الاحد 4 شوال 1423 هـ الموافق 8 ديسمبر 2002 يعتمد نجاح أي مجتمع في تحقيق معدلات عالية في التنمية على عدد من المصادر يكون أهمها ممثلا بما يلي: ـ موارد المجتمع الطبيعية وهي موارد تتميز بها المجتمعات كهبة من الطبيعة. ـ الموارد البشرية ومدى ما تتمتع به هذه الموارد من كفاءة انتاجية وتنظيم. ومن المعلوم فان معظم الدول النامية ليست غنية بثرواتها الطبيعية مما يجعلها مقيدة بهذا المصدر المهم في مراحل نموها مما يجعلها تعتمد على ثروتها من الموارد البشرية مما يحفز هذه الدول على العمل نحو تدريب هذه الموارد البشرية وترشيد استخدامها لكي تعمل على تحقيق الزيادات المطلوبة في الانتاج وتطوير وتنمية المجتمع ورفع مستوى الاداء على أساس سليم من التدريب يعمل على تحقيق أهداف هذه الدول في التنمية. ضرورة النموذج الخاص وفي نفس الوقت يكون لزاما على الدول النامية في هذا الوقت الذي يتسم بثورة في عالم التكنولوجيا والمعلومات، ان تعمل على بناء نموذج خاص بها دون السعي الى محاكاة الدول المتقدمة في تطبيق ما مرت عليه تلك الدول من مراحل اجتماعية واقتصادية، بل عليها ان تضع في الاعتبار الاختلاف في مستويات الافراد وقدراتهم وسلوكهم واتجاهاتهم وتفاوت المستويات التكنولوجية منطلقة من احتياجاتها الفعلية ضمن سياسة واضحة ومحددة الأهداف والوسائل حتى لا يكون التدريب والتأهيل عبئا على هذه الدول يضاف الى اعبائها الاقتصادية والاجتماعية الاخرى. الاحتياجات التدريبية على هذا الأساس فان أول خطوة في وضع سياسة للتدريب تكون في تحديد واضح للاحتياجات التدريبية حيث ان ذلك يتطلب تحديدا لمفهوم الاحتياجات التدريبية الذي يتعدد ويتنوع وفقا لمفهومنا للتدريب اضافة الى انه يجب ان نأخذ في الاعتبار في تحديدنا للاحتياجات التدريبية المباديء الاساسية التالية: ـ ان تحديد الاحتياجات التدريبية يعتبر اساسا لعملية التدريب والنجاح في تحديدها يساعد على توجيه التدريب في الاتجاه السليم نوعا وكما. ـ ان تحديد الاحتياجات التدريبية عملية مستمرة ومتطورة تتغير تبعا لتغير الظروف الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع وطبقا لخطة التنمية. ومن المعروف فان التدريب كعملية تربوية مفهوما ونظاما ينبع من فلسفة وايديولوجية المجتمع وينمو ويتطور معه جنبا الى جنب. فكلما تطور المجتمع اقتصاديا واجتماعيا ظهرت مفاهيم ونظم حديثة للتدريب تتلاءم مع احتياجات المجتمع ودرجة تطوره. فالتدريب بمفهومه الحديث لم يعد مجرد وسيلة لتلبية الاحتياجات من القوى العاملة فقط وانما اصبح ضمن الحاجات الاساسية للفرد حيث بدونه لا يمتلك القدرة على التفاعل مع محيطه الحضاري. ومن هنا أصبح التدريب يشكل احدى ركائز البناء المعقدة للحضارة الحديثة ودعامة للمجتمع، كما يتصل عضويا بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية. ولهذا لم يعد التدريب يمثل فترة منتهية في حياة الفرد المهنية بل أصبح التدريب مطلبا مستمرا طبقا لحاجات البشر في عالم اليوم والتي يقتضي ان يمر الفرد في أكثر من مرحلة تدريبية طوال حياته المهنية تقدما على سلم المهارة والانتاجية وتلبية لمتطلبات التقدم العلمي والتكنولوجي. أكثر من منظور والتدريب بالمفهوم الاساسي هو العملية التي تهدف الى تطوير قدرات الفرد وتزويده بالمعلومات وإكسابه المهارات الى حد معين بحيث تؤهله لمزاولة عمل معين. ومع التسليم بهذا المفهوم الاساسي فيمكن ان يتم تناوله ضمن أكثر من منظور اقتصادي ومنظور اجتماعي. فمن وجهة المنظور الاقتصادي ينظر الى التدريب على انه نوع من انواع الاستثمار إن لم يكن اكثرها عطاء وفائدة ويعتبر الفاقد في العناصر المدربة ما هو إلا فاقد في العنصر البشري الماهر وهو أشد خطورة من الفاقد في العناصر المادية الاخرى، علاوة على ان التدريب يعد ركناً اساسيا في الاقتصاد القومي وذلك من خلال وظيفته في ايجاد التوازن بين العرض والطلب على العمالة المدربة الماهرة. ومن منظور اجتماعي أصبح للتدريب ارتباطاته بالاتجاهات المعاصرة للثقافة والعلوم وتجاوزه لأبعاده الاقتصادية والمهنية الى أبعاد ثقافية واجتماعية خاصة مع التطور العلمي والتكنولوجي وتغير محتوى العمل الذي أدى الى تغير أهداف التدريب من مجرد تلقين للمعارف وتعليم للمهارات الى تربية المتدرب على الأسلوب الصحيح في التفكير والابتكار والتجديد والفهم الجيد للعمل والمقدرة على ادائه بكفاية عالية مع استيعاب التطورات الحديثة فيه. ونتيجة لذلك نادت المدارس التربوية الحديثة بالتربية الشاملة والقضاء على الازدواجية في التعليم الاكاديمي والمهني وجعلت من أهم أهدافها إعداد الفرد للحياة والعمل حتى يستطيع ان يتفاعل مع المجتمع بصورة ايجابية وبناءة. ظروف متغيرة ومع تطور العلوم والتكنولوجيا وتغير ظروف وصفات العمل وتغير دور العامل تبعا لذلك حيث أصبح الابداع والابتكار هما الصفة الغالبة في العمل وأصبح العالم اليوم مطالب بتأدية الكثير من الواجبات التكنولوجية المعقدة والدقيقة والذي يتطلب ان يكون في مستوى معين من التحصيل الدراسي والعلمي حيث يحتاج العالم الى مستوى أعلى من التعليم كلما ازدادت اساليب وأدوات الانتاج دقة وتعقيدا. من هنا استهدفت التربية الحديثة ضرورة التكامل بين التعليم والتدريب. ففي حين يشكل التعليم الاساسي الضروري لبناء الانسان ونمو شخصيته، نجد بأن التدريب المهني يتناول الجوانب الاخرى والتي تدفع الى تقديم الانسان في مجال عمله وتطوير قدراته ومهاراته. وبعبارة اخرى فان التربية الحديثة تنظر الى التدريب كنوع من أنواع التعليم الذي لا يركز على حفظ المعلومات بل التعلم الذي يستهدف تغيير السلوك مما جعل التدريب المهني والتعليم بمثابة وجهين لعملة واحدة. أهداف عديدة ولعملية التدريب أهداف متعددة منها الخاصة المتمثلة بما يحدده القائمون على التدريب عند تنظيمه لتدريب فئة معينة من الافراد على عمل معين ومستوى محدد. والاهداف العامة والتي تشترك فيها غالبية انواع التدريب مهما تعددت وهي: ـ العمل على رفع انتاجية الافراد. ـ مواكبة التطورات العلمية والتكنولوجية. ـ رفع الروح المعنوية للأفراد من خلال إحساسهم بالنجاح في العمل. ـ ظهور قدرات ومهارات جديدة لدى العاملين. ـ تغيير الانماط السلوكية السلبية لدى العاملين والعمل على تغيير نظرتهم نحو العمل. ـ الحد من اصابات العمل. ومن الطبيعي فإن هناك عدداً آخر من الأهداف المتعلقة بالتدريب ولكن الهدف الاساسي للتدريب الحديث يركز في الاساس على إعداد الفرد وتنمية أدوات المعرفة وأساليب التفكير وتكوين نظرة ايجابية لدى الفرد في البحث عن المعرفة والكشف عن الحقيقة بنفسه أي التربية الذاتية. وبعبارة اخرى فان الفرق اليوم بين المتعلم وغيره هو ليس في مقدار المعرفة وانما في قدرة كل منهما على مواصلة التعليم. مشكلة مدخلات ومخرجات وبشكل عام فان مجتمعات الدول النامية ومنها المجتمعات العربية تعاني من ابتعاد وعزوف الشباب عن الالتحاق في مجالات العمل المهني مما يسبب مشكلة مدخلات لبرامج التدريب المهني من جهة ومشكلة مخرجات للمنشآت من جهة اخرى، وباعتقادنا فان هذا يعود للأسباب التالية: ـ مازالت التشريعات ذات العلاقة بالتعليم العام والتدريب المهني تربط بين برامج التدريب المهني والمتخلفين والمتسربين في التعليم العام. ـ عدم التنسيق والازدواجية الموجودة في التعليم الاكاديمي والمهني اضافة الى وجود الحواجز المتعلقة بالتشريعات امام الكوادر المتوسطة لمواصلة الدراسات الجامعية. ـ عوامل اجتماعية عميقة الجذور ورواسب التخلف التي ورثها المجتمع منذ فترات طويلة حول مكانة الكادر المهني ونظرة المجتمع الى الطبقة العاملة. اعادة نظر هذا في الحقيقة يدفع الى اعادة النظر في نظم التعليم والتدريب القائمة ويتطلب التوسع في التعليم المهني وما يطلق عليه تمهين التعليم. لقد أصبح ذلك من الضرورات التي تتطلبها المرحلة الحالية اي مرحلة التقدم العلمي والتكنولوجي ومحاولة اللحاق بالدول المتقدمة عن طريق انجاح برامج التنمية. وهناك سبب مهم آخر وهو ما يتعلق بأوضاع الدول العربية النفطية والتي تمتلك الفوائض المالية القادرة على تمويل برامج التنمية، وهي مشكلة التركيبة السكانية وتأثيراتها على كامل المجتمع حيث ان عزوف الغالبية من ابناء هذه الدول استوجب استيراد اعداد هائلة من العمالة الماهرة وغير الماهرة لانجاح عملية التنمية مما أدى في البعض من هذه الدول ان يكون عدد العمالة المستوردة أكبر بكثير من عدد سكان البلد الاصليين. من المؤكد فان سرعة التقدم العلمي والتكنولوجي اصبحت سريعة جدا الامر الذي يدعو الى ان تكون نظم التعليم والتدريب اكثر مرونة وأسرع في استجابتها للمتطلبات المتغيرة والمتزايدة باستمرار مما يفرض على مؤسساتنا العربية اعادة النظر في اساليب وطرق التدريب المتسخدمة والاسراع في اللحاق بعصر التقدم العلمي مما يتطلب ضرورة الاعداد الجديد لبرامج التدريب المهني استنادا على قاعدة عريضة من المعلومات والمهارات بما يسهل حركة العمالة افقيا ورأسيا ولا يحصر الفرد في نطاق مهنة ضيقة دائما وانما تهيأته ليكون قادرا على ان يعمل داخل مجموعة مهنية يترك للفرد فيها حرية الاختيار أو امكانية التغيير. بقلم: د. وسام جميل الامارة