الاحد 4 شوال 1423 هـ الموافق 8 ديسمبر 2002 انخفضت حصة النفط من مجمل سوق الطاقة العالمي بعد حرب 1973 وذلك نتيجة للسياسات الهادفة التي تبنتها الدول الصناعية الغربية لتقليص اعتمادها على النفط عموما والنفط بشكل خاص. وقد تم تنفيذ هذه السياسة من خلال ايجاد مصادر نفطية جديدة وترشيد الاستهلاك والاعتماد الاوسع على مصادر طاقوية اخرى مثل الغاز الطبيعي والفحم الحجري والطاقة النووية والشميسة والرياح، بالاضافة الى السياسات المعتمدة في السنوات الاخيرة في الكثير من دول العالم للحفاظ على البيئة. وبالفعل، وبعد ان كان يشكل النفط حوالي 50% من مجمل سوق الطاقة العالمي في السبعينيات، انخفضت هذه النسبة الى 45% في الثمانينيات وحوالي 40% في التسعينيات. كما يبلغ انتاج الاوبك حاليا حوالي 25 مليون برميل يوميا مقارنة بمجمل الانتاج العالمي البالغ 76 مليون برميل يوميا. هذا ومن المتوقع ان يحافظ النفط على مساهمته في سلة الطاقة عند معدل 40% خلال العقدين المقبلين وذلك نتيجة للزيادة المتوقعة في استهلاك وقود المواصلات من بنزين وديزل ووقود الطائرات في الدول النامية، وبالذات الصين والهند، حيث يتوقع ارتفاع مستوى المعيشة الى مستويات اعلى بكثير عن مستواها الحالي وحيث الاعداد الكبيرة من السكان. ومما سيساعد على ازدياد الاستهلاك هذا عدم توفر عوامل المنافسة الطاقوية في قطاع المواصلات بشكل واسع خلال العشرين سنة المقبلة، على عكس قطاع الكهرباء حيث حل الغاز الطبيعي والفحم والطاقة النووية محل الفيول اويل بصورة تدريجية خلال العقدين الماضيين. هذا ومن الجدير بالذكر ان حصة كل من الطاقة النووية والطاقة الكهرومائية من مجمل الاستهلاك العالمي قد استقر على معدل 6% لكل منهما في الاعوام الاخيرة. وتتوقع احدث دراسة اصدرتها منظمة الاوبك حول اوضاع السوق النفطية في عام 2020 ان يشكل الطلب الجديد على النفط من دول العالم الثالث والصين حوالي ثلثي مجموع الاستهلاك الاضافي في العشرين سنة المقبلة بينما يشكل الطلب الجديد من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حوالي الثلث. ومن هنا تنبع اهمية تكثيف العلاقات مع الدول الاسيوية لانها قد شكلت وستستمر تشكل السوق الاساسي للنفط الجديد في المرحلة الحالية. فمن المعروف ان استهلاك النفط الدول الاوروبية قد استقر على مستويات ثابتة تقريبا في الاعوام الاخيرة، اذ تراوح هذا الاستهلاك ما بين 15 مليون برميل في عام 1991 مقارنة بحوالي 16 مليون برميل يوميا. في عام 2001، اي بزيادة مليون برميل يوميا فقط خلال العقد الماضي. والسبب في ذلك هو الضرائب العالية التي فرضتها هذه الدول على المنتجات البترولية والتي تصل حوالي 100 دولار تقريبا للبرميل الواحد في بعض الاحيان مما خفض كثيرا من استهلاك النفط. لكن لم يقف الامر عند هذا الحد. فقد صاحب هذا سياسة هادفة لاحلال بدائل طاقوية اخرى مثل الغاز الطبيعي او الفحم الحجري في مختلف اوجه الصناعة والحياة الحديثة. وتم دعم هذه البدائل بسياسات ضريبية مشجعة او قوانين واجراءات مساندة ومتحيزة وذلك لتشجيع المستهلكين على استعمال البدائل الطاقوية الاخرى بدلا عن النفط. هذا يعني ان هناك سوقين مهمين امام النفوط الجديدة. فهناك من ناحية السوق الاميركي الذي يشكل اليوم حوالي 25% من سوق الاستهلاك العالمي للنفط الخام والسوق الاسيوي. اما بالنسبة للسوق الاميركي، والذي زاد استهلاكه من حوالي 16.713 مليون برمل يوميا في عام 1991 الى حوالي 19.633 مليون برميل يوميا في عام 2001 (تقريبا زيادة 3.00 ملايين برميل يوميا خلال التسعينيات)، فنظرا لاهميته الاستراتيجية وموقعه الجغرافي فإن السوق الاميركي يستطيع استقطاب نفوطا عديدة من مناطق مجاورة مثل كندا والمكسيك وفنزويلا وكولومبيا، وأخرى عبر المحيط الاطلسي مثل نفوط نيجيريا والنرويج وانغولا، واخرى من مناطق ابعد مثل النفط السعودي والعراقي ومؤخرا النفط الروسي. ومما يساعد على الاستهلاك المتزايد للنفط في الولايات المتحدة السعر المنخفض للمنتجات البترولية، وبالذات البنزين، نظرا لانخفاض الضرائب على المنتجات البترولية، وللاعتماد المتزايد على استعمال السيارات وبالذات الانواع الجديدة والكبيرة الحجم التي تستعمل كميات اكبر من الوقود. وبما ان الاحتياطيات الهيدروكربونية من نفط خام وغاز طبيعي في تناقص في الولايات المتحدة لذا الاعتماد المتزايد على استيراد هذه المواد الخام من الخارج. وبالفعل نجد ان الولايات المتحدة تستهلك في عام 2002 حوالي 20 مليون برميل يوميا تنتج منها حوالي 10 ملايين برميل يوميا بينما تستورد النصف الاخر من الخارج. ويشكل النفط العربي تقريبا 25% من نسبة النفط المستورد (حوالي 1.50 مليون برميل يوميا من المملكة العربية السعودية والبقية من العراق والكويت). هذا وتشير احصاءات وزارة الطاقة الاميركية الى ان استهلاك النفط في الولايات المتحدة سيرتفع بحدود 33% خلال العشرين سنة المقبلة، او ما مقداره ستة ملايين برميل اضافية في اليوم مما يعني ان اميركا ستحتاج الى استيراد حوالي 62% من حاجتها النفطية في عام 2020. كما بدأت التحضيرات اللوجستية والتجارية لاستيراد كميات جديدة من الغاز الطبيعي من دول اجنبية بعد ان ارتفع استهلاك الغاز في توليد الكهرباء والاستعمال المنزلي دون العثور على احتياطيات جديدة لملاقاة الاستهلاك الجديد. ومما يعقد الامور في الولايات المتحدة المجموعة الكبيرة من القوانين الفدرالية والمحلية التي تحد من انتاج النفط او تكريره والتي يعزى معظمها لأسباب بيئية. اما بالنسبة للاستهلاك الاسيوي من النفط حيث ارتفع استعمال المنتجات البترولية من 14.379 مليون برميل يوميا في عام 1991 ليصل الى 20.916 مليون برميل يوميا في عام 2001، اي بزيادة مقدارها 6.50 ملايين برميل يوميا تقريبا خلال العقد الماضي، فإن الدول الاسيوية (من ضمنها اليابان واستراليا) تشكل في الوقت الحاضر حوالي 27.7% من مجمل الاستهلاك العالمي من النفط الخام. لقد ساعدت النهضة الاقتصادية الاسيوية في الثمانينيات وأوائل التسعينيات في فتح اسواق جديدة مهمة للنفوط العربية، ورغم الركود الاقتصادي الذي عم المنطقة بعد منتصف عام 1997 الا ان مستويات الاستهلاك والاستيراد لا تزال عالية بفضل النمو الاقتصادي الداخلي وللاستعمال المتزايد للمشتقات البترولية في الصين (ارتفع معدل الاستهلاك من 2.500 برميل يوميا في عام 1991 الى 5.200 ملايين برميل يوميا في عام 2001) والهند (ارتفع معدل الاستهلاك من 1.200 مليون برميل يوميا في عام 1999 الى حوالي 2.000 مليون برميل يوميا في عام 2001). وتكمن اهمية الاسواق الاسيوية في تقلص الطاقة الانتاجية الهيدروكربونية لهذه الدول من جهة والموقع الاستراتيجي للنفوط العربية في تزويد هذه الدول باحتياجاتها اللازمة من جهة اخرى نظرا لقربها الجغرافي من القارة الاسيوية ولبعد مواقع النفوط الاخرى في نفس الوقت. الا ان الامور ليست ساكنة وقد بدأت تتغير بالفعل. فقد اشتدت حدة المنافسة على هذه الاسواق المهمة في الاونة الاخيرة نتيجة لقرارات استراتيجية من قبل بعض الدول والشركات المحلية في تنويع مصادر الطاقة وأنواعها، وكذلك لانخفاض كلف المواصلات والنقل وبالذات للغاز الطبيعي المسال. بقلم: د. وليد خدوري