الاحد 19 رمضان 1423 هـ الموافق 24 نوفمبر 2002 في اطار الارهاب الاقتصادي الذي مارسته الدول الاستعمارية ضد دول ومناطق وشعوب دول العالم الثالث إبان حركة الاستعمار الغربي فرضت هذه الدول حصارها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي بقوة العسكر سعياً نحو فرض هيمنتها وسيطرتها على تلك الدول والشعوب والحيلولة دون تحقيق استقلالها وامتلاك حريتها. ولم تخرج تلك الدول الاستعمارية الا بعد ان حصدت خيرات وثروات تلك البلاد والشعوب، ثم صنعت انظمة سياسية فاسدة تحمل هوية ذلك الوطن في الظاهر ولكن تحمل الولاء والانتماء للدول التي صنعتها. وهكذا ضمنت استمرار تدفق الثروات اليها تحت مظلة وضمان الانظمة المصطنعة تلك. ولقد حاولت شعوب تلك البلدان الحصول على استقلالها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي الحقيقي من خلال حركة التحرر والثورة، ومنها دول عربية حصلت على استقلالها الباهت بعد صراع طويل، ولكن الدول الاستعمارية وتحت اعذار واهية عادت لتفرض حصاراً اقتصادياً على عدد من دول العالم الثالث ومنها دول عربية سعت جاهدة نحو التمرد على التبعية الاقتصادية والثقافية، ولكن على الرغم من الآثار والانعكاسات السلبية للحصار الاقتصادي على الفرد والمجتمع فان تلك الدول الاستعمارية ربما فات عليها ان للحصار الاقتصادي ايضا فوائد ايجابية على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي ايضاً، ومن تلك الفوائد التي جنتها والتي قد تجذبها مستقبلاً الدول المحاصرة اقتصادياً كالتالي: أولاً: يحول الحصار الاقتصادي دون قيام الانظمة الحاكمة في العالم الثالث عامة من بيع ثروات البلاد الطبيعية وتصديرها الى دول استعمارية بأسعار زهيدة لا تعود على الوطن بالفائدة ولكنها تضخ في حسابات خاصة وأرصدة في مصارف أوروبية وأميركية باسماء حكام فاسدين وشريحة من الموالين لهم، فيما تحرم شعوب هذه البلدان من حقوقها الشرعية ونصيبها من بيع تلك الثروات. ومن هنا فان الحصار الاقتصادي يعني عدم قدرة الانظمة الفاسدة على تصدير ثروات البلاد الى أسواق عالمية. ثانياً: ان الحصار الاقتصادي قد يحول دون تدفق السيولة النقدية من اقتصاديات الدول المحاصرة اقتصادياً لتصب في حسابات خاصة مملوكة من قبل شريحة من افراد الحكم أو الموالين لهم، ولن تتدفق في الخارج لتصب في مصارف واقتصاديات اجنبية فيما تعاني اقتصاديات وأسواق الدول المحاصرة من نقص شديد في السيولة واستنزاف مستمر للسيولة وتدهور مستمر في اسعار صرف عملاتها وارتفاع قياسي في الاسعار. ثالثاً: اذا كان الحصار الاقتصادية قد فرض على دول من العالم الثالث ومنها دول عربية وذلك بقرارات الدول الاستعمارية أو ذات النفوذ العالمي في العصر الحديث أو بقرارات الأمم المتحدة الواقعة تحت هيمنة دول النفوذ فان «الحاجة أم الاختراع» حيث وجدت الدول المحاصرة اقتصادياً كالعراق، والسودان مثلاً ان لا خيار لها سوى الاعتماد على قدراتها الانتاجية الذاتية وعدم الاعتماد على الخارج فعملت على تصنيع مواردها الطبيعية واستثمارها بما يعود على اقتصادها بالفائدة المرجوة، ومن ثم تحقيق متطلبات واحتياجات المجتمع من السلع المصنعة والاغذية كانت تستوردها من الخارج قبل الحصار وكان الاستيراد يكلف خزينة الدولة الكثير، وهكذا تحولت الدول المحاصرة اقتصادياً من دول تستهلك ما يتم استيراده الى دول منتجة وتحقق اكتفاء ذاتياً في بعض متطلبات المجتمع فيها، ثم انها أصبحت أكثر استعداداً للتصدير من قبل فاذا ما رفع الحصار عنها فانها تتحول الى دولة مصدرة لسلع ومنتجات وبضائع وطنية الأمر الذي ينعكس ايجاباً على خزائن الدولة ثم على القطاعات السلعية وكذلك على الميزان التجاري وميزان المدفوعات. رابعاً: اصبحت الدول المحاصرة اقتصادياً أكثر اعتماداً على نفسها عن ذي قبل وذلك ليس في توفير متطلبات المجتمع فحسب، وليس في استثمار ثرواتها ومواردها الطبيعية وانما في التحول من الاقتصاد الاستهلاكي الى الاقتصاد الانتاجي القائم على توظيف كل الامكانيات المالية والمادية والبشرية في إحداث تنمية اقتصادية حقيقية ثم ان تفعيل الاقتصاد واحداث التنمية يخلق فرص عمل لشريحة كبرى من مواطني تلك الدول، فالسودان مثلاً وفي ظل الحصار الاقتصادي قد حقق قفزات حقيقية خلال فترة قياسية حيث اعتمد سياسات اقتصادية وتنموية تقوم على اساس الاعتماد على الذات والعمل على تصنيع الموارد الطبيعية، فتحول السودان ذو الامكانيات والموارد الطبيعية الضخمة والذي كان يطلق عليه «سلة غذاء العالم» من بلد يعتمد على الغذاء والمساعدات الخارجية وعلى الاستيراد من الخارج، الى بلد منتج حينما وجد انه لا خيار له في ظل الحصار الاقتصادي إلا ان يعتمد على قدراته الذاتية، حينها تحول الى بلد منتج للقمح بعد ان كان مستورداً له، بل ومصدر له، ثم حرك المصانع المتوقفة عن الانتاج فكان هناك انتاج للسكر ولسلع غذائية اخرى كان يتم استيرادها من الخارج. وكان ذلك يشكل استنزافا لرصيد السودان من العملات الصعبة، وتحول السودان الذي كان يعاني من فجوة غذائية الى بلد منتج ومصدر لسلع غذائية وصناعية ومنها الادوية والفاكهة وانواع عديدة من السلع الغذائية وكذلك جزء من ثروته الحيوانية، وحقق السودان خلال سنوات الحصار نمواً في مختلف قطاعاته الانتاجية التي سجلت مساهمة حقيقية في الناتج المحلي الاجمالي، وتحسنت الاوضاع المعيشية للشعب السوداني، وبعد تحسن موارد الميزانية العامة للدولة، وميزان المدفوعات رغم الحصار الاقتصادي استطاع السودان ان يوظف جزءاً من موارده المالية في تطوير البنية التحتية وترميم هياكله الاساسية، ثم قام بتوظيف جزء آخر في القطاع النفطي حيث حقق اكتشافات نفطية واعدة، وتأكد للعالم بأن السودان يمتلك احتياطيات استراتيجية من النفط وخاصة في جنوبه تؤهله لان يدخل سوق المنافسة والانتاج النفطي في العالم، خاصة فيما اذا حدث استقرار حقيقي في الجنوب السوداني. من ناحية اخرى حقق السودان على صعيد سياساته الاقتصادية والتنموية والنقدية استقراراً في سوقه النقدية وثباتاً في معدل صرف الجنية السوداني خلال السنوات الثلاث الماضية، كما انه وبسبب سياساته المالية التي تعتمد على ترشيد الانفاق والتحكم في معدلات التضخم في الاسعار قد حقق تخفيضاً ملموساً في الاسعار خلال السنوات الماضية ويعزى ذلك بالاساس الى انخفاض الاستيراد بسبب الحصار الاقتصادي. ومن ناحية اخرى فان السودان وفي ظل الاستقرار الاقتصادي وحركة النشاط والنمو الاقتصادي في مختلف القطاعات الانتاجية أصبح القطاع المصرفي التجاري فيه أكثر استعداداً لتمويل مشاريع التنمية بعد ان تأكد للمصارف التجارية بأن هناك تطوراً حقيقياً ملموساً ونوعياً في مشاريع البنية التحتية كالشوارع والطرق والاتصالات والمشاريع العامة الاخرى، ثم الاستقرار السياسي والامني الذي تحقق في السودان خلال سنوات الحصار الذي غرز المناخ الاستثماري في السودان لاسيما في ظل توفر مقومات الاستثمار وفي ضوء توفر الفرص الاستثمارية الكبيرة حتى استطاع السودان وخلال السنوات الماضية أكثر استعداداً لجذب رؤوس اموال واستثمارات اجنبية بعد رفع الحصار الاقتصادي وهكذا يتأكد للعالم وخاصة لدول وشعوب العالم الثالث بان هناك فوائد اقتصادية واجتماعية للحصار الاقتصادي وليس له عواقب وانعكاسات سلبية فحسب، ولكن يتطلب كي تتحقق الفائدة هذه توفر الارادة السياسية والشعبية الساعية الى كسر هذا الحصار من خلال استحداث تنمية اقتصادية وتوظيف الامكانيات والموارد المادية والبشرية في تحقيق اهداف التنمية التي لايمكن ان تتم إلا وفق استراتيجية طويلة المدى وتخطيط سليم وواضح، عندها سوف تتمكن الدول والشعوب من رفض الهيمنة الاقتصادية وكسر طوق التبعية الاقتصادية التي تعمل دول استعمارية على فرضها وتكريسها في دول العالم الثالث ومنها دولنا العربية.