الاحد 26 رمضان 1423 هـ الموافق 1 ديسمبر 2002 يلتئم شمل القمة الخليجية مجددا في الدوحة الشهر المقبل حيث يكون مجلس التعاون الخليجي قد أمضى 22 عاماً على مسيرته التي شهدت الكثير من الإنجازات مثلما شهدت مثلها من الاخفاقات وسط ظروف قطرية وإقليمية وعالمية حافلة، وإذا ما تركنا ما يواجه المجلس في قمته الحالية من موضوعات سياسية وأمنية كثيرة، فان القمة وضعت على رأس جدول أعمالها مهمة تقويم مسيرة التعاون كإشارة واضحة إلى ضرورة الانطلاق الى مستويات جديدة من التعاون لا تتوفر برامجها وآلياتها في الوقت الحاضر. وعلى مدة أكثر من عقدين من العمل الخليجي المشترك تمكنت تجربة المجلس من تحقيق حصيلة من الانجازات في مجالات متعددة، وتتوزع الانجازات التي تحققت ضمن مسيرة المجلس على عدة مجالات مثل تحقيق وتعميق المواطنة الاقتصادية بين مواطني دول المجلس في العديد من الانشطة والمجالات الصناعية والتجارية والسياحية والصحية والتعليمية وإقرار بدء العمل بالاتحاد الجمركي لدول مجلس التعاون تجاه العالم الخارجي اعتبارا من الأول من يناير 2003 وتوحيد السياسات الاقتصادية حيث اتجه المجلس الى تبني سياسات عامة تشكل الاطار المقبول لتوجهات الدول الأعضاء. وفي هذا الاطار تم اقرار عدد من الوثائق من بينها وثيقة أهداف وسياسات خطط التنمية واستراتيجية التنمية الشاملة بعيدة المدى 2000-2025 والسياسة الزراعية المشتركة المعدلة والاستراتيجية الموحدة للتنمية الصناعية والاطار العام للاستراتيجية السكانية لدول مجلس التعاون، كما تم التوقيع على اتفاقية التعاون بين الدول الاعضاء في مجلس التعاون لدول الخليج العربية والجماعة الاقتصادية الأوروبية (الاتحاد الأوروبي حالياً)، كما تم أيضا ربط البني الأساسية واستكمال شبكة الاتصالات والاتفاق على تنفيذ المرحلة الأولى من مشروع الربط الكهربائي كما تجري مشاورات لدراسة ربط مراكز الحاسب الالي في الدول الأعضاء. كما شهدت الفترة الماضية تأسيس العديد من المشاريع المشتركة كما تم توسيع قاعدة المساهمين في عدد من الشركات المساهمة بدول المجلس وإنشاء العديد من المؤسسات المشتركة مثل مؤسسة الخليج للاستثمار وهيئة المواصفات والمقاييس لدول مجلس التعاون ومركز التحكيم التجاري لدول المجلس. لقد جسد قيام مجلس التعاون في مايو عام 1981 تحقيقاً لحلم عزيز لدى شعوب البلدان العربية الخليجية يتمثل في السعي الجماعي إلى تكامل اقتصادي واجتماعي وسياسي يجسد وحدة خليجية تتوفر لها جميع المقومات التاريخية والحضارية والبشرية والمادية فتكون قادرة على مواجهة كافة التحديات التي تواجه مسيرتها الحضارية وتدرأ مختلف المخاطر التي تبرز لكيانها وبقائها أو لكيانات أعضائها وعلى مختلف الأصعدة المحلية والاقليمية والدولية، إلا أن مسيرة دول التعاون تواجه بالعديد من التحديات، وهنا يمكن التمييز بين مجموعتين من التحديات تتمثل المجموعة الاولى في تلك النتائج المرتبطة بمسيرة التنمية في كل منها وبطبيعة الخصائص الجيو سياسية لها والخصائص الموردية والسكانية، ومن أبرز التحديات التي تضمها هذه المجموعة هي تأثر المنطقة بتضارب المصالح الدولية على النفط، فضلاً عن المشاكل الاقليمية المحيطة بدول المجلس وقيام الركائز الاقتصادية لدول المجلس على التنافس (التشابه) لا التكامل الأمر الذي أدى إلى الحد من زيادة حجم وتنوع التجارة البينية وتكامل القطاعات الانتاجية وانطلاق جهود التنمية من خيارات قطرية في الكثير من الانشطة والخيارات التنموية علاوة على عدم تناسب الدور التنموي للقطاع الخاص مقارنة بمدى التطور في امكانات هذا القطاع وقدر الحوافز التي وفرتها الدولة لمؤسساته، علاوة على ترسخ مفهوم الرعاية الأبوية للدولة الأمر الذي أدى إلى تركز العمالة الوطنية في الجهاز الحكومي واستمرار الاعتماد على العمالة الأجنبية للوفاء باحتياجات سوق العمل في الأنشطة غير الحكومية، كما تبرز أيضا مشكلة عدم مواءمة مخرجات نظم التعليم والتدريب مع متطلبات أسواق العمل والبنيان الاقتصادي، وحاجة هذه النظم إلى التطوير الذي ينصرف إلى الفلسفة والمضمون والآليات لمواجهة هذه الاحتياجات، وهناك أيضا ظاهرة استمرار تفوق قوى الاستهلاك على قوى الانتاج الأمر الذي يبقي على معدل استثمار منخفض مقارنة بالقدرات الوطنية الادخارية علاوة على معايشة العجز في الميزانيات العامة الأمر الذي يقترن بمؤشرات سلبية على القدرة التوظيفية للاقتصادات الخليجية للعمالة والاستثمار في بناء القدرات الانتاجية نتيجة لاتباع السياسات الاقتصادية والسياسات المالية والنقدية الانكماشية فضلاً عن الآثار السلبية لهذه السياسات على الجوانب الاجتماعية. أما المجموعة الثانية فتتمثل في تلك المستجدات الناشئة عن التطور في النظام الدولي خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين، وتشمل التحديات الممثلة لهذه المجموعة في جملة المستجدات العالمية التي سيكون على الجهود التنموية التعامل معها خلال العقود الأولى من القرن الحادي والعشرين وتبرز هذه المستجدات في مجالات متعددة، ففي مجال الفكر التنموي لم تحسم دول المجلس بعد خياراتها فيما يخص نمودج تطور التنمية خصوصا أنه من الصعب الحديث عن نمادج نمطية جاهزة للاختيار فيما بينها، كما تبرز التطورات الخاصة باستمرار الصراع على أسواق النفط وتلك الخاصة بالتكتلات الاقتصادية الاقليمية ونشأة الاتجاه إلى العولمة الاقتصادية بما تتضمنه من تحرير للتجارة والاستثمار الدوليين في إطار منظمة التجارة العالمية. ومن أبرز مستجدات هذه المرحلة استمرار الثورة العلمية والتقنية والمعلوماتية وتطبيقاتها في البلدن الصناعية، وازدياد الأهمية النسبية للانفاق على أنشطة البحث العلمي وأنشطة البحث والتطوير، وانعكاس هذه الثورة المتواصلة على الهياكل المهنية للقوى العاملة ومعدلات البطالة في كافة الأنشطة الاقتصادية، فضلاً عن تأثير التطورات المتلاحقة في مجال الاتصالات والمعلومات على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والجوانب الحضارية في البلدان المختلفة. اذن وبعد مرور أكثر من عشرين عاماً على بدء مسيرة العمل الاقتصادي الخليجي المشترك، يبدو ان الآمال التي رسمت في بداية المسيرة قد قطعت شوطاً كبيراً إلا انها لا تزال بحاجة إلى استكمال الاسس والقواعد المتينة التي تجسدها تجسيداً حقيقياً، وقد جاءت التطورات العالمية المتسارعة وخاصة فيما يتعلق بالجات والعولمة لتضيف تحديا آخر امام هذه المسيرة. وانطلاقا من هذا الإحساس أوكل قادة دول المجلس للمجلس الاستشاري مهمة تقوييم مسيرة التعاون الاقتصادي الخليجي والخروج بتوصيات محددة، ولم يكن مفاجئاً ان يتوصل هذا المجلس الى حقيقة اساسية بشأن معوقات العمل الاقتصادي المشترك وهي ان عمومية الأهداف وتعدد المواضيع التي تناولتها الاتفاقية الاقتصادية الموحدة دون ربطها ببرنامج زمني يحدد الأولويات وآليات تنفيذها ، ساهم في عدم الاتفاق على ما ينبغي تحقيقه وفق مراحل محددة. كما وانه وفي القضايا المحددة التي نص فيها على برنامج زمني لم يتم الالتزام بهذا البرنامج مما أدى الى تأجيل البت في مواضيع أساسية مثل توحيد التعرفة الجمركية وإقامة الاتحاد الجمركي لدول المجلس، لذلك لابد من إجراء مراجعة شاملة للاتفاقية الاقتصادية الموحدة بهدف تحديد وتوضيح أهداف العمل الاقتصادي المشترك في ضوء المستجدات الاقتصادية الاقليمية والدولية ورسم خطوات تنفيذية لتحقيق تلك الاهداف وفق برنامج زمني واضح ومحدد تلتزم به الدول الأعضاء ويتم تنفيذه عبر آليات عمل مشتركة يتم الاتفاق عليها. وعلى صعيد الاهداف فإن الغاية المحورية لأي استراتيجية تنموية طويلة الأجل يجب أن تستهدف تحقيق مسيرة تنموية مستدامة ومتكاملة لدول المجلس في كافة المجالات، وتعميق التنسيق بين الأنشطة التي تتضمنها خطط التنمية الوطنية. ويتطلب ذلك تبني مسارات واضحة فيما يخص الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة والاستفادة القصوى من الامكانات التقنية وتعميق الفهم بالوظائف الحديثة للدولة التي تكفل التنمية المستدامة واشراك كافة مؤسسات المجتمع في الجهود التنموية والتعامل الجاد مع خيارات المجتمع وأولوياته. كما يتطلب ذلك العمل على إزالة كافة العوائق التي تتعرض لها حركة انتقال الموارد الاقتصادية بين دول المجلس وتعزيز وتطوير التجارة البينية بين دول المجلس وازالة مصادر الانكشاف من البيئة الاقتصادية لدول المجلس: اما على صعيد الخطوات التنفيذية، فان المطلوب إدخال المؤسسات والهياكل التي تضمن تحقيق تلك الاهداف وفق برنامج زمني واضح ومحدد تلتزم به الدول الأعضاء ويتم تنفيذه عبر آليات عمل مشتركة يتم الاتفاق عليها، ويلاحظ من خلال ما تم طرحه ان المشاريع والآليات المقترحة تستفيد وعلى نحو واسع من التجربة الاوروبية في خلق كيان موحد فيما بينها الا انها بذات الوقت تلامس التطلعات الخليجية المشتركة خصوصاً ان هذه المقترحات تستند على نفس مواد الاتفاقية الاقتصادية الموحدة ولكن بلغة محددة، وأخيرا وفيما يخص آليات التنفيذ، فأنه يتوقع أن يتضمن التقرير المرفوع الى القمة بخصوص مراجعة التقويمية لمسيرة المجلس دعوة لتحديد الطابع الاسترشادي للقوانين والانظمة المقرة بحيث تتحول الى إلزامية التنفيذ بعد مرور فترة معينة لا تتجاوز ثلاث سنوات، كذلك المطالبة بإلزامية القرارات الصادرة من المجلس الأعلى وسرعة اتخاذ الاجراءات القانونية والتنفيذية لتطبيقها في كل دولة من الدول الاعضاء.