الاربعاء 22 رمضان 1423 هـ الموافق 27 نوفمبر 2002 لم تخيب الصين أمل المتابعين لنهضتها والمعجبين بتقدمها المستمر منذ بداية انتهاجها طريق الاصلاح الاقتصادى، فجاء المؤتمر السادس عشر للحزب الشيوعى، الذى عقد أخيرا ليؤكد أنها حريصة على مواصلة الطريق وتجنب العثرات التى تهدد بالتأثير السلبى عليه. وفى اطار ما تمخض عنه المؤتمر من قرارات استهدفت اجراء تغييرات جوهرية وأساسية فى قيادة الحزب والدولة، وبالرغم من أنه يذكر للرئيس الصينى جيانغ زيمين أنه هو الذى قاد وبنجاح كبير مسيرة الحزب الشيوعى فى مرحلته الثالثة التى اتسمت بالاصلاح الاقتصادى «بعد مرحلة ماوتسى تونغ و مرحلة دينغ زياو بنغ»، فقد تمت خطوة التداول السلمى للسلطة بسلاسة أثارت اعجاب المراقبين من جيانغ زيمين «76 عاما» الذى يمثل المرتبة الخامسة فى هرم السلطة الصينية، ويمثل أيضا الجيل الذى تخطى السبعين، إلى هو جينتاو «59 عاما» الذى يمثل جيلا جديدا لقيادة البلاد فى مرحلة جديدة ومهمة. وتأتى التطورات على خلفية الخصوصية التى تتميز بها الصين ويتميز بها الحزب الشيوعى الصينى، الذى يرجع المحللون استمرار قوته بالرغم من سقوط الماركسية فى الاتحاد السوفيتى السابق إلى أنه دون أغلب الأحزاب الشيوعية استطاع فى الأوقات الحاسمة أن يستجيب لقوى التغيير وأن يطور نفسه تطويرا حقيقيا. وقد حرص هو جينتاو فى كلمته أمام المؤتمر السادس عشر للحزب الشيوعى الذى عقد أخيرا على طمأنة سلفه جيانغ زيمين الذى يصفه المراقبون «بالمتشكك بطبعه» على أنه سيحافظ على منجزات المرحلة السابقة وبالذات فى المجال الاقتصادى، وعلى أنه لن يسمح فى الوقت نفسه بأن تتعرض الشيوعية فى الصين للمصير الذى آلت إليه فى بلدان أخرى. وتنبع دلالة هذا الحرص من جانب «هو جينتاو» من أمرين، الأول أن زيمين كان يفضل أن يحل محله أقرب حلفائه «زينغ شينغ هونغ» وليس «هو جينتاو» والأمر الثانى أن جيانغ زيمين وان كان قد تخلى عن رئاسة الحزب الشيوعى، الا أنه مازال رئيسا للدولة، وحتى لو ورث «جينتاو» منه هذا المنصب أيضا فى اجتماع البرلمان فى مارس المقبل «وهو المتوقع»، فسيظل من حقه الاحتفاظ بمنصب المسئول عن اللجنة العسكرية المركزية و قيادة الجيوش الصينية، وهو ما سيعطيه نفوذا كبيرا ومستمرا. ويقول الخبراء فى الشئون الصينية بأنه حتى فى حالة ترك جيانغ زيمين لمنصب قائد الجيوش فانه سيبقى له نفوذه الكبير من خلال «الدمى» من اتباعه الذين يحركهم من وراء الكواليس ليضمن قدرا من الهيمنة والتحكم فى سياسات الصين. وأشار الخبراء الى أن زيمين كان قد قاد المرحلة الثالثة من مراحل مسيرة الحزب الشيوعى، وتمكن من البلوغ بالاصلاح الاقتصادى الحد الذى أصبحت فيه مناطق شاسعة من الصين تدار ادارة رأسمالية خالصة. وعلى الجانب الاخر، فان هو جينتاو يوصف بانه شخصية غامضة ومن الصعب التكهن بالطريق الذى يعتزم أن يقود فيه البلاد، حيث يقول البعض انه سيكون بمثابة نسخة صينية معدلة من «جورباتشوف» بينما ينفى اخرون ذلك، مشيرين الى الهجوم الذى شنه فى خطاب سابق له فى العام الماضى على الغرب، وقوله ان القوى الغربية المعادية والتى يقودها الأميركيون تكثف من جهودها الرامية لتغريب مجتمعنا وبث بذور الانقسام فيه لاضعافه. وأيا ما كان الأمر، فليس ثمة شك فى ان مستقبل الصين فى المرحلة المقبلة لن يكون عرضة لاية تغييرات جوهرية أو عميقة من حيث المباديء الاساسية أو الخطوط العريضة، ومن الطبيعى أن تواصل الصين جنى ثمار تجربتها الاقتصادية الخاصة وألا تحيد عن الطريق الذى اختارته والتعهدات الدولية التى ألزمت نفسها بها. ومن أهم هذه الالتزامات انضمام الصين قبل نحو عام الى منظمة التجارة العالمية بعد جهود ومفاوضات طويلة استمرت قرابة 15 عاما. وقد شكل هذا الانضمام انتصارا رئيسيا للصين، بعد أن كانت قد بدأت منذ عام 1978 توجها للانفتاح على العالم الخارجى، وحاولت استمالة السوق بتخفيف قبضة الدولة على الشئون الاقتصادية. ونجحت الصين بالفعل فى أن تصبح سابع أكبر قوة تجارية، ومايزال البعض يرى أن التغيير الذى سيترتب على الانضمام الى عضوية منظمة التجارة العالمية من شأنه أن يمتد مع الوقت خارج الساحة الاقتصادية وقد يحقق تعددية سياسية. وقد تواترت التوقعات المتفائلة بالنسبة لمستقبل الاقتصاد الصينى ومن أبرزها دراسة لبنك الاستثمار الأميركى ليمان براذرز، أظهرت أن الصين ستشهد نموا خلال السنوات العشرين المقبلة بمتوسط تبلغ نسبته 6% ويمكن أن تصبح ثانى قوة اقتصادية فى العالم لتحل محل اليابان بحلول عام 2030. وتشير الدراسات الى أنه طبقا لهذه الوتيرة فان الاقتصاد الصينى سيكون بحلول عام 2030 أقوى من اقتصاد أبرز الدول الأوروبية الكبرى ويمكن بالفعل أن يحل محل اليابان ليصبح اكبر اقتصاد فى اسيا وثانى اقتصاد فى العالم بعد الولايات المتحدة. ويتوقع الخبراء أنه بحلول عام 2020 سيكون قطاع الخدمات قد تجاوز قطاعى الزراعة والصناعة وأن يكون بمقدور القدرة الشرائية أن تجاوز مثيلاتها فى جميع دول أوروبا.. وهكذا فان مفتاح النجاح لايكمن فى النمو بأسرع وقت ممكن وانما فى تحسين نوعية النمو. ومن المعروف أن الصين تحقق نسبة نمو سنوية تقترب من 8%، ولولا مراعاة الادارة الاقتصادية فى الصين للآثار العكسية لنمو الكبير على معدل التضخم فى البلاد لكان فى امكانية الصين أن تنمو بمعدلات أكبر قد تصل إلى أكثر من 10%، ولذلك سبق أن خفضت الصين من معدلات نموها من 9.5% إلى المعدل الحالى، تجنبا لحدوث موجات من التضخم. ويرصد المحللون الى جانب النجاحات والتوقعات المتفائلة للاقتصاد الصينى، المصاعب والتحديات التى تواجهها فى المرحلة المقبلة، حيث من المتوقع أيضا بحلول عام 2020 الا يبلغ اجمالى الناتج المحلى السنوى لاكثر من مليار مواطن صينى سوى ثلاثة الاف دولار، وهو مايظهر للصين اهمية بذل الجهود لمواصلة نموها الاقتصادى القوى. ومن التحديات التى يرصدها المحللون أيضا أن الصين مازالت تعتبر من البلدان التى تعانى من مشكلة الفقر حيث ان بها نحو 200 مليون شخص يعيشون فى عائلات تنفق أقل من دولار واحد فى اليوم، وتواجه الصين أيضا مشكلة بطالة متزايدة، وسيتعين عليها أن تواصل نهجها التوفيقى الذى يتسم بالخصوصية والذى تسعى فيه للمواءمة بين صيغتها الاشتراكية الخاصة واتجاهها للرأسمالية واندماجها مع الاقتصاد العالمى مع مراعاة البعد الاجتماعى. أ.ش.أ