الاحد 11 شوال 1423 هـ الموافق 15 ديسمبر 2002 اذا كنا قد تناولنا صور الغزو الاقتصادي الحديث الذي تشنه القوى الاجنبية العظمى ضد دول وشعوب المنطقة العربية والاسلامية وتناولنا فيما سبق حالة افغانستان ومصر والسعودية خلال الاشهر الماضية فان الصورة الاخرى لهذا الغزو تتجسد في العراق الذي يمتلك من الثروات الطبيعية والامكانيات الفنية والمادية والقدرات البشرية المتميزة حتى أصبح العراق من اغنى الدول في منطقة الشرق الأوسط، وقد مارست الولايات المتحدة ضد العراق غزوا عسكرياً واقتصاديا وثقافياً واجتماعيا منذ سبتمبر 1991 بعد غزو القوات العراقية للكويت وتحرير الكويت، ولم يكن هدف الولايات المتحدة هو الاطاحة بالنظام وانما الهدف هو كسر الارادة العربية وتدمير القوة الاقتصادية العربية، بالرغم من اعتماد الولايات المتحدة على نفط العراق بنسبة تصل الى 60% من وارداتها النفطية ويتم ذلك من خلال شركات أوروبية. ان الولايات المتحدة تدرك جيداً انها سوف تحقق مكاسب عديدة من ضرب العراق سواء على المدى القصير أو الطويل، وهذا ما أكده كبير الاقتصاديين في البيت الابيض (لورانس ليند) الذي قال «رغم ان الكلفة للحرب ستكون ما بين واحد واثنين في المئة من اجمالي الناتج القومي للولايات المتحدة أي ما بين مئة ومئتي مليار دولار إلا ان هذه الكلفة لن تؤثر على الاقتصاد الأميركي بل ستؤدي الى تحفيزه»، واذا كان ذلك على المدى القصير فان المدى الطويل سوف يصبح العراق سوقاً استهلاكية للسلع والبضائع الأميركية ومصدراً اساسياً للنفط الخام للولايات المتحدة وسوف تحول أوضاعه الاقتصادية المترتبة على الغزو قيامه بمشاريع التنمية والتصنيع وسوف ينعكس ذلك على مختلف الاوضاع الاقتصادية العربية وهذا ما تعمل الولايات المتحدة والقوى الاجنبية التي تقود الغزو الحديث ضد أمتنا العربية والاسلامية على تكريسه وتحقيقه، لتصبح منطقتنا العربية مصدرة دوماً لرأس المال العربي والعقول العربية والخامات العربية الأولية. أين الخطأ؟ يجب ان يدرك العرب انهم يملكون مقومات وعناصر القوة الاقتصادية والسياسية التي تمكنهم من تحصين انفسهم ووطنهم والذود عن مكتسباتهم ولكن ثمة اخطاء قد وقع فيها العرب خلال مسيرتهم في تعاونهم الاقتصادي والتجاري سواء مع دول القوى الاجنبية أو فيما بينهم وسواء في سياساتهم التنموية الداخلية أو استثماراتهم الخارجية فقد اخطأ العرب حينما راهنوا على دول القوى الاجنبية في تحقيق الاستقرار والتنمية في دولهم بعد انتهاء الحرب الباردة، ثم أخطأ العرب ايضاً حينما مدوا جسور التعاون الاقتصادية والتجاري مع المعسكر الغربي وتناسوا امكانية التعاون الاقتصادي مع دول المعسكر الشرقي أو مع مجموعة الدول الآسيوية، كما أخطأ العرب حينما وضعوا بيضهم في سلة واحدة هي السلة العربية ولاسيما الأميركية حتى أصبحت استثماراتهم ورؤوس اموالهم وودائعهم مرهونة بمدى رضا تلك الدول عن العرب وإلا فان التجميد وربما المصادرة هو قرار تلك الدول. وهكذا اصبحت اموال العرب واستثماراهم في سلة الغرب وتخدم اقتصاديات الغرب فيما الاقتصاديات العربية تعاني من المديونية واعبائها الثقيلة، كما أخطأ العرب حينما راهنوا على ان السلاح هو الضمان الأكيد لاستقرارهم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي فوضعت كل اموالهم وانفاقهم في شراء السلاح والتسليح فيما الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية المعيشية تعاني من مشاكل جمة وتخلف وتفاقم وترد، كما أخطأ العرب ومازالوا حينما رفضوا كل مشاريع الوحدة الاقتصادية والتعاون التجاري وفتح الاسواق العربية، بل أصبح العرب يعانون كثيراً من تبعيات التجزئة الاقتصادية والتباين في الاهداف والتنافر في القرارات، والتضارب في التوجهات والسياسات الاقتصادية فكان حصاد السنوات الماضية المزيد من التخلف الاقتصادي والتنموي. المعالجة حتى يتم تجاوز كل تلك المشاكل ومعالجة كل تلك التحديات، يجب على العرب أولاً ان يقتنعوا بأن هناك اخطاء جسيمة قد ارتكبوها وهناك نتائج سلبية قد ترتبت على تلك الاخطاء يجب ان يتحملوها من منطلق المسئولية القومية، ثم الالتزام بالخطوات التالية: أولا: يجب على الدول العربية ان تعيد توازنها الداخلي قبل الخارجي باعتبار ان مصدر القوة هو الداخل وهذا يتم من خلال ترتيب الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية بإحداث مشاريع التنمية الاقتصادية وترجمة قرارات مجلس الوحدة الاقتصادية، وتوظيف الثروات الوطنية لخدمة الداخل وتنميته، مع العمل الجاد على استئصال الاورام السرطانية من داخل مجتمع الدولة كالبطالة والفقر والفساد الاداري والمالي والاخلاقي، ثم ارساء دعائم الديمقراطية وحقوق الفرد في المجتمع والاقرار بالحقوق الدستورية كحق التعليم المجاني وتوفير الخدمات الطبية والاجتماعية بمستوى جيد، ثم الحقوق الاقتصادية وعلى رأسها حق العمل، ثم تهيئة البيئة الاقتصادية والاستثمارية بالتشريعات والقوانين التجارية والاقتصادية، ثم تطوير البنى التحتية والهياكل الاساسية في المجتمع الاقتصادي العربي. ثانياً: على الدول العربية ان تعيد النظر في سياستها الانفاقية بتقليص الانفاق على التسليح الذي استنزف ومازال يستنزف ثروات البلاد ويفاقم من مشاكل العجز ويرفع من اعباء المديونية الخارجية، ثم تقليص الانفاق الاستهلاكي الحكومي والخاص والعمل على تعزيز الاقتصاد الوطني من خلال احداث مشاريع التنمية الاقتصادية ووضع استراتيجيات التنمية والتخطيط البشري والتركيز على خلق قاعدة انتاجية تحقق الاكتفاء الذاتي. ثالثاً: على الدول العربية ذات الموارد الطبيعية الكبيرة والفرص الاستثمارية الواعدة ان تفتح ابوابها امام الاستثمارات العربية شريطة وجود بيئة استثمارية مشجعة ومحفزة لرأس المال العربي كي تستقطب تلك الاموال للاستثمار فيها لتحقيق الفائدة المشتركة مع الدول العربية ذات الفائض المالي ومحدودية الفرص والتي تتمنى ان توجه استثماراتها تجاه الاسواق العربية بدلاً من الاسواق الاجنبية بهدف حماية تلك الاستثمارات ورؤوس الاموال سواء الحكومية أو الخاصة، ثم لتعضيد الاقتصاد العربي واحداث تنمية اقتصادية عربية تحقق الاستقرار الامني والاجتماعي والسياسي. رابعاً: يجب على الدول العربية ان تعمل على تفعيل دور المؤسسات الاقتصادية العربية المشتركة كمجلس الوحدة العربية، والمجلس الاقتصادي العربي، وصندوق النقد العربي ومشروع التجارة البينية بين الدول العربية، وكذلك احداث مشاريع عربية اقتصادية مشتركة جديدة تصب في خدمة الاقتصاد العربي وتعزيز قوة العرب في مواجهة الغزو الحديث. ان التكامل الاقتصادي العربي وتحقيق أهداف الوحدة الاقتصادية العربية هو السبيل نحو تعزيز القدرة العربية وترميم المجتمع العربي وتحقيق الاستقرار الامني والسياسي والاقتصادي للانسان والمجتمع وهذا لا يأتي إلا من خلال ارادة سياسية وشعبية مشتركة، وايمان مطلق بأن هذا التكامل أو هذه الوحدة هي الطريق المؤدية الى تحقيق أهداف الأمة في مواجهة المتغيرات الاقتصادية الحديثة والغزو الاقتصادي الحديث وتمكن هذه الامة من تحقيق حضورها في الساحة العالمية في الألفية الثالثة وإلا فان الخسائر التي سوف يحصدها العرب سوف تكون جسيمة والتحديات سوف تكون خطيرة ومخيفة وحينها لن ينفع الندم ولن يكون لنا حضور في هذا العالم.