الاحد 26 رمضان 1423 هـ الموافق 1 ديسمبر 2002 للعام الثاني على التوالي يسود أسواق النفط العالمية حالة من عدم الاستقرار الناجم عن توتر الاوضاع في منطقة الخليج والشرق الاوسط بشكل خاص، وتقلبات نمو الاقتصاديات العالمية بشكل عام، مما انعكس على الأداء الاقتصادي للبلدان المنتجة للنفط. وأشار تقرير لصحيفة مصرف الامارات الصناعي في عددها لشهر ديسمبر الى ان العديد من العوامل في عدم استقرار اسواق النفط في العالم، والتي يأتي في مقدمتها عدم تعاون العديد من البلدان المنتجة والمصدرة للنفط من خارج منظمة الاوبك، وتجاوز حصص الانتاج من قبل البلدان الاعضاء في المنظمة نفسها، حيث بلغ حجم هذه التجاوزات 2.7 مليون برميل يوميا في شهر اكتوبر الماضي. وبالاضافة الى ذلك، فإن التفاوتات الكبيرة في حجم الانتاج العراقي والناجمة عن عدم الاتفاق في اوقات متفاوتة على برنامج النفط مقابل الغذاء قد ساهمت في تذبذب الاسعار بصورة كبيرة ارتفاعا وهبوطا، حيث زادت حدة هذه التقلبات في الاشهر الثلاثة الاخيرة بسبب التهديدات الاميركية ضد العراق. وعلى الرغم من هذه التذبذبات، فقد ارتفع متوسط سعر برميل النفط بنسبة 9% تقريبا في العام الحالي 2002 ليبلغ 24 دولارا للبرميل، مقارنة بمتوسط سعره في عام 2001 والبالغ 22 دولارا للبرميل. وساهم ذلك في زيادة العائدات النفطية لدول مجلس التعاون الخليجي بنسبة 7% تقريبا لتصل الى 120 مليار دولار في عام 2002 مقابل 112 مليار دولار في العام الماضي. وبشكل عام حافظت اسعار النفط في عامي 2001 و2002 على متوسط سعري يلبي متطلبات البلدان المنتجة، مما يعد احد اهم العوامل التي ساعدت على استقرار الاوضاع الاقتصادية في دول مجلس التعاون الخليجي وتجاوز معظم الانعكاسات التي ترتبت على احداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة. وتشير كافة التوقعات الى ان اسعار النفط سوف تتعرض في بداية العام المقبل 2003 الى تقلبات حادة، مع ميلها للانخفاض، وذلك نتيجة للعديد من العوامل الامنية والسياسية والاقتصادية المتوقع حدوثها في الاشهر القليلة المقبلة، وبالاخص في منطقة الخليج، والتي يأتي في مقدمتها العوامل التالية: ـ امكانات التدخل العسكري الاميركي في العراق، والتوقعات الخاصة بانقطاع امدادات النفط العراقية، وتأثيرتها على الاسواق، حيث يتوقع ان ترتفع الاسعار بصورة ملحوظة لتتجاوز حاجز الثلاثين دولاراً للفترة القصيرة التي سوف تعقب التدخل الاميركي. ـ زيادة تجاوزات حصص الانتاج من قبل البلدان الاعضاء في المنظمة، وذلك لتغطية النقص الناجم عن وقف الصادرات العراقية من جهة، وللاستفادة من ارتفاع الاسعار من جهة اخرى. ـ سعي البلدان المصدرة للنفط من خارج منظمة الاوبك للاستفادة من هذه المستجدات لزيادة الانتاج وتِحقيق بعض الفوائد قصيرة الاجل وذات التأثيرات السلبية في سوق النفط العالمية على المديين المتوسط والطويل. ـ التباطؤ المستمر في الاقتصاديات العالمية الرئيسية، وبالاخص الاقتصادين الاميركي والياباني، وتأثيرهما على بقية الاقتصادات العالمية، وما قد ينجم عن ذلك من تباطؤ الطلب على النفط في الاسواق العالمية واختلال معادلة العرض والطلب في هذه الاسواق. ويبدو من خلال المؤشرات الحالية من ان فترة ما بعد انتهاء العمليات الحربية المتوقعة بين العراق والولايات المتحدة ستشهد الامدادات النفطية من منطقة الخليج ـ والتي تشكل الامدادات الرئيسية للنفط في العالم ـ تغيرات هيكلية. ويتوقع في هذا الصدد ان يدخل العراق والذي يملك احتياطيات ضخمة من النفط والغاز بقوة الى الاسواق العالمية، خصوصا وان العراق سيكون في حاجة ماسة لاستخدام العائدات النفطية في عملية اعادة البناء والتي سوف تستغرق سنوات طويلة بسبب حجم الدمار الذي لحق بالبنية الاساسية وبالاقتصاد العراقي ككل على مدى السنوات الاثنتي عشرة الماضية. ونظرا لذلك، فإنه يتوقع ان يزداد الخلل بين العرض والطلب بصورة حادة في فترة ما بعد انتهاء العمليات العسكرية في منطقة الخليج، مما سيؤدي لاحقا الى انخفاض اسعار النفط في الاسواق العالمية الى ما دون العشرين دولارا للبرميل. وحتى الآن، فإن اجراءات منظمة الاوبك ما زالت مقتصرة على العمل ضمن الآلية الخاصة بالمحافظة على معدل الاسعار ضمن حدود 2228 دولاراً للبرميل، وذلك دون وجود استراتيجية واضحة تتعلق بالسياسات النفطية، وبالاخص في مجال الانتاج وتوزيع الحصص، حيث تبحث المنظمة في الوقت القضايا الخاصة باعادة توزيع الحصص لتتناسب والمستجدات النفطية. ان مجمل هذه التطورات في اسواق النفط العالمي، تحمل معها العديد من التغيرات المرتقبة والتي ستؤثر بصورة مباشرة على مستويات الاسعار، وبالتالي العائدات النفطية، والتي ستترك بدورها تأثيرات على مجمل الاوضاع الاقتصادية في البلدان المنتجة للنفط، بما فيها دول مجلس التعاون الخليجي.