الجمعة 2 شوال 1423 هـ الموافق 6 ديسمبر 2002 مازالت أصداء تقرير الاستثمار العالمي 2002 الذي أصدره مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد» تلقي بظلالها على مختلف الأصعدة الاستثمارية حول العالم بعد ان دق التقرير ناقوس ا لخطر على مستقبل التدفقات الاستثمارية المباشرة إلى بعض الوجهات على الخارطة العالمية لما تواجهه من معوقات تحول دون تدفق هذه الاستثمارات الضخمة بالاضافة إلى حالة التباطؤ الاقتصادي التي يشهدها العالم التي ادت إلى زيادة حدة الضغوط التنافسية وتزايد الحاجة إلى البحث عن مواقع أقل تكلفة. ولمس التقرير واقعا مريرا بالنسبة للاستثمارات الاجنبية المباشرة إلى الدول العربية وتدفقاتها التي تسير بسرعة السلحفاة إلى الحد الذي جعل «الأونكتاد» تضع معظم الدول العربية ضمن قائمة الأداء المتدني في مجال الاستثمار الاجنبي المباشر ضمن بند اقتصادات ما دون الامكانات. ولأهمية هذا التقرير وما يحتويه من ارقام وبيانات تعكس هشاشة حصة الدول العربية من الاستثمارات الاجنبية تحرص «البيان» على نشر النص الكامل للتقرير في محاولة لوضع الصورة أمام المسئولين والقائمين على الشأن الاقتصادي لمعرفة أين نحن من هذه الحركة التي تتصارع بشأنها الدول لجذب المزيد من التدفقات الاستثمارية وحتى لا نهمش ونظل على الجانب غير المرئي من الصورة. وتطرق التقرير إلى دور الشركات عبر الوطنية في الاقتصاد العالمي الآخذ في التزايد والتعاظم حيث تهيمن على هذه الصورة اكبر الشركات العابدة للقارات في العالم وهي التي تقود دفة التدفقات الاستثمارية وتوجهها أينما تشاء. ويرى التقرير أن هناك ثمة اعتبارا هاما يجب على واضعي السياسات العامة أن يأخذوه في الاعتبار في سياق تعزيز التنمية ألا وهو اعتبار «القدرة التنافسية التصديرية»، وإذا كانت القدرة التنافسية التصديرية تعتمد في البداية على زيادة الحصص من السوق الدولية، فهي تتجاوز ذلك بشوط كبير، إذ تتطلب تنويع سلة الصادرات، والحفاظ على معدلات اعلى لنمو الصادرات على مر الزمن، وتحسين محتوى الانشطة التصديرية من التكنولوجيا والمهارات، وتوسيع قاعدة الشركات المحلية القادرة على التنافس على الصعيد الدولي لكي تصبح القدرة التنافسية مستديمة ويصحبها ارتفاع في الدخول، وتسمح الصادرات التنافسية للبلدان بزيادة حصائلها من النقد الاجنبي وبالتالي باستيراد السلع والخدمات والتكنولوجيات التي تحتاج اليها لتحسين الانتاجية ومستوى المعيشة، كما تسمح زيادة القدرة التنافسية للبلدان بالتنويع، بحيث لا تظل تعتمد على عدد قليل من صادرات السلع الاساسية وبحيث تتمكن من النهوض بمهاراتها وبتكنولوجيتها، وهو امر ضروري لزيادة القيمة المحلية المضافة والمحافظة على ارتفاع الاجور، ويسمح ذلك بزيادة وفورات الحجم والنطاق بتوفير اسواق اوسع واكثر تنوعا، ويعزز التصدير الطاقات التي تقوم عليها القدرة التنافسية: فهو يعرض الشركات لمعايير ارفع ويوفر لها فرصا للحصول بسهولة اكبر على المعلومات ويخضعها لضغوط تنافسية اكبر، مما يشجع الشركات المحلية على بذل جهود اكبر لاكتساب مهارات وقدرات جديدة، ويجب، من وجهة نظر مثالية، ان تكون زيادة الحصص من السوق مصحوبة بكافة تلك الفوائد بغية زيادة الاثر الانمائي إلى اقصى حد ممكن. وقال التقرير ان هذه الآثار الانمائية المترتبة على زيادة القدرة التنافسية التصديرية لا يمكن ان تعتبر امرا مسلما به، فعلى سبيل المثال اذا سعت جميع كافة البلدان لتصدير نفس المنتجات في نفس الوقت، فمن المرجح ان يصبح معظمها في وضع اسوأ، وبالمثل، يحتمل ألا تفضي زيادة الحصص من السوق إلى تحقيق الفوائد المتوخاة في حال عدم توافر السياسات الوطنية الملائمة لتعزيز القدرات الوطنية وزيادة القيمة المحلية المضافة. دور الشركات عبر الوطنية ويمكن للشركات عبر الوطنية ان تساعد البلدان النامية والبلدان التي يمر اقتصادها بمرحلة انتقالية على تحسين قدرتها التنافسية، ولكن الاستفادة من امكانياتها ليست بالامر السهل، فاجتذاب انشطة الشركات عبر الوطنية الموجهة للتصدير هو في حد ذاته عملية تنافسية إلى حد كبير - فحتى البلدان الناجحة قد تجد صعوبة في ادامة قدرتها التنافسية عندما ترتفع الاجور فيها وتتغير اوضاع السوق، ولابد من توافر الدعم لسياسات متساوقة ومتناسقة للتأكد من ان اجتذاب انشطة الشركات عبر الوطنية الموجهة للتصدير يندرج على نحو راسخ في استراتيجية انمائية وطنية أوسع نطاقا، وتتسم القدرة التنافسية التصديرية بالاهمية كما تنطوي على تحديات ولكن ينبغي النظر إليها باعتبارها وسيلة لتحقيق غاية معينة هي التنمية. ويوضح التقرير ان الشركات عبر الوطنية، عن طريق روابط المساهمة وعدم المساهمة في رأس المال بحصة كبيرة من الصادرات في عدد من البلدان النامية، وهي تلعب دورا في كافة القطاعات، فإلى جانب المعادن والنفط، يمكن للشركات عبر الوطنية أن تسهم، في القطاع الاولي، في تنمية الصادرات القائمة على اساس الموارد في مجالات مثل تجهيز الاغذية والبستنة، وتميل الشركات عبر الوطنية، في مجال الصناعة التحويلية، إلى القيام بدور ريادي في الانتاج والتسويق الموجهين نحو التصدير ولاسيما فيما يتعلق بأكثر المنتجات دينامية وهي المنتجات التي يتسم فيها الارتباط بشبكات التسويق والتوزيع بأهمية حاسمة، وقد تتخذ نظم الانتاج الدولية لهذه الشركات اشكالا شتى تتراوح بين نظم موجهة نحو الانتاج قائمة على اساس الاستثمار الاجنبي المباشر وهي تنطوي على تبادلات تجارية داخلية فيما بين الشركات المنتسبة، وشبكات من الموردين المستقلين تتسم بقدر اكبر من المرونة وموجهة نحو المشتري، ولا تقوم على المساهمة في رأس المال «كما في حالة العمليات المتعاقدة من الباطن على المستوى الدولي، وعمليات التصنيع بموجب عقود»، ويتيح تزايد امكانية الاتجار بالخدمات فرصا جديدة للتصدير، وافضل مثال يقدم على ذلك حتى الان هو مثال صناعة البرمجيات في الهند، وتشمل الفرص المتاحة ايضا خدمات مثل خدمات المقار الاقليمية، ومراكز التوريد، ومراكز الخدمات المشتركة، وانشطة البحث والتطوير. القيمة المضافة العالمية ومع انتشار سلاسل القيمة المضافة العالمية في العديد من الانشطة المعتمدة على تكنولوجيا بسيطة التطور، اصبح نشاط الشركات عبر الوطنية تشمل الان كامل مجموعة الصادرات المصنعة، وهناك جهات اخرى تنشط في بعض فروع الانشطة المعتمدة على التكنولوجيا البسيطة، وتقوم الشركات عبر الوطنية، في اغلب الاحيان، بدور المنسق بين الجهات المنتجة المحلية بالاضافة إلى قيامها بتأسيس الشركات المنتسبة اليها، وتقوم الشركات عبر الوطنية بدور هام على وجه الخصوص في العديد من الانشطة المعتمدة على تكنولوجيا معقدة وذلك لان نسبة كبيرة من التبادلات التجارية تتم داخليا في اطار نظم الانتاج الدولية التابعة لها، ولقد اصبحت تجارة الاجزاء والمكونات، ولاسيما تلك التي تنتجها الصناعات الدينامية، تتسم بأهمية اكبر، مما يشير إلى ظهور اتجاه متزايد نحو التخصص التجاري المرتبط بنظم الانتاج الدولية، واكثر السلع دينامية في التجارة العالمية هي، بصفة رئيسية، المنتجات الصناعية التي لا تعتمد على الموارد الطبيعية، ولاسيما صناعات الاجهزة الالكترونية، والسيارات والملابس، ولقد لعبت الشركات عبر الوطنية دورا هاما في زيادة صادرات هذه المنتجات، وان يكن بأساليب مختلفة، ويمكن لتلك الشركات أن تقوم بدور مماثل فيما يتعلق بمنتجات وصناعات اخرى مستخدمة استراتيجيات مماثلة. ويعكس نمو نظم الانتاج الدولية استجابة الشركات عبر الوطنية للتغيرات الهائلة التي طرأت على البيئة الاقتصادية العالمية كالتغيرات التكنولوجية، وتحرير السياسات، وازدياد التنافس، وتسمح إزالة العقبات امام التعاملات الدولية للشركات عبر الوطنية بتوزيع مختلف اجزاء عملياتها الانتاجية، بما في ذلك مختلف الوظائف في مجال الخدمات، على مواقع في جميع ارجاء العالم للاستفادة من الفوارق في التكاليف، والموارد، وعمليات النقل والامداد، والاسواق، وتسعى هذه الشركات باستمرار إلى تحسين ما تتمتع به من مزايا تنافسية من خلال التوزيع الجغرافي الامثل لانشطتها، وما يميز نظم الانتاج الدولية عن العمليات التي كان تضطلع بها الشركات عبر الوطنية من قبل هو، أولا، قوة الاندماج سواء على المستوى الاقليمي أو على المستوى العالمي، وثانيا، التركيز على كفاءة النظام برمته، وبالتالي اصبحت الاسواق العالمية تشتمل على نحو متزايد على تنافس بين نظم انتاج كاملة بتنسيق من قبل الشركات عبر الوطنية وليس على تنافس بين فرادى المصانع أو الشركات. ثلاثة عناصر اساسية وثمة عناصر اساسية ثلاثة في نظم الانتاج الدولية تتسم بأهمية حاسمة في هذا المضمار وهي: التحكم، وسلاسل القيمة المضافة العالمية، والتوزيع الجغرافي للمواقع، ويتعلق التحكم بهيكل الضبط الذي يحدد التوزيع الجغرافي والوظيفي للانشطة التجارية ويضمن تنسيقها، ويتم التحكم في نظم الانتاج الدولية بأساليب شتى تتراوح بين روابط الملكية «أو روابط المساهمة في رأس المال»، التي تسمح بوجود اشراف اداري مباشر، وروابط غير سهمية متنوعة تربط وسطاء مستقلين رسميا - من موردين ومنتجين ومنافذ بيع، بروابط شتى كالامتيازات، أو التراخيص، أو العقود المبرمة من الباطن، أو عقود التسويق، أو المعايير التقنية المشتركة أو العلاقات التجارية المستقرة والقائمة على الثقة، فنظم التحكم من خلال المساهمة في رأس المال تجعل عملية الضبط عملية داخلية وتسمح بحماية المزايا الخاصة بالشركة حماية افضل، وحيثما تكمن تلك المزايا في الاسم التجاري وفي التسويق، يمكن الاكتفاء بأشكال ضبط خارجية. أما العنصر الثاني لنظام الانتاج الدولي فهو تنظيم وتوزيع الانشطة الانتاجية وغيرها من الوظائف فيما يعرف بسلسلة القيمة المضافة العالمية، ويشمل هذا العنصر تطوير التكنولوجيا، والانتاج، والتوزيع، والتسويق، وقد بدأت سلاسل القيمة المضافة تتجزأ نتيجة لتمايز الوظائف التجارية حسب انشطة تقوم على التخصص المتزايد، وفي مجالات صناعية عديدة، اصبحت الشركات عبر الوطنية، مؤخرا، تترع إلى التركيز تركيزا اكبر على وظائف سلسلة القيمة المضافة الاكثر استخداما للمعارف والاقل اتساما بالطابع المادي، مثل تحديد المنتجات، والبحث والتطوير، والخدمات الادارية، والتسويق وادارة العلامات التجارية، مما ادى إلى ازدياد عدد المصنعين بالتعاقد ازديادا سريعا. والعنصر الثالث لنظم الانتاج الدولية الذي يتسم بأهمية خاصة بالنسبة إلى البلدان النامية هو موقع تلك البلدان الجغرافي، ولقد شهدت السنوات الـ 15 الماضية تغيرات كبيرة في العوامل المحددة لاختيار افضل المواقع لانشطة الشركات عبر الوطنية، وبالتالي في التوزيع الجغرافي للتكنولوجيا والانتاج والانشطة التسويقية في اطار نظم الانتاج الدولية، وكانت عمليات الانتاج مشتتة على الصعيد الدولي على مدى عقود ولكن الاتجاه نحو الادماج على نطاقات جغرافية ما انفكت تتوسع يعتبر اتجاها جديدا نسبيا، وقد امتدت سلاسل التوريد إلى مناطق جديدة من العالم وشملت انشطة انتاجية اقليمية كانت مستقلة في الماضي، الا انه اذا كان البعد الجغرافي اقل اهمية بالنسبة إلى معاملات عديدة «بسبب تطور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات» فان القرب من الاسواق الرئيسية يظل عنصرا هاما بالنسبة إلى بعض المنتجات. نظم الانتاج الدولية وإذا كان نمو نظم الانتاج الدولية ظاهرة معترفا بها تماما، فان الاتجاه المتزايد في الشركات، وحتى في الشركات عبر الوطنية الكبيرة، إلى تضييق نطاق الاختصاص وإلى التعاقد مع شركات مستقلة على تأدية عدد اكبر فأكبر من الوظائف وتوزيعها على الصعيد الدولي للاستفادة من الفوارق في التكاليف وفي عمليات النقل والامداد هو اتجاه غير معروف تماما، بل قد اصبح بعض هذه الشركات يختار التخلي عن الانتاج برمته، تاركا تلك المسئولية للمصنعين المتعاقد معهم بينما تركز هي على الابتكار والتسويق، وتكون الجهات الموردة الرئيسية والمصنعة على اساس التعاقد هي نفسها، في كثير من الاحيان، شركات عبر وطنية كبيرة لها على الصعيد العالمي بصمات تضاهي بصمات الشركات الاصلية، ولها شركاتها الخاصة التي تتعاقد معها من الباطن وجهاتها الموردة الخاصة، الا ان الشركات عبر الوطنية تلجأ بصورة متزايدة ايضا إلى استخدام الموردين والمقاولين المحليين في البلدان المضيفة، ولا يقف التخصص عند هذا الحد: اذ تدخل الشركات عبر الوطنية الرئيسية ايضا في ترتيبات ابتكار مشتركة مع شركات اخرى - منافسة أو موردة أو مشترية - ومع مؤسسات مثل مختبرات الابحاث والجامعات، وبالتالي اصبح نظام الانتاج العالمي الناشيء أكثر انفتاحا من حيث الملكية ولكنه يخضع لتنسيق أوثق من قبل الجهات الفاعلة الرئيسية في كل نظام من نظم الانتاج الدولية. ويتيح تغير استراتيجية الشركات وتغير نظم الانتاج امكانيات جديدة للبلدان النامية والبلدان التي تمر اقتصاداتها بمرحلة انتقالية للانخراط في نظم الانتاج الدولية وللاضطلاع بأنشطة كثيفة الاستخدام للتكنولوجيا وموجهة نحو التصدير، وهي انشطة ما كان بوسعها الاضطلاع بها لولا هذا التغير، وفي نفس الوقت تؤدي الطلبات المتزايدة المنهالة على الموردين الرئيسيين إلى ازالة العقبات التي تحول دون دخول السوق من قبل صغار الموردين أو الموردين الجدد من البلدان النامية والبلدان التي تمر اقتصاداتها بمرحلة انتقالية الذين لا تتوفر لديهم القدرات والمزايا التنافسية التي تتطلبها نظم الانتاج الحديثة. وقد تترتب على زيادة القدرة التنافسية التصديرية آثارا هامة، فمن حيث الحصص السوقية، يستأثر 20بلدا فقط بأكثر من ثلاثة ارباع قيمة التجارة العالمية، والبلدان المتقدمة ولاسيما ألمانيا واليابان والولايات المتحدة، هي الجهات المتاجرة الرئيسية، ولكن البلدان التي حققت اكبر المكاسب من حيث الحصص السوقية خلال الفترة 1985 - 2000 هي بصورة رئيسية بلدان نامية مثل الصين والمكسيك وجمهورية كوريا وسنغافورة ومقاطعة تايوان الصينية وتايلاند، وبلدان تمر اقتصاداتها بمرحلة انتقالية مثل الجمهورية التشيكية وهنغاريا ويولندا وفي الواقع، اصبحت سبعة من تلك البلدان تنتمي الآن بفضل ما اكتسبته مؤخرا من حصص سوقية إلى البلدان المصدرة العشرين الاكبر في العالم، أي أن تغيرات هائلة قد اخذت تحدث في تكوين التجارة العالمية واصبح عدد من البلدان النامية والبلدان التي تمر اقتصاداتها بمرحلة انتقالية تعتبر من المستفيدين الرئيسيين منها. نمو الصادرات ويرتبط نمو صادرات العديد من تلك البلدان «الفائزة» ارتباطا مباشرا بتوسع نظم الانتاج الدولية، ولاسيما في صناعة الاجهزة الالكترونية والسيارات، فالشركات الاجنبية المنتسبة تصدر الآن، على سبيل المثال، نحو نصف أو اكثر من نصف حجم الصادرات من المصنوعات في عدد قليل من تلك البلدان، إلا ان هذه النظم تكون مركزة عادة بحسب البلد والمنطقة والنشاط، ويحتمل ان تنتشر الدينامية التصديرية المسجلة في البلدان «الفائزة» إلى غيرها من البلدان النامية والبلدان التي تمر اقتصاداتها بمرحلة انتقالية مع تسارع الانتاج الدولي واتساع نطاقه ولكن الجزء الاكبر من تلك الانشطة التصديرية التي تضطلع بها الشركات عبر الوطنية - ولاسيما في اكثر فروع التجارة العالمية دينامية - لايزال يتركز حتى اليوم في قلة قليلة من البلدان التي تقع بصفة رئيسية في شرقي وجنوب شرقي آسيا وفي المناطق المتاخمة لأميركا الشمالية والاتحاد الاوروبي، ولكن الشركات عبر الوطنية تقوم في نفس الوقت بدور هام ايضا في العديد من البلدان التي ليست من البلدان المصدرة الرئيسية في العالم. ولقد سجل كل بلد من البلدان الستة المختارة لاغراض اجراء المزيد من التحليل في تقرير الاستثمار العالمي لعام 2002، هي الصين وكوستاريكا وهنغاريا وآيرلندا والمكسيك وجمهورية كوريا - ارتفاعا حادا في حصصه السوقية، كما شهد تحولا في تكوين منتجاته التصديرية: من المنتجات غير الدينامية إلى المنتجات الدينامية ومن الانشطة المعتمدة على تكنولوجيا بسيطة إلى انشطة تعتمد على تكنولوجيا متوسطة ورفيعة المستوى، وكسبت البلدان الآسيوية «الفائزة» حصصا في جميع الاسواق الرئيسية (اليابانية والاوروبية وأميركا الشمالية)، بينما سجلت البلدان في المناطق الاخرى تقدما في اطار اقليمي بصفة رئيسية، وحققت بلدان اوروبا الغربية والشرقية مكاسب في حصصها في الاسواق الاوروبية بصفة رئيسية بينما كسبت بلدان اميركيا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي حصصا في اسواق اميركا الشمالية اساسا. وفي جميع تلك البلدان، لعبت الشركات عبر الوطنية دورا هاما في زيادة الصادرات سواء من خلال علاقات سهمية أو علاقات غير سهمية، ولكن اذا كانت لانشطة الشركات عبر الوطنية حصة كبيرة من صادرات تلك البلدان، فان هذه الحصة تتفاوت تفاوتا كبيرا، ومن بين الجهات المصدرة الرئيسية، تعتبر جمهورية كوريا مثالا على بلد من البلدان «الفائزة» ليس له الا وجود صغير نسبيا بفضل الاستثمار الاجنبي المباشر الوارد، مع ان الروابط غير السهمية قد لعبت دورا في تعزيز القدرة التنافسية للشركات المحلية الكبيرة التي تدخل في صلب الاقتصاد الكوري، أما البلدان «الفائزة» الاخرى، ولاسيما في مجال المصنوعات غير المعتمدة على الموارد الطبيعية - وهي اكثر المنتجات دينامية في التجارة العالمية - فقد اعتمدت على الشركات عبر الوطنية لتعزيز ادائها التصديري، وقد اصبحت الصين وكوستاريكا وهنغاريا وآيرلندا والمكسيك من بين البلدان «الفائزة» في مجال التصدير معتمدة اساسا على الاستثمار الاجنبي المباشر في انتاج اكثر سلعها التصديرية دينامية، وكانت لكل بلد، بالاضافة إلى ذلك، ميزاته الخاصة التي مكنته من الارتباط بنظم الانتاج الدولية، فميزة الصين تكمن في حجم اقتصادها الذي يسمح لها بتحقيق وفورات الحجم ويساعدها على زيادة الصادرات، أما ميزة هنغاريا وآيرلندا والمكسيك فتتمثل في امكانية وصولها إلى سوق رئيسية بشروط تفضيلية، وفي كوستاريكا وآيرلندا، كانت السياسة الوطنية القائمة على نهج استباقي لاجتذاب الاستثمار الاجنبي المباشر في التكنولوجيا الرفيعة المستوى والارتباط بشبكات الموردين الدولية عاملا هاما. تحسين القدرة التنافسية يرى التقرير ان تحسين القدرة التنافسية التصديرية امر هام ينطوي على تحديات ولكنه ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة لبلوغ غاية، ألا وهي: تعزيز التنمية، ويثير ذلك مسألة الفوائد المستمدة من التجارة المرتبطة بالشركات عبر الوطنية، بدءا بتحسين الميزان التجاري ثم تحسين العمليات التصديرية وادامتها على مر الزمن، وحتى ان كانت الاستثمارات الاجنبية المباشرة الموجهة نحو التصدير تساعد على زيادة الصادرات، فان الشركات الاجنبية المنتسبة تستورد ايضا، وقد تكون حصائل النقد الاجنبي الصافية صغيرة في بعض الحالات، وقد تسجل ايضا قيم تصدير عالية مع تدني مستويات القيمة المضافة، والمسألة، في جميع الاحوال، هي معرفة كيف يمكن للبلدان النامية المضيفة ان تستفيد إلى اقصى حد ممكن من الاصول التي تتحكم بها الشركات عبر الوطنية، ويعتمد الامر إلى حد كبير على الاستراتيجيات التي تتبعها الشركات عبر الوطنية، من جهة، وعلى ما يقابلها من قدرات وسياسات في البلد المضيف، من جهة اخرى. والاعتماد المفرط على الشركات عبر الوطنية لبناء القدرة التنافسية التصديرية له مساوئه، فقد تركز الشركات عبر الوطنية فقط على المزايا النسبية الثابتة للبلد المضيف، واذا كان ذلك يسمح بحل بعض ما تواجهه الشركات عبر الوطنية في الاجل القصير من مشاكل تتعلق بالكفاءة، فهو يعني ايضا ان عددا من المنافع المستمدة على المدى الاطول والتي يمكن عزوها إلى الشركات الاجنبية المنتسبة العاملة في مجال التصدير قد لا يحقق في البلد المضيف، وعلى وجه الخصوص، قد لا يكون بالمستطاع تنمية المزايا النسبية الدينامية ولا انخراط الشركات المنتسبة في الاقتصاد المحلي باقامة روابط بمشاريع الاعمال المحلية من خلال مواصلة تنمية مهارات العمال أو بادخال تكنولوجيات اكثر تطورا. تحسين الانتاج ويتطلب الارتقاء بمستوى الصادرات تحسين اداء الانتاج كما يتطلب التحول من الميزة النسبية الثابتة إلى ميزة نسبية دينامية، ومنطلق ذلك هو ان التخصص في مختلف فروع نظام الانتاج الدولية قد ينطوي على منافع وفرص تنافسية مختلفة، وبالتالي فان هناك ما يبرر القلق من التخصص في الفروع المعتمدة على العمالة الكثيفة قد لا يكون مستصوبا في بعض الحالات حتى وان كانت صادراتها قائمة على استخدام التكنولوجيا المتطورة، وقد تكون فوائد هذا التخصص من حيث التدريب أو التكنولوجيا قليلة وعوائده على الاقتصاد المحلي ضئيلة، هذا بالاضافة إلى الميزة التنافسية القائمة على العمالة القليلة التكلفة قد تزول مع ارتفاع الاجور، ومن جهة اخرى، قد تكون الصادرات المعتمدة على العمالة الكثيفة مفيدة اقتصاديا ما دامت القيمة المضافة المحلية ايجابية بالاسعار العالمية حتى وان لم تزد بنفس سرعة زيادة الصادرات، وفي الواقع انه حيثما يستبعد احتمال استخدام العمالة الفائضة في انشطة تدر ربحا اكبر أو في انشطة مستصوبة اقتصاديا، يكون من مصلحة البلد المعني ان يستخدم تلك العمالة في الانتاج الموجه نحو التصدير، وجميع نظريات الميزة النسبية تبين انه ينبغي لتلك البلدان ان تتخصص في العمليات المعتمدة على العمالة الكثيفة في بداية مسارها التصديري، والسؤال المطروح هنا هو معرفة ما اذا كان بامكانها الارتقاء بمستوى صادراتها ثم المحافظة على هذا المستوى. ويمكن للشركات عبر الوطنية ان تسهم في تحسين القدرة التنافسية لبلد ما إما من خلال الاستثمار في انشطة ذات قيمة مضافة اكبر في الصناعات التي لم تستثمر فيها من قبل، أو بالتحول، في صناعة معينة، من الانشطة ذات الانتاجية المنخفضة والمعتمدة على تكنولوجيا بسيطة وعمالة كثيفة إلى انشطة ذات انتاجية عالية تعتمد على تكنولوجيا رفيعة المستوى وعلى المعارف، وهذا يبرز اهمية ضمان استدامة الشركات الاجنبية المنتسبة الموجهة نحو التصدير، واذا اريد لتلك الشركات الاجنبية المنتسبة ان تنخرط في اقتصادات البلدان المضيفة وجب عليها تحسين ادائها والسعي تدريجيا لاقامة روابط خلفية مع الشركات المحلية، وحيثما تقام تلك الروابط، لا يتوقع ان تصبح الصادرات المعنية اكثر قابلية للادامة واكبر منفعة بالنسبة إلى البلد المضيف فحسب، بل ويحتمل ان تكون قيمتها المضافة المحلية اكبر ايضا، كما يحتمل ان تسهم في تعزيز القدرة التنافسية في قطاع الشركات المحلية الذي هو اساس التنمية الاقتصادية، ويشكل نجاح استراتيجيات التصنيع الوطنية في عدد من البلدان «الاسيوية غالبا» التي تضافرت فيها الجهود الرامية لاجتذاب انشطة الشركات عبر الوطنية الموجهة نحو التصدير مع تنمية القدرات المحلية يعتبر، مثالا يمكن ان تقتدي به جهات اخرى. وخلاصة، القول انه يبدو ان من الممكن استغلال منافع الانشطة التصديرية التي تضطلع بها الشركات عبر الوطنية استغلالا اكبر، فلقد بدأت التكنولوجيات تتغير، واصبحت العمليات والوظائف قابلة للتجزئة بصورة متزايدة، واخذت الحدود الفاصلة بين ما هو داخلي وما هو خارجي للمؤسسات تتبدل، ثم ان انخفاض تكاليف النقل قد اخذ يوسع خرائط المواقع، ويتوقع ان تنخرط في خضم عملية العولمة انشطة جديدة من بينها العديد من انشطة البلدان النامية والبلدان التي تمر اقتصاداتها بمرحلة انتقالية، واصبح التحدي الذي تواجهه البلدان التي ترغب في تحسين قدرتها التنافسية التصديرية بالتعاون مع الشركات عبر الوطنية يتمثل، أولا، في الارتباط بنظم الانتاج الدولية التابعة لتلك الشركات، ومن ثم الاستفادة منها استفادة اكبر، وهنا تظهر اهمية السياسات وضرورة افساح المجال للسياسات الوطنية. أعداد: مصطفى عبدالعظيم