الاحد 19 رمضان 1423 هـ الموافق 24 نوفمبر 2002 إن التحدي الكبير الذي مازال يواجه العديد من الدول النامية هو في تحقيق معدلات مقبولة من النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية وسيظل هذا التحدي يسيطر على كل الجهود المبذولة من هذه الدول في عالم جديد تسيطر عليه ثورة متواصلة في المعرفة والتكنولوجيا ووسائل الاتصالات المتقدمة. ومما لا شك فيه فإن نجاح هذه الجهود يتوقف على عدد من العوامل متداخلة فيما بينها حيث يقف في مقدمتها عامل الموارد البشرية الذي يعتبر من العوامل التي تحدد مستوى وقدرة هذه البلدان في توظيف مواردها المتاحة وتحقيق الأهداف المخططة لها مسبقا. إن إدراك المجتمع لقيمة الثروة البشرية كان الدافع الأساسي إلى الاهتمام بالتعليم والتدريب اضافة إلى التفكير في الوسائل الفعالة التي توفر أفضل فرص التعليم والتدريب لأفراده وفقا لقدراتهم وقابليتهم والتي تتيح لكل فرد من أفراد المجتمع حصته من التعليم والتدريب من خلال عمليات الاعداد المهني في صورها المتعددة بهدف تنمية ثروته البشرية. فمن المعروف ان معدلات التنمية التي حققتها الدول المتقدمة ما كانت تتم لولا استخدام هذه الدول للعلم في كافة مجالات الحياة العملية لتحقيق التنمية وفي مجالات تعليم وتدريب أبنائها لكي تجعلهم قادرين على المساهمة الايجابية في بناء وتطوير المجتمع ورفع معدلات التنمية فيه. لذلك أصبحت مقتضيات العصر الحديث تفرض على الدول العربية (والدول النامية بشكل عام) اعادة النظر في هياكل العمالة والاعداد المهني بهدف تصحيح الخلل الذي كشفت عنه برامج التنمية بما تعانيه من عجز شديد في القوى العاملة كمّاً ونوعاً، هذا العجز الذي أصبح يهدد مجتمعات هذه الدول اجتماعيا وثقافيا. إن ظهور الثروة النفطية في بعض الدول العربية وبالتالي تراكم فوائض مالية كبيرة أدى إلى توجه بعض هذه الدول وعلى الأخص دول الخليج منها مما دفع هذه الدول نحو محاولة الاستفادة من فرص التنمية المتاحة لها والتعجيل بتحقيق معدلات عالية من النمو والتي أدت بدورها إلى تزايد النفقات الجارية والاستثمارية في ميزانيات هذه الدول، كان في الحقيقة السبب الرئيسي في بروز مشكلة النقص الحاد في القوى العاملة ولم يكن ذلك في فئات العمالة الماهرة بل امتد إلى فئات العمالة غير الماهرة أيضا. واستهدفت خطط التنمية في الغالب تنمية قطاعات الصناعة والزراعة وقطاعات البنى الأساسية بهدف اصلاح هذا الخلل الهيكلي وتحسين الفرص المتاحة لكل المواطنين في الخدمات التعليمية والصحية وتحسين المستوى المعاشي مما خلق طلبا متزايدا على العمالة سواء الماهرة منها وغير الماهرة من قبل هذه القطاعات. وبغض النظر عن كون الدولة مصدرة أو مستوردة للعمالة فإن غالبية الدول العربية تعاني من نقص حاد في الأيدي العاملة في قطاعي النقل والمواصلات والبناء والتشييد. وبالاضافة إلى المهارة فهناك عامل آخر يلعب نفس الدور في التطوير ألا وهو النوعية إذ يعتبر في الأساس بأنه العامل الفعال والمحدد لقدرة إدارة التنمية على الأداء الجيد وبكفاءة عالية. إن الدول العربية والنامية بشكل عام تفتقر إلى الكوادر المتوسطة والعليا والتي تشكل أساسا الإدارة المسئولة عن التنمية حيث ان وجود مثل هذه الكوادر هو الذي يحدد قدرة مؤسسات البلد على مزج الموارد المالية والبشرية المتاحة ومنها العامل البشري نحو تحقيق أهداف التنمية. إن هذا القصور في العرض بالنسبة للقوى العاملة والبطالة المقنعة في القطاع العام واهمال تأهيل وتدريب القوى العاملة وتركيز التنمية على الجوانب الاقتصادية، كانت من الأسباب الرئيسية لبروز مشكلة النقص الحاد في القوى العاملة وبالتالي التأثير المباشر على عمليات التنمية حيث لجأت العديد من الدول العربية إلى تلبية احتياجاتها من القوى العاملة عن طريق الاستيراد مما ولد معه مشاكل اجتماعية وسياسية وأمنية في نفس الوقت اضافة إلى الحقوق التي تولدت لهذه الأعداد الهائلة من البشر والتي وصلت في بعض الدول إلى أضعاف عدد السكان الأصليين والتي عندما بدأت هذه الدول تبحث في المشكلة وتحاول التصدي لها باللجوء إلى اجراءات أصبحت معقدة وبكلفة كبيرة دون دراسة لأسباب الحقيقة وراء المشكلة والمتمثلة في تطبيق برامج وطنية لتعليم وتدريب وتأهيل الكوادر الوطنية. ومن المعروف ان متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية هي التي تحدد نوع وأعداد العمالة المطلوبة وبالتالي تحدد سياسات وبرامج التعليم والتدريب القادرة على سد النقص بالمهارات والأعداد المطلوبة في سوق العمل ومواصلته مستقبلا. ومع تطور العلوم والتكنولوجيا وتغير دور الفرد تبعا لذلك بحيث أصبح الفرد اليوم مطالبا بأن يكون لديه قدرة من المهارة على تأدية الكثير من الواجبات التكنولوجية، وهذا يتطلب أن يكون لدى الفرد مستوى معين من التحصيل الدراسي والعلمي ويتزايد ذلك كلما ازدادت أساليب وأدوات الانتاج بدقة وتعقيدا. من هنا يجب النظر على أساس ضرورة التكامل بين التعليم والتدريب حيث ان التعليم يشكل الأساس لبناء الفرد ونمو شخصيته في حين نجد بأن التدريب المهني يتناول جوانب تتعلق بتقدم الإنسان في مجال عمله وتطوير قدراته ومهاراته حتى اننا يمكن أن ننظر إلى التدريب على أساس انه نوع من أنواع التعليم. إن مفهوم الإعداد المهني هو مفهوم شامل يتضمن على عدد من العمليات المتعلقة بالتعليم والتوجيه والتأهيل والتدريب المهني. والاعداد المهني وبغض النظر عن نوعه يهدف في الأساس إلى اعداد الفرد للموقع الذي يلائمه، أي انه يهتم باتجاهين هما الفرد والعمل وبهذا نضمن التكامل بين العمل والفرد. وبناء على التغيرات المستمرة بالعلوم والتكنولوجيا وتطور المجتمعات أصبح لزاما علينا الأخذ بالتغير المستمر في مفهوم التدريب المهني. لقد أصبح العالم الآن يتغير باتجاه أساليب جديدة في التفكير والبحث وتقنيات جديدة في التنظيم والتنفيذ والتفكير بأساليب حديثة للاستخدام الأمثل للموارد البشرية، أصبح من الضروري على التدريب المهني كنظام وأهداف وبرامج وطرق وأساليب أن يواكب هذه التغيرات واننا مطالبون باعادة النظر في مفهوم وبرامج التدريب المهني وذلك لضمان تلبية احتياجاتنا المتزايدة والمتنوعة كلما زادت أهداف وبرامج التنمية. لقد أثبتت تجارب العديد من المجتمعات ان الأنظمة الاجتماعية السائدة فيها ومدى تقبلها لمشاركة المرأة في مسيرة التنمية لها أثر كبير فيما قد يحققه التعليم والتدريب باعتباره مرتبطا بالفرد وسلوكه والمجتمع في نظرته للمرأة وما تسمح لها به التقاليد من مشاركة في التنمية ونشاطات المجتمع قد يؤثر وبشكل كبير على أنشطة التعليم والتدريب ومؤسساتها التي تستهدف في الأساس اعداد الأفراد من الجنسين للمشاركة في بناء المجتمع والحضارة. إن نجاح الدولة في وضع هياكل التعليم المناسبة مع تطور حاجة البلاد وكذلك سياسة ونظم التدريب التي تتماشى ومتطلبات التنمية مع الحفاظ على توفير قنوات اتصال مدروسة وفعالة بين التعليم والتدريب وسوق العمل، كفيل بإحداث التغيرات المناسبة في بنية القوى العاملة لخدمة التطور المنشود في الدولة في جميع القطاعات وعلى الأخص الاقتصادية والاجتماعية.