الاحد 11 شوال 1423 هـ الموافق 15 ديسمبر 2002 تجد شركات النفط الوطنية العربية نفسها في وضع لا يحسد عليه، فمن الواضح ان هناك عبئا ثقيلا يقع عليها لتوفير الايرادات المالية لبلادها، هذا يعني ان عليها العمل بجدارة لاتقان عملها الفني والتجاري والمنافسة مع الشركات النفطية العملاقة. كما يتوجب على هذه الشركات ان تحقق النتائج الطموحة المرجوة منها في ظل الجو السياسي العام الذي تعمل من خلاله، وهذا يتمثل عادة بالاوضاع السياسية السائدة في بلادها، وهنا تواجه هذه الشركات عراقيل جمة. من الواضح ان الاوضاع السياسية العربية قد شهدت تجارب مريرة وصعبة في السنوات الاخيرة تخللتها الحروب والصراعات المسلحة والسياسية الحادة والخلافات العميقة والمتواصلة مع الاشقاء ودول الجوار، ناهيك عن الحصار والمقاطعة المفروض على بعضها من قبل الولايات المتحدة والسوق الأوروبية والامم المتحدة. كما ان غياب الديمقراطية والشفافية في إدارة الحكم والمشاكل المتعلقة بتدوير الحكم والاعلان عن الموازنات العامة، ناهيك عن تدخل الحكومة المركزية في كل صغيرة وكبيرة في الاقتصاد الوطني قد وضع قيودا عديدة امام امكانية الشركات النفطية الوطنية في التحرك بمرونة في الاسواق المحلية والاقليمية والدولية وإدارة اعمالها بطريقة تجارية كما هو مطلوب منها. ومما زاد الامور تعقيدا في الاونة الاخيرة التدخل المتزايد من بعض المسئولين المتنفذين في مصالح الشركات الوطنية لمنفعتهم الخاصة. لقد آن الآوان ان تبدأ الدول المنتجة في اعادة النظر في علاقاتها مع شركاتها النفطية الوطنية وتقرر مدى الصلاحيات التي ستوفرها لها على ضوء المعطيات الجديدة، وبالذات لجانب اشراك القطاع الخاص، وبالذات المحلي، في بعض العمليات غير الاستراتيجية، بالاضافة الى المشاركة والتعاون مع الشركات الدولية ذات الاختصاص في التقنية والادارة وامكانية توفير الاموال الكبيرة للمشاريع العملاقة. كما يتوجب على الدول ان تدرس دور الشركات النفطية بالضبط من حيث تحديد دورها في المنافسة مع الشركات الاجنبية والرقابة وتوفير الميزانيات المستقلة لها. الشركات الدولية وبما ان هناك محاولات واسعة وجادة من قبل معظم دول المنطقة لفتح المجال امام الشركات النفطية الدولية في العمل مرة اخرى في الدول المنتجة، وبما ان معظم الدول قد انضمت أو في طريقها الى الانضمام لمنظمة التجارة العالمية، يتوجب الان أكثر من أي وقت اخر للدول المنتجة تحديد العلاقات الدقيقة ما بين الشركات الوطنية والاجنبية، وبالذات لان لدى الشركات الاجنبية امكانيات تقنية وإدارية وتسويقية ومالية ضخمة غير متوفرة للشركات الوطنية. ومما يزيد من تعقيد الامور في هذا المجال هو التدخل العلني أو المستور من قبل بعض المتنفذين في البلاد المنتجة لصالح الشركات الاجنبية وعلى حساب الشركات النفطية الوطنية، فمن الواضح ان التقنية المتوفرة لدى الشركات الاجنبية تفوق بعدة اضعاف مستوى المعلومات الفنية المتوفرة لدى الشركات الوطنية، الا ان هذا الامر لا يمنع من توفير فرص العمل والمنافسة للشركات الوطنية، وبطرق مختلفة، مثل المشاريع المشتركة أو عقود الخدمات الفنية أو تقاسم الانتاج.. الخ، الا ان أسوأ ما يمكن ان يضر بمصالح البلاد المنتجة والشركات الوطنية هو التدخل السافر من قبل بعض المتنفذين لصالح الشركات الاجنبية وذلك لاجل كسب العمولة المتأتية من هذا التدخل أو الواسطة (أي دون تقديم خدمة ذات منفعة اقتصادية) ودون الاخذ بنظر الاعتبار المصالح الوطنية الطويلة الامد للدولة المعنية. الافاق الاقليمية مع الأسف الشديد، فان التعاون الاقليمي في المجال النفطي خلال ربع القرن الماضي قد بقي في الحدود الضيقة من خلال مشاريع الأوابك أو من خلال التعاون للدفاع عن الاسعار من خلال منظمة الاوبك، وبمجرد القاء نظرة سريعة للحوادث التاريخية خلال العقود الماضية نجد ان منظومة الانابيب النفطية التي تم تشييدها ما بين هذه الدولة أو تلك قد توقفت بين فترة واخرى لأسباب سياسية محضة مما نفر المسئولين من صرف الاموال الباهظة على مشاريع جديدة. الا ان الصورة بدأت تتغير مؤخرا مع حاجة العديد من دول المنطقة الى الغاز الطبيعي لتوليد الكهرباء. وهذه الحاجة الجديدة، وهذه المشاريع العملاقة تبعث الى التفاؤل في قيام صناعة اقليمية جديدة في المنطقة العربية والتي ستساعد في توسيع الرقعة الصناعية في العديد من الدول نظرا للفرص التي يوفرها الغاز في هذا المجال. وبما ان الغاز المصاحب لانتاج النفط قد تم تلزيمه للمشاريع الصناعية القائمة حاليا، فقد بدأ الاستثمار في الاستكشاف والتنقيب عن الغاز الحر. وتكاليف هذا النوع من الغاز تضاهي تلك النفقات التي تصرف على النفط. من ثم فان المشاريع التي بدأت التخطيط لها والعمل بها في عدد من الدول العربية مؤخرا لتشييد انابيب الغاز وتوقيع اتفاقيات على مدى 20 الى 25 سنة تدعو الى التفاؤل، والسبب الرئيسي في هذا التفاؤل هو ان الدول التي ستستورد الغاز سيكون لها منفعة متساوية مع الدول المصدرة في عدم توقف الامدادات، اما لحاجتها الى الغاز في توليد الكهرباء للاستهلاك المحلي، على عكس انابيب النفط التصديرية التي حصلت منها رسوم الترانزيت فقط، أو لانها ملزمة قانونيا بدفع مبالغ عالية في حال رفضها استلام كميات الغاز المتفق عليها. الخلاصة ان التحديات والصعوبات المستقبلية تفوق بكثير ما واجهته صناعة النفط العربي في العقود الماضية، وهذه كانت ضخمة ولا يستهان بها في اي حال من الاحوال. الا ان القادم أصعب والسبب في ذلك ان هناك محاولات علنية وعملية قائمة يوميا من اجل الاستغناء بقدر الامكان عن النفط العربي واحلال نفوط اخرى ومصادر طاقة مختلفة محله. طبعا ليس من السهل، بل الادق ليس من الممكن، الاستغناء عن النفط العربي في الصناعة العالمية، على الاقل في المستقبل المنظور. لكن من الممكن، وقد حصل هذا بالفعل في ايجاد النفوط والطاقات البديلة من خلال تخفيض كلف الانتاج ومن ثم الاسعار. وقد ادى هذا الى وضع النفط العربي في موقف تنافسي دقيق. ان الطريقة المثلى للتعامل مع هذا الموضوع هي في حسن ادارة وترشيد الاقتصاد الوطني وفتح المجال امام نمو الاقتصاد الاقليمي. فستبقى الصناعة النفطية العربية مقيدة اليدين ورهينة للضغوط الدولية ما دام الاقتصاد العربي احادي الجانب ومعتمداً كليا وبشكل مطلق على الايرادات النفطية دون اي بديل اقتصادي اخر يذكر. وبما ان الاسواق المستقبلية الجديدة للنفوط العربية هي في القارة الاسيوية، وبالذات في الدول ذات الاعداد الهائلة من السكان، مثل الصين والهند وباكستان واندونيسيا، فمن الواجب اعطاء اهتمام اكبر في المجالات الدبلوماسية والاقتصادية لهذه الدول وتنمية كافة الجوانب التجارية معها لحثها على الاعتماد اكثر فأكثر في اسواقها الجديدة على النفوط العربية وعدم ترك المجال مفتوحا امام المقترحات والسياسات الجديدة التي بدأت تنتشر مؤخرا والتي تحاول ان تبث الخوف عند المسئولين في هذه الدول حول عدم امان امدادات النفط العربي وضرورة تنويع المصادر بقدر الامكان. واخيرا، فإنه من الملفت للنظر انه حتى بعد نصف قرن من الانتاج والتصدير النفطي، لا تزال الدول العربية معتمدة اعتمادا كليا على التقنية الغربية في توفير المعدات والادوات الاحتياطية لمعظم متطلبات الصناعة النفطية بالاضافة الى ذلك، لا تزال الاقطار العربية المنتجة للنفط بعيدة كل البعد، بل لا وجود لها، في مجال الابحاث والتطوير في قطاع النفط، مما يعني اعتمادها كليا على توفره لها الشركات الدولية من معدات وتقنيات جديدة. وقد ازدادت خطورة هذا الوضع مع ازدياد الابحاث في الطاقات البديلة وفي توفير خلايا الوقود لاستبدالها بالبطاريات المستعملة في السيارات ذات الاحتراق الداخلي. هذا الابتعاد عن مجال الابحاث والتطوير يعني بكل بساطة ان الدول المنتجة لا تعرف بالضبط وبدقة اخر التطورات في هذا المجال الطاقوي الحيوي، وانها تعتمد على الشركات المنافسة لها في اعلامها عن مدى تطور هذه الصناعة التي ان نجحت تجاريا فستكون بمثابة الضربة القاضية للصناعة النفطية في المدى البعيد لانها ستنافس البنزين والديزل في تحريك مكائن السيارات والتي هي المعقل الاخير الاساسي للطلب على النفط. ان المصلحة الامنية والاقتصادية للاقطار العربية المنتجة للنفط هي في ادامة عمر النفط وتوسيع مجال استخدامه في الحياة العصرية. ومن اجل النجاح في هذا المجال، فمن الواجب العمل البحثي والعلمي، والاستثمار المباشر في هذه المجالات، من اجل تحسين نوعية النفوط المتوفرة لكي تصبح اكثر ملاءمة للقوانين البيئية المتزايدة في جميع انحاء العالم. فبدون اخذ المبادرة في هذا المجال، ومع الضغوطات السياسية المتعددة والمتزايدة على الاقطار العربية، سيصبح من الصعب جدا على النفوط العربية التنافس ندا للند مع النفوط الجديدة او مع البدائل العديدة التي يتم التداول فيها اليوم والتي يتم تحضيرها للأسواق في المستقبل المنظور.