الاحد 26 رمضان 1423 هـ الموافق 1 ديسمبر 2002 في الثاني من ديسمبر عام 1971 التقت الارادة السياسية مع الرغبة الشعبية العارمة لدى ابناء الامارات ليصبح هذا اليوم تاريخاً خالداً. في ذاكرة الزمن، ومحفوراً في افئدة ابناء الامارات لانه يحمل ميلاد دولة الامارات التي تبوءت مكانتها بين دول العالم، ليسطر التاريخ وبحروف من ذهب هذا اليوم، ولتشهد الامارات خلال السنوات التالية له انجازات عريضة اعترف بها القاصي والداني. اليوم تحتفل الامارات قيادة وشعباً بميلادها الحادي والثلاثين وفي خضم الاحتفالات وفي ظل تسابق وسائل الاعلام المختلفة بإبراز الانجازات فانه حري بنا ان نتوقف عند حجم الانجاز هذا لنعززه ونستثمره في مواجهة تحديات المستقبل. وحتى يتبين حجم الانجاز هذا فإنه لابد وان نشخص المسيرة الاتحادية ونبين أوجه القوة ومناطق الضعف والخلل واذا كانت مصادر القوى قد تكون من السهل اكتشافها وتحديدها فان أوجه الخلل ليس من السهل اكتشافها اذ يتطلب منا آليات معينة وارادة صادقة، وقناعة تامة بأهمية اكتشافها ومعالجتها. ان الوصول الى المستوى الذي وصلت اليه الامارات خلال السنوات الماضية لم يكن ليأتي إلا بإرادة سياسية وشعبية مؤمنة بترجمة الاهداف وتحقيق الامنيات، ولكن كي نحافظ على هذا المستوى وهذه الانجازات فإننا يجب ان نعمل سوياً على معالجة الترهلات وأوجه الضعف والاختلال الذي صاحب هذه المرحلة، والتي شكلت تصدعاً واضحاً في مسيرة الدولة، وهنا نتناول محوراً واحداً من محاور المسيرة الاتحادية وهو المحور الاقتصادي وذلك نظراً لما يشكله هذا المحور من أهمية كبرى في مسيرة الدولة باعتباره حجر الاساس في عملية التنمية وإحداثها وفي مسيرة الدولة وقوة حضورها في المجتمع الدولي، فضلاً عن كون الاقتصاد هو اساس الاستقرار السياسي والاجتماعي والأمني للدولة الاتحادية ومن هنا فان تصحيح الأوضاع الاقتصادية ومعالجة الاختلالات الاقتصادية يعد أمراً في غاية الأهمية وذلك في ضوء الاعتبارات التالية: اعتبارات الاصلاحات الاقتصادية اولاً: أهمية الاصلاحات الاقتصادية في تعزيز مسيرة الدولة الاتحادية وإحداث تنمية شاملة باعتبار ان الاقتصاد قاعدة الانطلاقة نحو مسيرة الازدهار وتحقيق أهداف الدولة ويمثل في الوقت ذاته مصدراً لتمويل مشاريع التنمية الشاملة. ثانيا: أهمية الاصلاحات الاقتصادية لتمكين الدولة من مواجهة التحديات الداخلية الحالية والمستقبلية لاسيما في ظل تزايد حجم العجز في موازنة الدولة، وتراجع الايرادات النفطية، ومحدودية فرص العمل لشريحة الخريجين بعد تزايدهم وبروز البطالة، ثم لتوفير متطلبات المجتمع كالتوسعات في الخدمات الاجتماعية لمواجهة الزيادة السكانية، ثم لتمويل صيانة مشاريع البنية التحتية. ثالثاً: أهمية الاصلاحات الاقتصادية في مواجهة التحديات الخارجية لاسيما بعد انضمام الامارات الى منظمة التجارة العالمية (W.T.O) وتنفيذ بنودها اعتباراً من مارس 2005، ثم تداعيات عولمة الاقتصاد في مختلف دول العالم وفرضيات وتبعيات الانفتاح الاقتصادي المتوقع، ثم مستجدات التجارة الالكترونية، ثم المتغيرات الاقتصادية المستجدة في الساحة العالمية كالتكتلات الاقتصادية التي سوف تكون لها انعكاسات خطيرة على الاقتصاديات الناشئة ومنها اقتصاد الامارات وكل تلك الاعتبارات تفرض على أصحاب القرار الاقتصادي والسياسي ادخال اصلاحات جذرية على الاقتصاد. رابعاً: أهمية الاصلاحات الاقتصادية لاستشفاف مستقبل وآفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التحولات والمستجدات الداخلية والخارجية لاسيما في ظل الهيمنة الاجنبية الواضحة على الاقتصاد الوطني وخاصة في قطاعه الخاص على الصعيد الداخلي، ثم لبروز اعراض العولمة الاقتصادية مبكراً على النشاط التجاري والاقتصادي وحتى الاجتماعي والثقافي الأمر الذي يتطلب معالجة حقيقية للاقتصاد الوطني. خامساً: أهمية الاصلاحات الاقتصادية للحد من تزايد درجة حساسية الاقتصاد الوطني لما يحدث أو يستجد في الاقتصاديات العالمية لاسيما بعد ان تزايد اعتماد الاقتصاد على ريعية النفط، واعتماده على تصدير النفط الخام على هيئته الأولية، وبالتالي يتأثر وبشكل كبير في ايراداته المالية وفي حجم صادراته بالظروف المستجدة في السوق النفطية العالمية، ثم محدودية قاعدته الانتاجية وهيمنة النفط على مختلف القطاعات المكونة للناتج المحلي الاجمالي. ان تشخيصنا للاقتصاد الوطني بتحليل قاعدته الانتاجية وتحديد معطيات الفترة الماضية في ضوء استشفاف مستقبل دولة الامارات يعتبر في غاية الأهمية وفي الوقت ذاته في غاية الصعوبة خاصة في ظل عشوائية التخطيط ومحدودية القاعدة البيانية وغياب الشفافية في المعالجة، ولكن لا يعني اهمال الاصلاحات الاقتصادية حيث المؤشرات التالية تؤكد على ان هناك خللاً كبيراً يعاني منه الاقتصاد الوطني وتستدعى ضرورات مسيرة الدولة معالجته قبل فوات الاوان. ـ كان لغياب استراتيجية التنمية الاقتصادية على صعيد الدولة، ثم لغياب السياسات الاقتصادية الأثر الكبير في تراجع مساهمة القطاعات الاقتصادية السلعية خاصة في الناتج المحلي الاجمالي وظل الاقتصاد يتسم بالريعية واعتماده الكلي على الخارج سواء في صادراته النفطية أو في توفير متطلبات المجتمع من السلع والخدمات، وأصبح بالتالي الاقتصاد الوطني مرهوناً بالتطورات الخارجية. ـ ان غياب الاستراتيجية وكذلك السياسات الاقتصادية والتشريعات الاتحادية على صعيد الدولة قد شجع الامارات لتأسيس دوائر اقتصادية تضع سياسات واستراتيجيات وتشريعات وانظمة اقتصادية تتعارض مع أهداف الدولة وتطلعات شعبها في تحقيق مستقبل واعد وحضور حقيقي في الساحة العالمية خاصة وان هذه السياسات والاستراتيجية تتضارب وتتباين فيما بينها ثم تتعارض مع أهداف الدولة العليا، وربما اصبحت الانظمة المحلية معطلة لقوانين الدولة رغم قصورها، وهذه السياسات قد اوجدت واقعا يفتقر الى الوحدة والعمل الاقتصادي على صعيد الدولة الاتحادية، بل انها قد اضعفت الدولة على صعيد الداخل وأصبح الاقتصاد الوطني يعاني من تجزئة واضحة، وهذا الوضع قد فاقم من اشكاليات الدولة وفاقم من تحدياتها الداخلية والخارجية، وترك انطباعات غير مشجعة لدى المستثمرين سواء الاماراتيين او الاجانب للاستثمار في الداخل الامر الذي سهل تدفق رأس المال الوطني الى الخارج، وقد لا يشجع المستثمر الاجنبي للاستثمار في الداخل خلال الفترة المقبلة. ان العجز في الموازنة الاتحادية قد اصبح مزمنا ويشكل قلقا حقيقيا لدى مختلف شرائح المجتمع ولا سيما شريحة المستثمرين، فبالرغم من ان هذا العجز قد ظهر مبكراً في عمر الدولة اي منذ عام 1982 بعد ان سجل فائضا بلغ اقصاه في عام 1980 ليصل 14.7 مليار درهم فإن الجهات المعنية لم تعمل على تحقيق اصلاحات مالية في موازنة الدولة حتى سجل العجز ارقاما تصاعدية اذ بلغ في عام 2001 ليصل 25.8 مليار درهم مقابل عجز بلغ 9.7 مليارات درهم في عام 2000 اي ان نسبة الارتفاع قد بلغت 166.1% خلال عام واحد فقط، الامر الذي اثار ويثير العديد من التساؤلات ويدعو للتوقف عند هذه المشكلة الحقيقية لاسيما في ظل التذبذب الذي قد يحدث مستقبلا والازمات التي قد تتعرض لها اسعار النفط وانخفاض الطلب على النفط الاماراتي، ثم في ظل تزايد متطلبات السكان بعد تزايدهم، ثم ضرورات صيانة المشاريع القائمة والتوسع فيها مستقبلا!! ـ مازالت الامارات تعيش (وهم التنمية) وفيما الاعلام المرئي والمسموع والمقروء يطل على نغمة الانجازات التي تحققت فإن مفهوم التنمية ومتطلباتها تكاد تكون غائبة في الاقتصاد الوطني فليس هناك تخطيط اقتصادي ولا سيما على صعيد الدولة، وليس هناك تنمية بشرية تستند الى معرفة الواقع واستشفاف المستقبل وليس هناك تنمية وتطوير لآليات العمل الاقتصادي الفعلي بعد ان ظلت الرؤية والآليات والاهداف تفتقر الى القناعة والجدية، وفيما تشهد الامارات عشوائية التخطيط وتستجدي القطاع الخاص وتستعطفه ليستلم زمام امور الاقتصاد الوطني وقيادته فإن القطاع الخاص. يعمل جاهدا للاستفادة القصوى واقتسام تركة القطاع العام دون ان تكون هناك نية لتقديم الدعم اللازم.، او الدور المنوط به في خدمة الاقتصاد وبالتالي المجتمع وذلك لكون ان هذا القطاع هو اجنبي في تركيبته المالية والبشرية والفنية وفي ادارته وأهدافه حيث وبسبب غياب الاستراتيجيات والسياسات حدثت اختراقات من قبل الاجانب ليفرضوا هيمنتهم وليستفيدوا من خبرات الدولة دون ان تكون هناك مساهمة فعلية، ولن يكون هناك دور تنموي لهذا القطاع في ظل هذه الوضعية ودون اصلاحات جذرية في الاقتصاد الوطني وتحديد الادوار بين القطاعين العام والخاص بعد توطين جزء من هذا القطاع. ان الاصلاحات الاقتصادية الجذرية التي يجب ادخالها على الاقتصاد الوطني اصبحت تشكل مطلباً وطنياً بعد مسيرة واحد وعشرين عاماً من عمر الدولة وذلك من منطلق تعزيز مسيرة الدولة والمحافظة على الانجازات التي تحققت وتنمية المجتمع الاماراتي، ومستقبل الوطن في ظل المتغيرات العالمية وتأتي تلك الاصلاحات من منطلق تشخيص دقيق وعلمي وأمين للحالة التي وصل اليها الاقتصاد الوطني بعيداً عن الأوهام وعن التطبيل والتضخيم وبعد مرحلة التشخيص هذه تأتي مرحلة جديدة تشمل تحديد الاهداف بدقة وموضوعية وتحديد الاتجاهات والأولويات، ثم حشد الموارد والامكانيات البشرية والمادية والمعنوية من اجل تحقيق الاهداف المحددة، ثم تأتي المرحلة الثالثة وهي مرحلة استشفاف المستقبل من خلال مقاييس معينة ومعايير موضوعية تحدد متطلبات مستقبل الوطن ودور الاقتصاد فيه، وأهمية الانسان الاماراتي في بناء اقتصاد وطنه وصياغة مستقبل التنمية الاقتصادية الحقيقية لا الوهمية، وذلك باعتبار ان الانسان الاماراتي كما يؤكد على هذا دوماً رئيس الدولة وقائد المسيرة على انه اي الانسان هدف التنمية ومحورها وهدفها. ان تحقيق اصلاحات اقتصادية تفضي الى ان هذا يتطلب قبل كل شيء شفافية عالية في اختيار وسائل وأدوات التقييم بهدف الاصلاح، ثم القناعة التامة بأهمية التشخيص والمعالجة، ثم المصداقية في تعاطينا مع الواقع والايمان بأهمية هذه الاصلاحات من اجل اقتصاد وطني قوي ومجتمع اماراتي حصين، ووطن عزيز ومزدهر، ومن هنا فاننا ندعو مخلصين لأن يكون عام 2003 عام اصلاح اقتصادي قبل فوات الأوان.