الاحد 26 رمضان 1423 هـ الموافق 1 ديسمبر 2002 من نافلة القول ان النفط لعب دورا مهما وأساسيا في اقتصاديات الاقطار العربية طوال القرن العشرين، وهيمن على المفاصل الصناعية الرئيسية في المنطقة برمتها. وسيستمر دور النفط مميزا في خارطة الشرق الاوسط في المستقبل المنظور، الا ان دوره وتأثيره سيتغير مع المتغيرات الاقليمية والدولية المستقبلية من ناحية، وكيفية تعامله مع مجمل التطورات الطاقوية والبيئية العالمية المحتملة من ناحية أخرى. ولعل أهم ملامح العقد الاول من الالفية الجديدة هو احداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة الاميركية وانعكاساتها المتعددة على المنطقة العربية، أكان ذلك من خلال تصنيف بعض الدول الاقليمية بمحور الشر ومن ثم قرار واشنطن بمحاولة محاربتها واسقاطها، او تبني سياسة الحرب على الارهاب التي ترجمت الى معركة سياسية وعسكرية مفتوحة ضد قوى عربية واسلامية متعددة، او زيادة وتيرة المحاولات الدؤوبة منذ عام 1973 في الاستغناء عن النفط العربي ومحاولة ايجاد مصادر طاقة بديلة، والتي اخذت بعدا جديدا بعد احداث سبتمبر من خلال التعاون ما بين الولايات المتحدة وروسيا في مجالات استراتيجية عديدة منها الطاقة، وأخيرا، محاولة اسرائيل منذ اللحظات الاولى لاحداث سبتمبر في ربط موضوع الارهاب بالمقاومة الفلسطينية والانعكاسات البعيدة المدى لهذا الامر على النضال الفلسطيني بخاصة والأمن الوطني العربي بصورة عامة. وتعصف هذه الاحداث الخطيرة بالاقطار العربية في ظل ثلاث عوامل أساسية: الاول: الاوضاع الداخلية المتردية في العديد من الدول العربية والعلاقات السياسية والاقتصادية السلبية ما بين هذه الدول. لقد ترك غياب الديمقراطية والشفافية والنمو الاقتصادي الفعال والفجوة الواسعة ما بين الطبقات الاجتماعية وغياب فرص العمل وحرية تنقل رأس المال والعمالة والتجارة ما بين دول المنطقة أثره السلبي على الحالة السياسية الاقليمية. فالخلافات مستمرة ومستعرة ما بين دول المنطقة رغم المصالحات هنا وهناك. هذا بدوره يضعف من وزن العرب في الساحة الدولية ويهمش اي دور ايجابي ومؤثر لهم في العلاقات الاقليمية والدولية. الثاني: الثوابت الاساسية في صناعة النفط والغاز. فمع الاخذ بنظر الاعتبار ان النفط والغاز سلعتان استراتيجيتان وذواتا اهمية قصوى للاقتصاد العالمي، وان هاتين السلعتين متوفرتان بشكل واسع ومهم في الاقطار العربية، الا انه من الواضح ايضا ان لصناعة الطاقة بعدا دوليا لا يمكن غض النظر او الاستغناء عنه. فمن ناحية، يعتمد التوسع في هذا القطاع على مدى زيادة الطلب العالمي على الطاقة. لهذا يعني، من ناحية، استمرار الاقتصاد العالمي ونموه بشكل متواصل بحدود 3% سنويا. وهذا يعني كذلك، من ناحية اخرى، ان الطلب على الطاقة عموما، والنفط بخاصة، يرتفع مع ازدياد عدد السكان في العالم وتحسن مستوى المعيشة في دول العالم الثالث. تشير التقديرات ان عدد سكان العالم سيرتفع من 6.1 مليارات نسمة في عام 2000 الى حوالي 7.2 مليارات نسمة في عام 2015، وان 95% تقريبا من هذه الزيادة ستكون في بلدان العالم الثالث، وبالذات في المدن، وبخصوصا في الصين والهند. فبدون هذا النمو المهم في عدد السكان وتحسن مستوى المعيشة سيتقلص الطلب الجديد على النفط مما يعني مزاحمة النفوط المتزايدة من خارج الاوبك نفوط اقطار المنظمة للحصول على حصة من الاسواق الجديدة المحدودة. ولكن اذا تحقق هذا النوع من النمو، فإن التنمية العالمية المستديمة، مع الزيادة الكبيرة في عدد السكان، ستعني ازدياد استهلاك الطاقة بنسبة 50% في منتصف العقد المقبل، وهذا يعني بدوره ان استهلاك النفط الاجمالي سيرتفع من حوالي 75 مليون برميل يوميا في عام 2000 الى اكثر من 100 مليون برميل يوميا في عام 2015. ما يتوقع ان يرتفع استهلاك الغاز الطبيعي في الفترة نفسها بحدود 100%. يعني هذا ان الافتراضات مبنية على نمو اقتصادي عالمي طبيعي، دون فترات طويلة من الركود او الكساد الاقتصادي، ودون خضات كبيرة وأساسية سياسية او علمية تؤثر سلبا على انماط العرض والطلب. الثالث: التغيرات المستمرة في صناعة الطاقة العالمية. فهناك اكتشافات جديدة واختراعات علمية تقلص من تكلفة الاستكشاف والتطوير والنقل. كما ان هناك محاولات دؤوبة لايجاد بدائل طاقوية محل النفط (وقد تم بالفعل ازاحة النفط من مجال توليد الكهرباء وحصره بقطاع المواصلات)، ومحاولات ترشيد الاستهلاك لتقليص الطلب على النفط، يضاف الى كل ذلك هذا وذاك الوعي المتزايد عالميا لمشاكل البيئة وكيفية معالجتها والتأثير السلبي لكل ذلك على استهلاك النفط. لذا، فإن معالجة موضوع النفط العربي في الالفية الجديدة لا يمكن ان يتم دون اخذ العوامل المذكورة اعلاه في الاعتبار. وسنركز على الجانب النفطي من هذه التطورات، مع الاخذ بنظر الاعتبار الخلفية السياسية والاقتصادية والدولية التي تحيط بهذه الصناعة عموما والعالم العربي بخاصة.