الاحد 4 شوال 1423 هـ الموافق 8 ديسمبر 2002 اذا كانت المنطقة العربية دوما هدفا للغزوات الاستعمارية خلال القرون الماضية التي تهدف السيطرة على ثرواتها الطبيعية وأدت الى حدوث مشاكل وأزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية لشعوب هذه المنطقة، وإذا كانت الدول الاستعمارية تعمل على ضرب كل محاولات التنمية والوحدة الاقتصادية بين دول هذه المنطقة كي تجعل منها سوقا للمنتجات الاستهلاكية وتحول دون تحقيق استقلالها الاقتصادي، وجعلها مصدرة لمواردها الطبيعية في هيئتها الأولية، واذا كانت دولنا العربية تعاني من اغراق الدول الاستعمارية لاسواقها بالسلع الاستهلاكية كي تحول دون استثمار دولنا العربية لمواردها وامكانياتها المتوفرة لديها في خلق قاعدة صناعية فكيف يصبح عليه حال اقتصاد العرب في ظل التحولات والمتغيرات الاقتصادية التي تشهدها الساحة العالمية؟ كيف يواجه العرب الانعكاسات والازمات الناجمة بسبب التكتلات الاقتصادية العالمية في ظل الالفية الثالثة وهم يعانون من تخلف اقتصادي وتنموي وتراجع في معدلات النمو والاستثمار وتفاقم البطالة وتراجع الاوضاع المعيشية لشريحة كبرى من ابناء هذا الوطن، ثم تراجع معدلات الصادرات وتزايد معدلات الواردات والاعتماد على الخارج في توفير احتياجات السكان، كيف يواجه العرب كل تلك المتغيرات الاقتصادية في ظل التخلف في القوانين والتشريعات الاقتصادية والبنى والهياكل الاساسية وغياب الاستراتيجيات في معظم دولنا العربية؟! ان تردي اوضاعنا العربية والاخطاء الجسيمة التي ارتكبت في حق شعوب هذه المنطقة وترك المشاكل ولا سيما الاقتصادية منها اهم العوامل التي شجعت دول اجنبية كي تنفرد بكل دولة على حدة وتربطها بأخلاف استراتيجية الهدف منها المزيد من التشرذم الاقتصادي والتخلف التنموي العربي حيث تصبح اوصال امتنا العربية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية متقطعة دوما وسياساتنا التنموية مجزأة ومتنافرة!! وفي ظل هذه الوضعية اصبحت دولنا العربية اليوم اكثر معاناة من قبل على كافة المسارات والاصعدة وأصبحت التحديات التي تواجه امتنا العربية اكثر خطورة من ذي قبل، وبالتالي من الطبيعي ان تستسلم دول عربية للضغوط الاجنبية وتقبل بالسكوت عما يحدث في اجزاء الوطن نظير اعانة سنوية تقدمها دول غازية او الاستثمار في مشاريع خدمية قابلة للسحب في اي وقت او مساعدة مالية مؤقتة قابلة للالغاء، او معونة عسكرية او تقديم قروض محدودة ومربوطة بتنفيذ شروط واملاءات الدول الغازية!! او القوى الاستعمارية الحديثة!! صور الغزو الاقتصادي: ومن الغريب ان القوى الاجنبية هذه قد مارست غزوها ضد دول ترتبط معها بتحالفات سياسية واستراتيجية مثل مصر والسعودية والعراق ودولة اسلامية خليجية هي ايران لكن رغبة هذه القوى الاجنبية في اعادة رسم الخريطة الاقتصادية العالمية، وفرض هيمنتها الصريحة وتحقيق مصالحها الاستراتيجية على حساب دول العالم عامة ودول عربية واسلامية خاصة فإنها لم تضع للاعتبارات الانسانية ولا مصالح شعوب هذه الدول اي اهمية او اعتبار ولم تتوان في التلويح بكل اسلحتها الاقتصادية ضد دول ترفض الانصياع الكامل لأوامرها وقراراتها ونزعتها الاستعمارية وممارساتها الظالمة والمجحفة!! وهنا يتأكد لنا بأن حديث الرئيس الاميركي جورج بوش عقب احداث سبتمبر 2001 عن حرب صليبية ضد دول وشعوب العالم العربي والاسلامي لم يكن زلة لسان او هفوة يمكن تجاوزها وانما يجسد ذلك الحديث رسالة واضحة موجهة لمختلف الدول العربية والاسلامية. وما كانت الضربة العسكرية ضد افغانستان سوى المحطة الاولى لاسيما وان حركة طالبان هي من صنيعة تلك القوى الاستعمارية وجاء دور مصر حليفة الامس واليوم، حيث رفضت ما يحدث للشعب الفلسطيني ثم توجيه ضربة عسكرية ضد بلد شقيق هو العراق وهنا استخدمت الولايات المتحدة وهي احدى القوى الاستعمارية سلاح الاعانة المالية السنوية وجاء استخدامها هذا تحت مظلة قضية سعد الدين وهبة مدير مركز بن خلدون وقرار القضاء المصري في هذه القضية وذلك للضغط على القيادة المصرية والشعب المصري كي يتراجعا عن موقفهما القومي العربي تجاه فلسطين والعراق! اما السعودية وهي الحليف التقليدي للولايات المتحدة فإن هذه الاخيرة قد عمدت الى تسريب تقرير (راندكوربوريشن) الى الاعلام الاميركي المسير من قبل اللوبي الصهيوني كي يشن هذا الاعلام حملة شعواء ضد قيادة السعودية وشعبها ومؤسساتها حيث اعلنت السعودية رفضها القاطع للممارسات الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني واستمرت في تقديم العون والمساعدة لمواجهة تلك الممارسات، ثم اعلنت بصراحة تامة رفضها لضرب العراق واستخدام أراضيها كقواعد في تحقيق ذلك.. ومن اجل اجبار السعودية على قرار الولايات المتحدة ولا سيما ضرب العراق فإنها صعدت حملتها ضد المملكة بتحفيز محاميان اميركيان برفع دعوة قضائية لدى محاكم الولايات المتحدة ضد السعودية بادعائهما انهما يملكان توكيلين من ستمئة اميركي يمثلون اقرباء ضحايا زلز ال سبتمبر ويطالبان بتعويض قدره تريليون دولار (مليون مليار) من هيئات ومصارف وجمعيات وافراد سعوديين، ولم يكن تحديدهما لهذا المبلغ صدفة وانما جاء بناء على معلومات توفرت لهما اذ ان هذا المبلغ هو اجمالي احتياطيات وودائع سعودية حكومية وخاصة لدى الجهاز المصرفي الأميركي، ثم استثمارات سعودية في أسهم شركات أميركية وعقارات في سوق العقار الأميركي، وبالتالي فان تفسير هذا هو ابتزاز أميركي تتعرض له السعودية لتعويض خسائر الولايات المتحدة من جراء أحداث سبتمبر 2001 اذ انه ومما لا شك فيه ان تحول ملكية كل أو جزء من هذه الثروات التي يسعى المحاميان للحصول عليها من ملكية سعودية الى ملكية أميركية سوف يسهم في تجاوز الاقتصاد الأميركي لمحنته الحقيقية التي يعاني منها، واذا ما تحقق ذلك فانه يعتبر سابقة خطيرة ضد كل الاستثمارات العربية في سوق الولايات المتحدة مع الاشارة الى تجميد اموال وودائع ليبية واخرى ايرانية من قبل. واذا كان بعض الهيئات والمؤسسات والافراد السعوديين قد سحبوا جزءاً من استثماراتهم، واذا كانت الولايات المتحدة لم تبد ممانعة من ذلك فلأنها تريد ان تثبت للعالم وللمجتمع الاقتصادي ولاسيما العربي بأن اموالهم واستثماراتهم محمية بموجب القانون الأميركي، ثم لأنها على يقين بان ما تم سحبه بالاساس يشكل جزءاً صغيراً من حجم الاستثمارات العربية وهو ذلك الجزء من الاستثمارات ذات السيولة العالية سواء في هيئة ايداعية مصرفية أو استثمارات مباشرة في أسهم وسندات الصناديق وهذا لايترتب عليه آثار كبيرة على الاقتصاد الأميركي، كما سوف يحصد المستثمرون العرب خسائر ولكنها محدودة، ولكن الولايات المتحدة تدرك بأن معظم الاستثمارات تتركز في سوق العقارات الأميركية، وبالتالي فانها سوف تحصد خسائر كبيرة فيما اذا سحبها المستثمرون العرب وخاصة السعوديين وباقي الخليجيين لكون إن هذه الاستثمارات ذات آجال طويلة، وبالتالي فان سحبها وخاصة في ظل الاوضاع الاقتصادية الحالية للسوق الأميركية يعني خسائر كبيرة سوف يحصدونها. من ناحية اخرى فان قيادة الولايات المتحدة ومن خلال مؤسساتها المالية والاقتصادية تراقب بشدة حركة الاستثمارات العربية ولاسيما السعودية والخليجية على وجه الخصوص وسوف تتدخل لمنع المزيد من السحوبات تحت دعوى الاضرار بالاقتصاد الأميركي والسوق المالية، كما ان الولايات المتحدة من ناحية ثالثة تدرك جيداً بأن أصول العرب وأموالهم واستثماراتهم لن تذهب الى الاسواق العربية في ظل وضعية تلك الاسواق، ولكنها سوف تذهب في اسواق أوروبية غربية، وهذه الاسواق اساساً مرتبطة عضوياً بالسوق المالية الأميركية بالتالي فان تعرض السوق الأميركي لأي هزة من جراء تزايد السحوبات سوف ينعكس وبشكل مباشر على الاسواق المالية الاوروبية، أي ان الاموال العربية قد أصبحت محاصرة بين أسواق مالية عربية متخلفة تشريعياً وهيكلياً وأسواق أوروبية غربية مرتبطة بالسوق الأميركية وبالاقتصاد الاميركي، وليس امام العرب إلا ابقاء استثماراتهم وودائعهم في الاقتصاد الأميركي حتى لو تآكل جزء منها بسبب الأوضاع الاقتصادية في الولايات المتحدة. بقلم: نجيب عبدالله الشامسي