الاحد 26 رمضان 1423 هـ الموافق 1 ديسمبر 2002 بعد أن وقعت الحكومة اللبنانية في شهر يونيو الماضي اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، تكون مجموعة الاتفاقات المماثلة مع الدول العربية المتوسطية (وهي الأردن وتونس والجزائر ومصر والمغرب ولبنان وفلسطين) قد اكتملت ولم يتبق إلا اتفاقية واحدة يجري التفاوض حالياً عليها مع الجمهورية العربية السورية. إلا أن توقيع اتفاقية الشراكة لا يعني دخولها إلى حيز التنفيذ، إذ يتطلب ذلك تصديق برلمان الدولة العربية المعنية، وكذلك تصديق كل برلمان من برلمانات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والتي تبلغ (15) دولة. ويستغرق ذلك عادةً بضع سنوات، فقد تم توقيع اتفاقية الشراكة مع الأردن في شهر نوفمبر عام 1997 ولم تدخل حيز التنفيذ إلا في 1/5/2002، أي بعد حوالي أربع سنوات ونصف بعد التوقيع. ويرجع هذا التأخير عادة إلى الإجراءات الطويلة التي تستغرقها اجتماعات البرلمانات المتعددة وإمكانية اعتراض بعض الدول على أحد بنود الاتفاقية أو كمية السلع التي سيتم استيرادها من الدولة العربية المعنية مثل رب البندوره من الأردن أو البطاطا من مصر. وهذا يستدعي عادة إجراء مفاوضات ثنائية أو متعددة الأطراف بغية التوصل إلى حل ينال موافقة جميع الأطراف المشاركة. وأدت حرب أكتوبر 1973 بين العرب وإسرائيل إلى نتائج سياسية واقتصادية تاريخية هامة. فقد رافقها قطع صادرات النفط العربي عن الدول المساندة لإسرائيل مما أدى إلى أزمة طاقة عالمية أرتفع خلالها سعر النفط عدة أضعاف، وقفزت بالتالي إيرادات النفط العربية، وبدأ تنفيذ خطط إنمائية واستثمارية ضخمة في المنطقة العربية وبخاصة الدول العربية المصدرة للبترول وأخذت الدول الغربية تَعد العدة لتدوير تلك الإيرادات وترويج صادراتها من السلع والخدمات. وظهرت الأهمية الاقتصادية والمالية للدول العربية وبخاصة دول الخليج بشكل جلي في جميع المحافل، وسعت الجماعة الاقتصادية الأوروبية حينئذ إلى تقوية علاقاتها معها، فأعلنت عن رغبتها في إجراء حوار عربي أوروبي يتناول العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأصدرت بيان البندقية الذي أقرت فيه بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. وقد بدأت اجتماعات الحوار العربي الأوروبي عام 1974 وشاركت فيه جميع الدول العربية ضمن جامعة الدول العربية مقابل الدول الأعضاء في الجماعة الاقتصادية الأوروبية. وقد بدا واضحاً أن الدول العربية تتبنى أولويات مختلفة عن تلك التي تتبناها الجماعة، فالدول العربية تسعى لإعطاء الأولوية للقضايا السياسية والحصول على دعم أوروبي للجانب العربي في الصراع العربي الإسرائيلي دون أن تغفل أهمية العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. واتجهت الجماعة الأوروبية اتجاهاً مخالفاً بحيث رغبت في تأكيد التعاون في المجالات الاقتصادية والفنية، واختلفت في مواقفها تجاه قضية الصراع العربي الإسرائيلي خاصة وأنها لم تكن قد وصلت بعد إلى مرحلة جيدة من التنسيق فيما بينها في سياساتها الخارجية. وبعد عدة اجتماعات اتضح أن ذلك الاختلاف في الأولويات قد زاد من صعوبة تحقيق أي تقدم ملموس. كما أن ترك البترول خارج مجالات الحوار العربي الأوروبي قد أضعف إمكانات الجانب العربي في التأثير، ومع اتفاقات كامب ديفيد ونتائجها على منظومة جامعة الدول العربية وكذلك مع تكيف الدول الغربية مع أزمة الطاقة، انتهى الحوار العربي الأوروبي عام 1978 في تنظيمه وتشكيلاته وأسلوب عمله التي سادت في السنوات السابقة. أتضح منذ الاجتماعات الأولى للحوار العربي الأوروبي أنه من الصعب التوصل إلى اتفاقات قابلة للتنفيذ في المجالات الاقتصادية بين مجموعة الدول العربية والجماعة الأوروبية ككتلتين إقليميتين، خاصة وأن الإنجازات الاقتصادية في مجال التكامل الاقتصادي العربي ظلت متواضعة جداً، باستثناء إقامة المؤسسات المالية العربية. ومع أن اتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية قد تم التوصل إليها في نفس عام اتفاقية روما التي هي أساس للجماعة الأوروبية، إلا أن خطوات التنفيذ بين الدول العربية المصادقة على تلك الاتفاقية ظلت مخيبة للآمال، وبخاصة في مجال تحرير التجارة البينية والإجراءات الجمركية وحرية حركة عناصر الإنتاج وتنسيق السياسات النقدية وغير ذلك من خطوات تسعى إليها عادة التكتلات الاقتصاديّة الإقليمية. وعليه، اتجهت الجماعة الأوروبية إلى عقد اتفاقات ثنائية بينها وبين كل دولة عربية رغبت في التعاون الاقتصادي والفني والمالي مع الجماعة. وتم خلال النصف الثاني من السبعينات عقد اتفاقات تعاون اقتصادي وفني ومالي بين الجماعة الاقتصادية الأوروبية وبين كل من الأردن والجزائر والمغرب وتونس ومصر ولبنان وسوريا، أي مع كل دولة عربية على انفراد. بينما عقدت الجماعة اتفاقات مشاركة مع دول متوسطية غير عربية في وقت سابق، وهي اتفاقات تنشي علاقات تعاون أقوى وأوثق من حيث المزايا التجارية وإمكانية التقدم فيها خطوات أخرى في المستقبل. فقد عقدت الجماعة الأوروبية اتفاقات مشاركة مع تركيا عام 1963 ومالطا عام 1971 وقبرص عام 1973 واتفاقية تعاون مع إسرائيل عام 1975. ولم يكن هذا التوجه الأوروبي مقصوراً على الدول العربية المتوسطية فقط، بل شمل دولاً نامية في إفريقيا وأميركا اللاتينية وغيرها، وبخاصة الدول النامية التي كانت تخضع لإستعمار الدول الأوروبية الأعضاء في الجماعة. وكان الإطار العام لاتفاقات التعاون مع الدول العربية موحداً إلى حد بعيد، ويشتمل على النقاط الرئيسية التالية: ـ تقدم الجماعة الأوروبية إعفاءات جمركية من جانب واحد Unilateral للصادرات الصناعية المستوردة من الدول العربية المعنية. ولم تشترط الجماعة الأوروبية مقابل ذلك حصولها على إعفاءات جمركية مماثلة لصادراتها المتجهة للدول العربية. ـ تقدم الجماعة الأوروبية إعفاءات جمركية من جانب واحد للصادرات الزراعية العربية حسب قوائم سلعية محددة وضمن حصص كمية متفق عليها لكل سلعة ووفق مواسم أو فترات زمنية معينة وذلك بهدف الحد من منافستها لسلع مماثلة تنتج في بعض الدول الأعضاء في الجماعة الأوروبية، أي بهدف تحقيق حماية جمركية للمنتجات الزراعية الأوروبية. ـ الاتفاق على بروتوكولات مالية تحدد بموجبها قيمة المساعدات المالية التي تقدمها الجماعة الأوروبية لكل دولة عربية كل خمس سنوات. وتشمل تلك المساعدات منحاً مالية تقدم من موازنة الجماعة الأوروبية وقروضاً تقدم من بنك الاستثمار الأوروبي وذلك للإسهام في تمويل المشاريع الإنمائية في الدول العربية المعنية. وفي حال الأردن مثلاً، تم التوقيع منذ عام 1977 على أربعة بروتوكولات مالية، حصل الأردن بموجبها على ما مجموعه 324 مليون وحدة حساب أوروبية كمساعدات وقروض سهلة، أي حوالي 420 مليون دولار. هذا بالإضافة إلى برامج التعاون الثنائي التي يحصل الأردن بموجبها على مساعدات وقروض سهلة مع عدد من الدول الأعضاء في الجماعة الأوروبية وبخاصة من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا. وقد حصلت الدول العربية المتوسطية الأخرى على مساعدات وقروض سهلة من الجماعة الأوروبية وكذلك من الدول الأعضاء فيها مباشرة، وكانت قيمتها متفاوتة حسب قوة العلاقات القائمة بينها والحجم السكاني للبلد العربي ومستوى المعيشة فيه وقدرته على تطوير مشاريع وبرامج إنمائية مدروسة.