الاحد 19 رمضان 1423 هـ الموافق 24 نوفمبر 2002 وقد بدأ ذلك بإنشاء الجماعة الاقتصادية الأوروبية التي أصبحت كتلتين اقتصاديتين في عام 1960 كتلة التجارة الحرة التي تزعمتها بريطانيا وتضمنت مجرد تخفيضات جمركية على السلع المتبادلة بينهما، حيث لم يكن من المتصور أن تقود هذه المنطقة الى اتحاد اقتصادي أوروبي كما كان يطالب البعض حينئذ، وكتلة السوق الأوروبية المشتركة التي سجلت منذ بدايتها نجاحا كبيرا وكانت خطوة فعلية نحو تحقيق التكامل الاقتصادي والوحدة الاقتصادية الأوروبية وقد ضمت كل من الكتلتين ست دول أعضاء. ولم يكن هناك صراع اقتصادي بين الكتلتين، حيث استمر التعاون بينهما لمدة عشر سنوات تقريبا، وفي عدد كبير من المجالات: مجال اندماج المؤسسات الاقتصادية داخل الجماعة الأوروبية كلها والتي ضمت حينئذ 12 دولة أوروبية، وفي المجال السياسي حيث نجحت في تحويل الصراع السياسي بين فرنسا والمانيا الى منطقة للتعاون السلمي بينهما ينتفي فيه استخدام القوة المسلحة، وفي مجال التنمية الاقتصادية، حيث تقرر إنشاء خطط لتمويل التنمية في الدول الأعضاء الأقل دخلا، عن طريق صناديق انمائية متعددة، من بينها الصندوق الاجتماعي الأوروبي والصندوق الزراعي الأوروبي وصندوق التعاون النقدي الأوروبي وصندوق التنمية الأوروبية والصندوق الأوروبي للتنمية الأوروبية. ثم أنشئت اللجنة الاقتصادية والاجتماعية للتنسيق بين السياسات الاقتصادية التي تطبقها الدول الأوروبية وحتى لا يكون هناك خلاف جوهري بين هذه السياسات يقف عقبة ضد قيام السوق الأوروبية المشتركة، وكانت هذه اللجنة تعرض مواقع الاختلافات في هذه السياسات وتقترح وسائل تخفيضها الى أقل حد ممكن سواء بالنسبة للعجز في الموازنات العامة أو في تقلبات سعر الصرف وإنشاء عملة مشتركة، أو في سياسات التمويل والدعم والاستثمار والاستيراد والتصدير والجمارك.. الخ. وقام بنك الاستثمار الأوروبي من جانبه بتقديم قروض استثمارية هدفها الأول تحقيق تقارب اقتصادي في التنمية بين الدول الأعضاء، وتنفيذ مشروعات لصالح الجماعة الأوروبية، سواء في دول خارج الجماعة أو في دول مرتبطة بها، وقد بلغ الاقراض لهذا الغرض 19800 مليون دولار أمريكي بين عامي 58، 1981 وتركزت هذه القروض في تنمية الدول الفقيرة داخل الجماعة وخاصة ايطاليا التي حصلت على حوالي 341% من اجمالي هذه القروض، وكان أغلبها لأغراض انتاجية وخاصة في مجال الطاقة. وبمقارنة هذه الخطوات الأوروبية التي مهدت لقيام السوق الأوروبية المشتركة بل أدت فعلا الى قيامها والى تحويلها الى سوق أوروبية موحدة ثم اتحاد اقتصادي أوروبي بدأ أنشطته في عام 1991، نجد أنه لا يوجد مؤشر واحد يبين أن السوق العربية المشتركة ستقوم قريبا، واذا كان قد أعلن أن هذه السوق قد قامت فعلا بين أربع أو خمس دول عربية، فما هو المقصود بالسوق العربية المشتركة بين هذه الدول المحدودة، هل المقصود النصوص الواردة في الأمر الصادر بإنشائها، هل تقررت حرية الانتقال للأشخاص والبضائع والأموال، هل تقررت حرية الاقامة والعمل والاستخدام وممارسة النشاط الاقتصادي، هل تقرر حرية النقل والترانزيت واستعمال وسائل النقل والموانئ والمطارات المدنية، إن ذلك كله لم يتقرر بعد، ولكن ما زلنا نعيش عهد الشعارات والبيانات الدعائية، وسنظل نعيشها ما لم يكن هناك أسلوب سليم لتغيير الأنماط التي نعيش عليها، مع نظرة جديدة وفكر حديث يرى جيدا الأحداث المؤلمة التي تشهدها المنطقة العربية ويخطط من واقعها المفزع والمقلق ما ينفع الأجيال العربية القادمة. وأقول أن بداية التغيير للامر الواقع يقودنا الى سؤال واحد نصارح به أنفسنا وهو ـ هل تم التمهيد فعلا لإنشاء السوق العربية المشتركة التي تتردد شعاراتها منذ عام 1964، وبفرض أن التمهيد تم، فما هو المطلوب عملا من كل منظمات التعاون الاقتصادي العربي، ومن كل الحكومات العربية، ومن كل المفكرين العرب، بل ومن القطاعين العام والخاص، وذلك لكي تقوم السوق؟ إن المطلوب في تصوري يتعين أن ينطلق في ضوء التطورات الدولية الحديثة وخاصة تلك التي ساعدت على إنشاء السوق الأوروبية المشتركة، وبوصفي أحد الذين عاصروا العمل العربي المشترك في أكثر من جهة ـ في جامعة الدول العربية، وفي مجلس الوحدة الاقتصادية العربية وفي صندوق النقد العربي بأبوظبي، وفي بعض البنوك المركزية العربية أقول أن المطلوب يتمثل فيما يلي: ـ إنشاء مجموعة عمل تضم الخبراء العرب من داخل وخارج المنطقة العربية تتركز مهمتهم في التنسيق بين السياسات الاقتصادية العربية وعلى رأسها السياسات النقدية وسياسات الزراعة والصناعة والتصدير والاستيراد والجمارك والمالية العامة والتمويل والهجرة بين الدول العربية، ولا أقول توحيد هذه السياسات فهو أمر صعب حاليا في ظل المناخ العربي السائد، ولكن من الضروري أن تتقارب هذه السياسات وأن يحذف منها الاختلافات الجوهرية التي تؤدي الى منع قيام السوق العربية المشتركة أو تعطيل قيامها لفترة طويلة، وهو ما يتطلب أن تضم المجموعة ممثلا لكل حكومة عربية يكون مفوضا باصدار قرارات مطلوبة عاجلا من أجل تحقيق السوق العربية المشتركة في أقرب وقت ممكن. ـ ضرورة التقارب التنموي بين المناطق والأقاليم العربية واستخدام الأموال والامكانيات العربية، فليس من المناسب أن تتحقق السوق المشتركة بين اقليم فقير جدا واقليم غني جدا، فمثلا هناك فروق شاسعة بين الأوضاع التنموية في الدول العربية، تؤدي الى تفاوت كبير جدا بين متوسط دخول الأفراد بها، فعلى سبيل المثال وبموجب احصائيات التقرير الاقتصادي العربي الموحد عام 2000 هناك أربع دول عربية يقل المتوسط السنوي للدخل الفردي بها في المتوسط عن 500 دولار، بينما هناك دولتان يزيد متوسط الدخل فيهما في المتوسط عن 25000 دولار أميركي، وهو ما يؤدي الى صعوبة تحقيق سوق عربية مشتركة تكون هذه الدول أعضاء بها، وبالتالي فالمطلوب وبصفة عاجلة أنشطة تنمية عربية عاجلة عن طريق إنشاء مشروعات عربية كبيرة لصالح الدول العربية الفقيرة وتستفيد منها ايضا باقي الدول العربية بما فيها الدول الغنية، ويمكن أن تساهم الأموال العربية المستردة من الخارج في إنشاء هذه المشروعات كما يشترك فيها رجال الأعمال العرب عن طريق تنظيم اجتماعات تتم لهذا الغرض وتعرض عليهم هذه المشروعات. ـ لا أحبذ إنشاء صناديق عربية لتمويل التنمية في الدول العربية الفقيرة، كما حدث في المنطقة الأوروبية حيث ساعدت الصناديق الأوروبية في تمويل التنمية في بعض الدول الأوروبية الأقل دخلا كايطاليا، ولكني أطالب أن يكون كبديل عنها مراكز اعداد دراسات جدوى لبث مشروعات انتاجية داخل الدول العربية الفقيرة وتسويقها بين الجهات العربية التمويلية المتعددة، ومن بينها البنوك العربية الكبيرة والبنك الاسلامي للتنمية، وبنك التنمية الافريقي، وبنك الاستثمار الأوروبي التي تساهم فيه بعض الدول العربية، وعلى أن تسند هذه المشروعات الى أحد رجال الأعمال العرب الذين لهم استثمارات في الداخل والخارج وحسب تخصصاتهم، كما تعطي الفرصة أيضا لمن يريد أن يقترح إنشاء مشروعات داخل هذه الدول بعد زيارات ميدانية لها تنظمها جامعة الدول العربية أو مجلس الوحدة الاقتصادية العربية وبالاتفاق مع حكومات هذه الدول والتي لا يمكن أن تعترض على ذلك طالما تؤدي هذه المشروعات الى تشغيل البطالة بها وزيادة دخلها القومي ورفع المستوى المعيشي لسكانها، وهو ما يؤدي أيضا الى وقف المشاحنات والمصادمات بين بعض سكان هذه الدول كالصومال والسودان. وفي ضوء ذلك أعرض اقتراحا أرجو أن تدرسه جامعة الدول العربية ومجلس الوحدة الاقتصادية العربية ورجال الأعمال والمستثمرون العرب في الداخل والخارج، يتلخص الاقتراح في تقسيم تنمية الدول العربية التي يقل متوسط الدخل بها عن الف دولار أمريكي سنويا وعددها اربع دول هي جيبوتي واليمن والسودان وموريتانيا على الدول العربية الغنية والتي تتمتع بمتوسط دخل مرتفع وعددها يزيد عن اربع دول وعلى أن تكون كل دولة غنية مسئولة عن تنمية اقتصاديات دولة فقيرة على الأقل، ويكون لها الحق في مراجعة خطة التنمية بها واختيار المشروعات الانتاجية التي ترى أنها ستؤدي الى زيادة معدل النمو وتحسين مستوى المعيشة لسكانها وفي نفس الوقت يستطيع المستثمرون بالدول الغنية بما لهم من امكانيات فنية ومالية اقامة هذه المشروعات والحصول منها على العائد المناسب نقديا ومعنويا وقوميا ويكون لهم الحق في الحصول على كل الضمانات اللازمة لأموالهم. إنني لا أدعي ابتكار هذا الاقتراح، حيث أن اقتراحا قريبا منه عرضه كراسكي رئيس وزراء ايطاليا السابق عندما كان خبيرا بالأمم المتحدة ومكلفا منها باعداد دراسة عن تنمية الدول الفقيرة وعلاج مشاكل القروض الخارجية بها، طالب فيه أن تقوم الدول الغنية المتقدمة كالولايات المتحدة الأميركية وانجلترا وفرنسا وبلجيكا وغيرها بتحمل مسئولية تنمية الدول الفقيرة التي توقفت عن سداد الديون وانخفض متوسط الدخل بها الى أقل من دولارين في اليوم، حيث أن ذلك سيكون مؤشرا لتعاون دولي خالص بعيدا عن الاستغلال والظلم الذي ساد القرون الماضية وامتدت روافده الى القرن الذي نعيش فيه. واذا كنت أعرض هذا الاقتراح العربي الخالص فأقول أن الدول العربية الغنية عندما تتعاون مع الدول العربية الفقيرة فإن ذلك سيكون مؤشرا سليما للتعاون العربي لصالح الطرفين وداخل منطقة واحدة وموجها للشعب العربي ككل والذي سيبني إن شاء الله سوقا عربية مشتركة ثم اتحادا اقتصاديا واحدا لصالح الأجيال القادمة، حيث تنتهي القيود على تنقلات الأشخاص والسلع والأموال، مؤشرا يحيي الشعور العربي القومي الذي يقول البعض أنه غير متوافر حاليا.