن اليها. واذا كانت الامارات بحكومتها الاتحادية، ثم بحكومات الامارات المحلية قد دأبت ومنذ تدفق الثروة النفطية ثم قيام الدولة الى توفير بنى وهياكل تحتية متطورة انفقت عليها مئات المليارات، ومع توسع هذه البنى وحرص الحكومة/الحكومات على تطويرها وصيانتها فان هذا الامر يعني المزيد من الانفاق الرأسمالي وهذا يشكل عبئاً مالياً كبيراً على موازنات الحكومة الاتحادية والمحلية. واذا كانت الامارات قد شهدت استقراراً امنياً وسياسياً واجتماعياً يشجع الاستثمار الاجنبي وتوسع الشركات الاجنبية في نشاطها فان تكلفة هذا الاستقرار كان كبيراً ويتطلب المزيد من الانفاق الجاري من اجل وجود قدرات بشرية، ثم انفاق لتوفير المعدات والآليات والمباني التي تحقق استمرار هذا الاستقرار وهذا بدوره يمثل عبئاً مالياً كبيراً لاسيما مع التوسع في المستقبل. واذا كان اقتصاد الامارات قد تميز عن العديد من اقتصادات العالم الثالث بسياساته الاقتصادية والتجارية المرنة سواء على صعيد الداخل حيث الملكية الفردية بما فيها الملكية الاجنبية أو الالتزام باقتصاد السوق الحر، فإن هذا يتطلب قوانين وتشريعات وضوابط كفلت الملكية والحريات الاقتصادية والتجارية وهذا بدوره يشكل تكلفة اقتصادية ومالية اخرى، اما على صعيد الخارج فان الامارات الملتزمة بسياسة اقتصادية تعتمد الباب المفتوح، فان هذا يعني عدم وجود عراقيل أو معوقات امام التحويلات والتدفقات المالية، ثم حرية استقدام العمالة الاجنبية الأمر الذي شكل خللاً واضحاً في التركيبة السكانية وفي ميزان القوى العاملة، ثم في تدفق مليارات الدولارات من سوق الامارات ساهمت فيها الشركات الاجنبية وبشكل واضح وهذا انعكس على الاوضاع الاقتصادية والتجارية، ثم السكانية والأمنية والاجتماعية بشكل سلبي كبير. واذا كانت البيئة الاستثمارية في الامارات قد شكلت بيئة خصبة للشركات الاجنبية قبل الوطنية حيث لا ضرائب تذكر كما هو في أسواق العالم، ولا رسوم جمركية عالية كما هو الحال في دول اخرى، واذا كان الاقتصاد الاماراتي يتسم بقوة الطلب لوجود قوة شرائية ونزعة استهلاكية فان الشركات الاجنبية قد استفادت من تلك البيئة ومن سمات الاقتصاد في تحقيق ارباح قياسية وساهمت في استمرار نزيف السيولة وتدفقها الى الخارج، ومن هنا تبدأ تساؤلاتنا، كيف استفادت الدولة مقابل كل هذه الاعباء وكل هذه التداعيات التي وجدتها الشركات الاجنبية، وماذا استفاد الاقتصاد الوطني نظير كل تلك التسهيلات والمزايا والوفورات التي أوجدها للشركات الاجنبية؟ هل قامت الوزارات المعنية أو الدوائر والجهات الاقتصادية بعمل مسح بقصد دراسة سلبيات هذه الشركات وايجابياتها على واقع الاقتصاد الوطني ومسيرته خلال السنوات الماضية، وهل حددت هذه الجهات قنوات وأطر عمل هذه الشركات والجدوى الاقتصادية من توسعها الحالي، ودراسة آفاق ومستقبل الاقتصاد الوطني ومسيرة التنمية في ظل التدفق العددي والنوعي الذي سوف تشهده سوق الامارات واقتصادها من الشركات العالمية وخاصة شركات العولمة الاقتصادية بعد تطبيق اتفاقية منظمة التجارة العالمية على الامارات التي أصبحت عضوا فيها منذ ابريل 1994، ثم بحكم الاتفاقيات الثنائية التي وقعتها الامارات مع العديد من الحكومات والدول الاجنبية خلال السنوات الماضية، ماذا عملت تلك المؤسسات والجهات في شأن دراسة تكلفة الاستثمار الاجنبي على الاقتصاد الوطني، ثم المجتمع الاماراتي؟ وهل حددت الحكومة اطاراً للتعامل المستقبلي مع الشركات الاجنبية سواء بالتوسع أو التضييق، سواء بالترحيب ام بالحد منها ثم الى أي مدى أضحت الامارات قادرة على اتخاذ مثل هذه التوجهات أي هل مازالت الامارات تملك خياراً في هذا الشأن في ظل هذه الاتفاقيات، أم ان التسليم بالأمر الواقع أصبح واقعاً لا محال، وهل بالتالي نترك للشركات الاجنبية الحرية كاملة في تحريك رؤوس اموالها حيثما شاءت، وعمالاتها كيفما شاءت، ونترك لها فرض المزيد من الهيمنة والسيطرة وربما العبث في سوقنا واقتصادنا من منطلق حرية الاقتصاد والتجارة، ثم سياسة الباب المفتوح التي نحن ملتزمون بها، ثم ماذا نستطيع القيام به امام تداعيات الألفية الثالثة التي سوف يحتدم فيها الصراع الشرس من اجل السيطرة والهيمنة على مصادر الموارد الطبيعية واسواقها العالمية ولكي نحدد دور الشركات الاجنبية في مستقبل اقتصاد الامارات فإنه يجدر بنا ان نشخص واقع وحاضر هذه الشركات ودورها في اقتصادنا الوطني. أولاً: واقع الشركات الاجنبية ودورها في الاقتصاد: لقد أكدت معطيات سوق الامارات والاقتصاد الوطني خلال العقود الثلاثة الماضية على ان دور الشركات الاجنبية لم يكن ايجابياً بالقدر المطلوب، بل كانت له آثار سلبية على مسيرة الاقتصاد الذي شهد انفتاحاً كبيراً امام الشركات والاستثمارات الاجنبية وكذلك العمالة الاجنبية، وحصدت هذه الشركات ايجابيات التسهيلات والمزايا والوفورات التي توافرت في السوق المحلية والاقتصاد الوطني فيما كان حصاد الاقتصاد والمجتمع الاماراتي الكثير من السلبيات. ان وجود القانون الاتحادي رقم (8) لسنة 1984 في شأن الشركات التجارية ولاسيما المادة (22) التي تحدد نسبة الملكية الاجنبية في رأس مال الشركة بألا تزيد عن 49% مقابل نسبة الملكية الوطنية التي يجب ألا تقل عن 51%، ثم البيئة الاقتصادية والاستثمارية التي تتسم بالمرونة والتسهيلات والمزايا قد شجع العديد من الشركات الاجنبية للتواجد في السوق المحلية لعل أكبر هذه الشركات هي التي تعمل في قطاعين مهمين هما قطاع التأمين حيث يبلغ عدد الشركات الاجنبية فيه 27 شركة مقابل 21 شركة وطنية، ثم قطاع المصارف حيث يعمل في هذا القطاع 26 مصرفاً اجنبياً مقابل 20 مصرفاً وطنياً، وفيما شجع قانون الشركات توسع هذه الشركات وتجاوز نسبة الملكية الاجنبية فيها لتصل في بعض الاحيان هذه النسبة الى 100% بموجب اتفاق بين الشريك المواطن الذي يقبل بمكافأة سنوية في نهاية العام نظير ملكية أجنبية كاملة للأجانب والسلطة الكاملة في القرار الاداري والفني فان الشركات وخلال العقود الثلاثة الماضية قد شهدت توسعاً كبيراً. لقد تركز نشاط الشركات الاجنبية في قطاع الخدمات حيث استأثر بنصيب الأسد اذ بلغ العدد العامل فيه نحو 329 شركة وبنسبة 28.3% وتشمل على خدمات التأمين والمصارف وشركات الشحن واعادة التوزيع، والخدمات الاستشارية بأنواعها، فيما جاء قطاع المقاولات في المرتبة الثانية بعدد يبلغ 277 شركة وبنسبة 23.9% تعمل في قطاعات اخرى كقطاع التشييد والبناء والجسور والموانيء والشوارع وصيانة المرافق العامة، أما القطاع التجاري فقد بلغ عدد الشركات الاجنبية فيه نحو 219 شركة وما نسبته 18.9% ويتركز نشاطها على تجارة التجزئة والمواد الغذائية والاستهلاكية والالكترونيات والذهب ومواد البناء.