السبت 3 شوال 1423 هـ الموافق 7 ديسمبر 2002 مازالت أصداء تقرير الاستثمار العالمي 2002 الذي أصدره مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد» تلقي بظلالها على مختلف الأصعدة الاستثمارية حول العالم بعد ان دق التقرير ناقوس الخطر على مستقبل التدفقات الاستثمارية، المباشرة إلى بعض الوجهات على الخارطة العالمية لما تواجهه من معوقات تحول دون تدفق هذه الاستثمارات الضخمة بالاضافة إلى حالة التباطؤ الاقتصادي التي يشهدها العالم التي ادت إلى زيادة حدة الضغوط التنافسية وتزايد الحاجة إلى البحث عن مواقع أقل تكلفة. ولمس التقرير واقعا مريرا بالنسبة للاستثمارات الاجنبية المباشرة إلى الدول العربية وتدفقاتها التي تسير بسرعة السلحفاة إلى الحد الذي جعل «الأونكتاد» تضع معظم الدول العربية ضمن قائمة الأداء المتدني في مجال الاستثمار الاجنبي المباشر ضمن بند اقتصادات ما دون الامكانات. ولأهمية هذا التقرير وما يحتويه من ارقام وبيانات تعكس هشاشة حصة الدول العربية من الاستثمارات الاجنبية تحرص «البيان» على نشر النص الكامل للتقرير في محاولة لوضع الصورة أمام المسئولين والقائمين على الشأن الاقتصادي لمعرفة أين نحن من هذه الحركة التي تتصارع بشأنها الدول لجذب المزيد من التدفقات الاستثمارية وحتى لا نهمش ونظل على الجانب غير المرئي من الصورة. وتطرق التقرير إلى دور الشركات عبر الوطنية في الاقتصاد العالمي الآخذ في التزايد والتعاظم حيث تهيمن على هذه الصورة اكبر الشركات العابدة للقارات في العالم وهي التي تقود دفة التدفقات الاستثمارية وتوجهها أينما تشاء. أفرد تقرير الأونكتاد جزءاً موسعاً لسبل تعزيز الاستثمار الاجنبي الموجه نحو التصدير بعد ان أخذت السياسات الرامية الى ذلك والتي تتبعها الدول في التطور. وقال التقرير ان ثمة أولوية مشتركة بين البلدان سواء كانت غنية أو فقيرة، ألا وهي تحسين الصادرات وادامتها لكي تسهم في التنمية اسهاماً أكبر، ومثلما تجد الشركات نفسها مضطرة لجعل نظمها الانتاجية أكثر قدرة على المنافسة، يجب على البلدان ان تنظر في كيفية التحول، في أي صناعة من الصناعات، الى انشطة ذات قيمة مضافة أعلى. وأشار التقرير الى ان الشركات عبر الوطنية يمكن ان تساعد بطرق شتى على تعزيز القدرة التنافسية التصديرية للبلدان المضيفة ويكمن التحدي هنا في امكانية الاستفادة من امكانات الشركات عبر الوطنية لتحقيق هذا الغرض. وبغية اجتذاب الاستثمار الاجنبي المباشر الموجه للتصدير والتأكد من ان هذا الاستثمار يعود بفوائد انمائية، يجب على البلدان ان تجد أكثر الاساليب فعالية لجعل مواقعها مواتية للاضطلاع بنوع الانشطة التصديرية التي تهدف الى تشجيعها. ولابد، حتى للجهات المستفيدة التقليدية الرئيسية من الاستثمار الاجنبي المباشر الموجه للتصدير، من الارتقاء بمستوى صادراتها للتمكن من تحمل عبء الاجور المرتفعة والحفاظ على قدرتها التنافسية كقاعدة للتصدير. وضع السياسات واوضح التقرير ان عملية وضع السياسات وتنفيذها أخذت تتطور تمشيا مع التغيرات الدينامية في استراتيجيات الشركات التي تؤثر في صناعات التصدير الرئيسية، وتزايد المنافسة فيما بين البلدان والكيانات دون الوطنية لاجتذاب الاستثمار الاجنبي المباشر الموجه للتصدير، وتغير البيئة التنظيمية والأهداف الانمائية للبلدان نفسها. ومع الاعتراف بان استقرار الاقتصاد الكلي، بالاضافة الى عوامل هيكلية مثل القدرة التكنولوجية والموارد البشرية، هي عناصر اساسية لجعل اي موقع قادر على التنافس، يتم التركيز هنا على السياسات المتصلة بالاستثمار الاجنبي المباشر الموجه نحو التصدير: اي كيف يمكن اجتذاب هذا الاستثمار الاجنبي المباشر وزيادته والانتفاع منه. وأضاف ان امكانية الوصول الى الأسواق الرئيسية شرط ضروري ولكنه غير كاف لاجتذاب الانشطة الموجهة نحو التصدير. وعلى الرغم من ان تحرير التجارة المتعددة الاطراف كان عاملا هاما يسر نشأة نظم الانتاج الدولية وسهل اضطلاع الشركات عبر الوطنية بأنشطة تصديرية في الخارج، ما زالت إمكانية الوصول الى أسواق البلدان المتقدمة، ولاسيما فيما يتعلق بالسلع ذات الاهمية التصديرية بالنسبة الى البلدان النامية، تحتاج الى تعزيز اضافي. ويجب على وجه الخصوص ان يتم تناول الزيادات القصوى في التعريفات الجمركية وتصاعد التعريفة الجمركية والحواجز غير التعريفية في مجالات الزراعة والمنسوجات والألبسة. وفي نفس الوقت، فان تزايد النزعة الحمائية قد يقوض فعليا الفرص المتاحة للبلدان الفقيرة لاستغلال ميزتها النسبية على أتم وجه. ثم ان اللجوء بصورة متزايدة لاتخاذ تدابير تجارية مثل تدابير مكافحة الاغراق والتدابير الوقائية، واللجوء بصوة متزايدة ايضا الى الاعلانات المخصصة في البلدان المتقدمة هما من الامور التي تدعو الى القلق في هذا المضمار. تآكل الهوامش التفضيلية وقال التقرير انه وعلى الرغم من تآكل الهوامش التفضيلية، مازال العديد من الترتيبات الاقليمية والتفضيلية يتسم بالأهمية بالنسبة الى موقع الانتاج التصديري (كما في اطار الاتحاد الأوروبي واتفاقات الشراكة المبرمة معه، وفي اطار اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية، ومبادرة الولايات المتحدة لحوض البحر الكاريبي، وقانون النمو والفرص في أفريقيا، على سبيل المثال)، كما لاتزال خطط متنوعة للانتاج في الخارج تتسم بالأهمية ايضا. واذا كان يجب على واضعي السياسات في البلدان المضيفة ان يدركوا ما تتيحه تلك الترتيبات من فرص، فانه يجب عليهم ان يفهموا في نفس الوقت ما هي حدود تلك الترتيبات. فخطط الانتاج في الخارج، على سبيل المثال، تثبط استخدام العناصر المحلية بصفة عامة وقد تقيد بالتالي الارتقاء بمستوى العمليات المحلية. ولا توفر الافضليات التجارية، في حد ذاتها، أساسا كافيا أو مستديما لتنمية صناعات تصديرية تنافسية (سواء مع الاستثمار الاجنبي المباشر أو بدونه)، ويسري ذلك ايضا على البلدان التي اجتذبت الاستثمار الاجنبي المباشر الموجه نحو التصدير بفضل حصص التصدير غير المستخدمة الى البلدان التي تقيد توريد المنسوجات والملابس بموجب ترتيب المنسوجات المتعددة الألياف. ونظرا الى ان تلك الحصص ستلغى تدريجيا حتى عام 2005، فهناك خطر يتمثل في انتقال الاستثمار الراهن الى بلدان تتيح شروطا تنافسية افضل. فيجب ان تعتبر الافضليات التجارية منفذا مؤقتا يتيح للبلدان الوقت اللازم لتعزيز ما تتمتع به من مزايا كمواقع للاستثمار. ودعا التقرير حكومات البلدان المضيفة ان تنظر في اتخاذ عدد من التدابير التي قد تحسن قدرة البلد على اجتذاب الاستثمار على المدى الطويل كقاعدة للانتاج الموجه نحو التصدير. واذا كان التركيز هنا ينص على تدابير السياسة العامة المتصلة بصفة مباشرة بالاستثمار الاجنبي المباشر، فيجب التشديد مرة اخرى على ان تلك التدابير ينبغي ان تعتبر جزءا من جهود أوسع تبذل لتعزيز التنمية. ومن المجالات الرئيسية في ميدان السياسة العامة، ما يتمثل في تحسين امكانية الحصول على المنتجات المستوردة من خلال تدابير تيسير التجارة. وتتسم تلك الجهود بالأهمية نظرا الى ان القدرة التنافسية للانشطة الموجهة نحو التصدير «ولاسيما في الصناعات غير القائمة على الموارد الطبيعية) تعتمد في أغلب الاحيان اعتمادا كبيرا على المدخلات المستوردة. ولقد حاولت بلدان مختلفة تشجيع الصادرات من الشركات الاجنبية المنتسبة بفرض شروط على اداء التصدير. إلا انه لكي لايتم تثبيط الاستثمار الاجنبي المباشر الوارد، فقد تم ربط تلك الشروط عادة ببعض المزايا التي يحصل عليها المستثمر. ولقد أصبح اللجوء الى فرض شروط الزامية على اداء التصدير أصعب في ظل بيئة تنافسية على نحو متزايد وفي ضوء القواعد التي حددتها منظمة التجارة العالمية. وذكر التقرير انه ومن اجل خفض تكاليف الانتاج والحد من مخاطره، تعرض بلدان عديدة حوافز لاجتذاب الجديد أو الاضافي من الاستثمارات الاجنبية المباشرة الموجهة نحو التصدير. ولقد تطور أسلوب اللجوء الى الحوافز هو الآخر على مر الزمن. فالبلدان المتقدمة كثيرا ما تلجأ الى استخدام الحوافز المالية (مثل الهبات المباشرة)، بينما يكون اللجوء الى التدابير الضريبية أكثر شيوعاً في البلدان النامية (التي لا يمكن لها ان تتحمل عبء تخصيص الحوافز المالية من الميزانية الحكومية مباشرة)، ولقد كانت الحوافز عنصرا هاما في الاستراتيجيات الانمائية للعديد من البلدان ولاسيما تلك التي حققت نجاحا في اجتذاب الاستثمار الاجنبي المباشر الموجه للتصدير. وقد اعتمد بعض هذه البلدان نهجا محدد الأهداف على نحو متزايد من أجل اجتذاب الاستثمار الاجنبي المباشر. الموازنة بين الفوائد والتكاليف وأكد التقرير ان التحدي الذي تواجهه البلدان النامية الراغبة في استخدام الحوافز في الجهود التي تبذلها لتعزيز الاستثمار الاجنبي المباشر الموجه نحو التصدير، يتمثل في الموازنة بين الفوائد والتكاليف التي ينطوي عليها الأمر. فعندما تستخدم الحوافز بصورة فعالة، فهي تكمل عادة سلسلة من التدابير الاخرى التي تستهدف تعزيز جوانب مثل مستوى المهارات والتكنولوجيا والهياكل الاساسية. ولكن توفير الحوافز للتعويض عن جوانب النقص الرئيسية لا يعتبر دائما استراتيجية حكيمة لانه يزيد خطر انفاق الاموال العامة على مشاريع لاتوفر العوامل الخارجية اللازمة لتبرير تلك الحوافز أصلا. وثمة خطر أكبر في ان يغادر المستثمرون البلد فور توقف الحوافز اذا لم تبذل جهود لتحسين البيئة التجارية وجعلها مواتية بدرجة أكبر لاجتذاب الاستثمار، وما لم يتم تحسين الانتاج وإدماج الاستثمار الاجنبي المباشر في صلب الاقتصاد المحلي. فيجب بالتالي ألا تستخدم الاعانات كتدبير منعزل بل كجزء من مجموعة سياسات أوسع. مناطق تجهيز الصادرات ويعتبر انشاء مناطق لتجهيز الصادرات بهدف توفير هياكل أساسية فعالة والقضاء على البيروقراطية ضمن نطاق محدود، أداة شائعة الاستعمال ايضا لتعزيز الاستثمار الاجنبي المباشر الموجه نحو التصدير، والواقع ان اغلبية البلدان «الفائزة» قد أنشأت مناطق لتجهيز الصادرات (أو وضعت خططا اخرى تتسم ببعض خصائص تلك المناطق)، ولعدد من هذه البلدان حصة كبيرة في الصادرات من السلع المصنعة التي لا تعتمد على الموارد الطبيعية. ولكن اداء مناطق تجهيز الصادرات يعتمد الى حد كبير على سياسات اخرى ولاسيما السياسات الموضوعة لتنمية الموارد البشرية وانشاء الهياكل الاساسية اللازمة لاجتذاب الاستثمار الاجنبي المباشر الموجه التصدير وزيادته. وتوجد مناطق ناجعة من هذا القبيل في بلدان مثل الصين وكوستاريكا والجمهورية الدومينيكية والفليبين وسنغافورة. وتوجد، من جهة اخرى، مناطق عديدة لتجهيز الصادرات اخفقت في اجتذاب استثمارات هامة وقد كانت فيها التكاليف أكبر بكثير من الفوائد الاجتماعية. وكما هو الحال في مجالات اخرى من مجالات السياسة العامة، فإن طبيعة مناطق تجهيز الصادرات وفوائدها تتطور ايضا. وكما لوحظ من قبل، فان شرط التصدير قد تراخى في السنوات الاخيرة في العديد من البلدان، مما سمح بزيادة المبيعات المحلية الى حد كبير. وأصبح يوجد الان في مناطق تجهيز الصادرات عدد أكبر من الشركات المحلية، وتبذل الحكومات جهودا للتشجيع على زيادة الروابط بين الشركات الاجنبية المنتسبة والشركات المحلية فضلا عن تدريب الموظفين المحليين وتنمية الهياكل الاساسية الفنية والتكنولوجية. وتطرأ تغيرات ايضا على التكوين الصناعي للانتاج داخل مناطق تجهيز الصادرات ومناطق اخرى. فبينما كانت تهيمن عليه انشطة التصنيع المعتمدة على التكنولوجيا البسيطة وعلى العمالة الكثيفة والحوافز، أصبح بعض هذه المناطق يتحول اليوم الى مجالات جديدة مثل تجميع الوحدات الالكترونية والتصميم الالكتروني والاختبار والبحث والتطوير، ناهيك من المقار الاقليمية ومراكز النقل والإمداد العالمية. وقد تؤدي ضوابط منظمة التجارة العالمية في مجال الاعانات التصديرية الى الاسراع بتلك التجاهات في البلدان النامية. استخدام الحوافز وأوضح التقرير ان البلدان النامية، عندما تنظر في امكانية استخدام الحوافز، خاصة في اطار مناطق تجهيز الصادرات لا تحتاج الى تحديد أكثر تلك الحوافز فعالية فحسب بل انها تحتاج ايضا الى ضمان توافقها مع الاطار التنظيمي الدولي ولاسيما قواعد منظمة التجارة العالمية. ويجب في هذا الصدد إيلاء اهتمام خاص لدور الاعانات التصديرية. فإلى جانب الدول الاعضاء في منظمة التجارة العالمية المدرجة في المرفق السريع بالاتفاق المتعلق بالاعانات والتدابير التعويضية (أي أقل البلدان نموا والبلدان الاعضاء المدرجة في المرفق السابع حتى يصل فيها نصيب الفرد من الناتج القومي الاجمالي الى مبلغ 1000 دولار)، سيتعين على البلدان النامية الاخرى الاعضاء ازالة الاعانات التصديرية اعتبارا من يناير 2003، وذلك باستثناء البلدان التي سيتم تمديد فترتها الانتقالية. ولكن يجب حتى على تلك البلدان ان تنظر فيما ستفعله فور انتهاء تلك المدة. وتظل هناك امكانية لتوفير حوافز محددة اخرى لا يسري عليها تعريف الاعانات المحصورة، جائزة ولكن أي اعانة «محددة» قد تترتب عليها آثار سلبية على مصالح عضو آخر من اعضاء منظمة التجارة العالمية يمكن ان تكون موضع دعاوى كما يجوز ان تخضع لاجراءات تعويضية. ويجوز بالاضافة الى ذلك اخضاع السلع المدعومة المستوردة الى بلد آخر عضو في منظمة التجارة العالمية لتدابير تعويضية يتخذها ذاك البلد ان تسببت تلك السلع بأضرار مادية أو انطوت على خطر إلحاق اضرار مادية بصناعة محلية بتوفير سلعة مماثلة في البلد العضو المستورد. وبالتالي يصبح توفير الاعانات «المحددة» أمرا محفوفا بالمخاطر. ويتوقع ان تستمر مناطق تجهيز الصادرات في القيام بدور هام في الاستراتيجيات الشاملة التي تضعها البلدان لتشجيع الاستثمار الاجنبي المباشر الموجه نحو التصدير. ويمكن لتلك البلدان ان تستمر في اعفاء صادرات الشركات الموجودة في تلك المناطق من الضرائب غير المباشرة (مثل ضريبة المبيعات»، والضرائب الحدودية (مثل الرسوم القنصلية) ورسوم التوريد. وبالتالي يكون تطبيق نظم رد الرسوم والاعفاء من الرسوم جائزا. وقد لاتشتمل نظم رد الرسوم على السلع الرأسمالية المستخدمة لانتاج السلع المصدرة، وحيث انه لا يوجد لدى بلدان عديدة من البلدان الاعضاء الأصغر في منظمة التجارة العالمية إلا القليل من السلع الرأسمالية المنتجة محليا بل وقد لا يوجد لديها أي سلع من هذا النوع، فيمكن لها، بالتالي، ان تنظر ببساطة في إمكانية تخفيض أو الغاء الرسوم على الواردات من تلك السلع. ويمكن القول، بالاضافة الى ذلك، ان أكبر المزايا الهيكلية المتمثلة في وجود هياكل اساسية جيدة الاداء واجراءات ادارية مبسطة لا تتأثر من جراء تلك التدابير. ومن هذا المنطلق، الى جانب اعتبارات اخرى، بدأت بعض البلدان، ومن بينها بعض البلدان المتقدمة، بتحويل مناطق تجهيز الصادرات التابعة لها الى مجمعات صناعية أو مجمعات علمية يمكن ان تقوم بدور المحفز في تنمية التكتلات. سباق القمة والحضيض وثمة خطر بأن ينقلب التنافس المحتدم على اجتذاب الاستثمار الاجنبي المباشر الموجه نحو التصدير الى سباق نحو الحضيض (من حيث المعايير الاجتماعية والبيئية) وسباق نحو القمة (من حيث الحوافز)، ولقد تم الاعراب عن تلك الهواجس لاسيما في اطار مناطق تجهيز الصادرات. وينبغي ألا تقيم مناطق تجهيز الصادرات الناجعة على أساس قدرتها على اجتذاب الاستثمار الاجنبي المباشر أو زيادة الصادرات وحصائل النقد الاجنبي فقط، بل ينبغي ان تقيم ايضا على أساس مدى مساعدتها في تحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية الأوسع. فالبلدان التي تتبع نهجا أكثر تكاملا في السياسات العامة إزاء اجتذاب الاستثمار الاجنبي المباشر الموجه نحو التصدير ـ مثلا عن طريق تمثيل ثلاثي الاطراف في لجان مناطق تجهيز الصادرات، وضمان حقوق العمال (بما فيها حرية تكوين الجمعيات والتفاوض الجماعي)، وبتحسين المهارات وشروط العمل ـ هي البلدان التي تجتذب، على الارجح، أفضل الاستثمارات الاجنبية المباشرة، وتعتبر سنغافورة وايرلندا مثالين على البلدان التي اتبعت نهجا أكثر تكاملا في السياسات التي وضعتها في هذا المجال. ولقد بذلت جهود في هذين البلدين لتعزيز التدريب وتيسير الحوار بين العمال والادارة وتوفير هياكل اساسية ممتازة للمستثمرين. فعلاقات العمل الجيدة تسهم، الى جانب تحسين المهارات، في تعزيز الانتاجية والقدرة التنافسية. وفيما يتعلق بخطر حدوث سباق نحو القمة في اتاحة الحوافز قال التقرير انه اذا كان الاتفاق المتعلق بالاعانات والتدابير التعويضية يحظر استخدام الاعانات التصديرية، فما زالت هناك حوافز اخرى، ولاسيما حوافز موقعية، تستخدم على نطاق واسع سواء في البلدان المتقدمة أو في البلدان النامية لتشجيع الاستثمار الاجنبي المباشر الموجه نحو التصدير، ومع تزايد المنافسة على اجتذاب الاستثمار الاجنبي المباشر الموجه نحو التصدير، أصبح خطر لجوء المواقع المتنافسة الى زيادة حوافزها بصورة مستمرة يستوجب زيادة التعاون الدولي في هذا المجال. ويبين التفاوت في الموارد المتاحة لتوفير الدعم العام للاستثمارات الخاصة ان وضع البلدان النامية غير موات في المنافسة القائمة على أساس تلك الحوافز، ومن شأن لجوء البلدان المتقدمة والنامية الى التقليل من استخدام الحوافز الموقعية ان يساعد الحكومات على تخصيص موارد اضافية لتنمية المهارات والهياكل الاساسية وغير ذلك من المجالات تتسم بالأهمية في اجتذاب الانشطة الموجهة نحو التصدير. ويمكن في الوقت نفسه تبرير جعل بعض الاعانات ذات الوجهة الانمائية المقدمة للشركات الاجنبية المنتسبة غير قابلة للمقاضاة في اطار قواعد منظمة التجارة العالمية، وذلك في حالات منها مثلا اذا كان تلك الاعانات تفيد، في تشجيع توفير التكنولوجيا والمساعدة التقنية والتدريب للموردين المحليين ولموظفيهم. إلا انه تجنبا للانتفاع المجاني، يجب ان تكون الشركات المستفيدة من الحوافز مطالبة بأن تتعهد رسميا باتاحة موارد كافية على اساس طويل الاجل. أدوات السياسة العامة وذكر التقرير انه وبينما تصبح اهداف تشجيع الاستثمار محددة على نحو ادق فإنه يتعين ان ينسجم اختيار أدوات السياسة العامة المتعلقة بالاستثمار الاجنبي المباشر الموجه نحو التصدير مع الاستراتيجية الانمائية للبلد المعني. وثمة ادراك متزايد بأن مختلف ادوات السياسة العامة لا تؤتي ثمارها على الوجه الامثل الا اذا تم تطبيقها بشكل محدد الاهداف ومتماسك. وبما ان الشركات عبر الوطنية تنظر عموما في عدد من مواقع الاستثمار المحتملة من اجل الاستثمار الاجنبي المباشر الموجه نحو التصدير، فإن الحاجة للأخذ بنهج مركز لتشجيع الاستثمار تكتسي اهمية خاصة في هذا الميدان. ومن المحتمل ان يكون اتباع نهج واضح محدد الاهداف اقل تكلفة في ضوء النتائج التي يتم تحقيقها بالمقارنة مع النهج الذي يتبعه اي بلد يحاول اجتذاب الاستثمارات الموجهة نحو التصدير على اساس مخصص. لكن الاهم من ذلك كله ان السبب الرئيسي في تحديد الاهداف هو زيادة فرص اجتذاب الاستثمارات التي تعزز الغايات الانمائية المحددة للبلد المعني. ويتطلب ذلك في جملة امور اخرى، ان تقوم الحكومات بتحديد نوع الاستثمار الاجنبي المباشر الذي يحتمل ان يتيح افضل الامكانات لاقامة الروابط بالاستثمارات المحلية. الاستهداف غير ان وضع استراتيجيات اكثر استهدافا وتركيزا لا يخلو من المخاطر. اذ قد تتركز الموارد على اجتذاب استثمارات لا تتحقق، او قد تبذل جهود كبيرة وتكرس موارد لا يستهان بها للبحث عن انواع غير ملائمة من الشركات او عن شركات كانت ستستمر على اية حال. وينبغي عدم التضحية بتحسين بيئة السياسة العامة الاجمالية للاستثمار ـ المحلي والاجنبي على السواء ـ في سبيل التركيز بصورة انتقائية على اجتذاب بضع شركات فحسب. ولعل التوصل الى فهم واقعي لجوانب القوة والضعف التي يتسم بها موقع من المواقع كقاعدة للانتاج الموجه نحو التصدير يشكل اساسا اقوى لعملية الاستهداف. وهناك خطر ماثل ايضا في ان يكون السعي للفوز بشركات عبر وطنية «رفيعة المستوى» مجرد حلم اذا لم تتوفر للبلد المعني الظروف الاساسية اللازمة لاجتذاب هذا النوع من المستثمرين (من قبيل اليد العاملة المثقفة والرفيعة المهارات والبنية الاساسية الممتازة والمنخفضة التكلفة). ويمكن ان تكون المنافسة على مشاريع الاستثمار المتميزة ضارية بالفعل وأن يكون هناك مقابل كل رابح واحد عدة خاسرين يجدون في نهاية الامر انهم انفقوا موارد ضخمة على محاولات فاشلة من اجل اجتذاب مشاريع من هذا القبيل. وعليه، فإن المستثمرين الذين يتعين على معظم البلدان النامية استهدافهم قد لا يتمثلون في اكبر مئة شركة عبر وطنية بل في شركات اصغر حجما تعمل ضمن الصناعة او النشاط المناسبين. وفي حين انه من الواضح ان اعتماد استراتيجية لاستهداف المستثمرين يمكن ان يكون اسلوبا فعالا لاجتذاب الاستثمار الاجنبي المباشر، فإنه ينطوي على تحديات كبيرة بالنسبة للحكومات. اذ ان الاستهداف الفعال يتطلب وجود وكالات لتشجيع الاستثمار ذات وجهة تجارية وعلاقات متطورة جدا مع القطاع الخاص، اضافة الى الدوائر الحكومية الاخرى. وينبغي ان يدمج استهداف المستثمرين دمجا جيدا في الاستراتيجية الانمائية الاجمالية للبلد المعني، ويتعين على وكالات تشجيع الاستثمار ان تعمل بالتعاون الوثيق مع الدوائر الحكومية الاخرى لتحديد، بل لخلق، مزايا نسبية يمكن ان تكون مستدامة وليست عابرة. ويؤكد التقرير ان القول هنا بأن توسيع نطاق الصادرات هو مجرد وسيلة لتحقيق غاية معينة: الا وهي النهوض بالتنمية. وبغية جني اكبر قدر من الفوائد من التدخلات الحكومية، يتعين ان يكون تشجيع الاستثمار الاجنبي المباشر الموجه نحو التصدير جزءا لا يتجزأ من الاستراتيجية الانمائية الاجمالية للبلد المعني. ولب الموضوع هنا هو ان مقدار النجاح الذي يحققه البلد المضيف في اجتذاب الاستثمار الاجنبي المباشر الموجه نحو التصدير ورفع مستواه، علاوة على جني ثمار التنمية التي يحققها هذا الاستثمار، يعتمد اعتمادا حاسما على قدرة البلد على تطوير القدرات المحلية. والواقع ان بعض البلدان التي كانت اكثر نجاحا من غيرها في تعزيز القدرة التنافسية في مجال التصدير والتحكم بالاستثمار الاجنبي المباشر الموجه نحو التصدير قد لجأت الى اتباع نهج ثنائي يستند الى تنمية القدرات المحلية مع استهداف الموارد والاصول الاجنبية. في الوقت نفسه ويمكن ان تشمل العناصر المهمة لهذا النهج ما يلي: ـ التأكد من ان ما هو مستهدف في تشجيع الاستثمار يتوافق مع الاستراتيجيات الانمائية والصناعية والاوسع نطاقا للبلد المعني. ـ توفير رزمة من الحوافز بطريقة مركزة لتشجيع الشركات عبر الوطنية على الاستثمار في الانشطة الاستراتيجية (مع مراعاة قواعد منظمة التجارة العالمية بشأن اعانات التصدير). ـ اشراك الشركات الاجنبية المنتسبة في تطوير ورفع مستوى الموارد البشرية. ـ ايجاد بنية اساسية رفيعة المستوى من قبيل مناطق تجهيز الصادرات والمجمعات العلمية؟ ـ توفير الدعم الهادف لمنظمي المشاريع المحليين والنهوض بالموردين ومجموعات المشاريع. الخاتمة ويختتم التقرير بالتأكيد على ان استمرار حاجة البلدان النامية لارتقاء سلم القيمة المضافة وتحسين جاذبية مزاياها كمواقع للاستثمار يشكل مهمة صعبة بالنسبة للمسئولين عن رسم السياسات العامة في هذه البلدان. اذ انه يتطلب اتباع نهج اكثر تعقيدا وشمولية في مجال السياسة العامة يراعي التغيرات الحاصلة في استراتيجيات الشركات وعلى صعيد وضع القواعد على جدول الاعمال لان ذلك لا يساعد على اجتذاب الاستثمار الاجنبي المباشر ذي النوعية الرفيعة فحسب بل انه يعتبر ضروريا لتسهيل الارتقاء بمستوى الانشطة القائمة. وبالنظر الى امكانيات تحسين القدرة التنافسية التصديرية من اجل النهوض بالتنمية، يتعين التسليم ايضا بحاجة البلدان النامية الى الحفاظ على حيز كاف في مجال السياسة العامة يتيح لها السعي لتحقيق اهدافها الانمائية. وأخيرا فإن مقدار استفادة البلدان النامية من الفرص الجديدة الناشئة عن ظهور نظم الانتاج الدولي يعتمد الى حد كبير على ما تتخذه هي نفسها من اجراءات. ويمكن للبلدان المتقدمة ان تساعد ايضا بعدد من الطرق: اذ تستطيع ان توفر المساعدة لتطوير القدرات المؤسسية، ونشر المعلومات عن فرص الاستثمار الموجه نحو التصدير، وازالة الحواجز أمام صادرات البلدان النامية. أعداد: مصطفى عبدالعظيم