السبت 18 رمضان 1423 هـ الموافق 23 نوفمبر 2002 سؤال سيظل يبحث عن اجابة واضحة: لماذا خرج ألف مليار دولار من الأموال الخليجية تبحث عن سبل للاستثمار خارجيا؟! هل هذا يدلل بما لا يدع مجالا للشك على ان المستثمر العربي بعامة والخليجي بخاصة، لم يجد مقومات عدة في الدول العربية والخليجية.. أم ان ثمة امكانات موجودة بالفعل ولو انها استغلت لكان الوضع الاستثماري أفضل مما هو عليه في المنطقة؟ هذان السؤالان وغيرهما مشروعان، بخاصة ان منطقة الخليج بصورة خاصة، لم تكن في يوم من الايام معزولة عن النشاط الاقتصادي والاستثماري، حتى ما قبل النفط، حيث كان اللؤلؤ والغوص من المقومات التي جعلتها وتجعلها تحتل مكانة اقتصادية جيدة. المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية في الكويت أعد تقريرا حول أشكال الاستثمار في دول مجلس التعاون الخليجي يتضمن تقييما لسلبيات وايجابيات الاستثمار الاجنبي، حيث تعد بيئة الخليج جاذبة للاستثمار من خلال مقومات عدة، من أهمها: الاستقرار السياسي والامني، وتوافر البنى التحتية المتطورة واستقرار السياسة المالية والنقدية، واستقرار سعر الصرف نسبيا وارتفاع عوائد الاستثمار رجوعا الى ارتفاع مستويات الطلب على السلع والخدمات ومحدودية الرسوم والضرائب المفروضة خليجيا، ناهيك بأن دول الخليج تمتلك مستويات سيولة مرتفعة، حيث تزيد قيمة الودائع المصرفية في السعودية مثلا على 75 مليار دولار مقابل 24 مليارا للكويت و28 مليار دولار للامارات. إلا ان دول الخليج لم تستغل مقوماتها الاستثمارية بشكل جيد، ويظهر ذلك من خلال حجم الأموال التي استقطبتها دول الخليج والذي لا يتناسب مع وزنها الاقتصادي، ويقدر مراقبون كمية الاموال التي تدفقت الى دول التعاون خلال السنوات الخمس الماضية بنحو 5.5 مليارات دولار في حين تصل الاستثمارات الاجنبية في الصين مثلا الى نحو 35 مليار دولار سنويا، وفي ماليزيا وحدها الى زهاء 8.5 مليارات دولار سنويا. ومن حيث ملكية الاستثمار توجد اشكال عدة لملكية الاستثمارات الاجنبية، حيث يقوم المستثمر الاجنبي بالمفاضلة بينها حسب استراتيجيته واهدافه وظروف الدولة المضيفة ومن هذه الاشكال، انشاء مشروعات جديدة او اعادة شراء مشروعات قائمة وموجودة اصلا في الدولة المضيفة وهذا يتوقف على عوامل عدة منها: مدى توافر منشات قديمة للبيع في الدولة المضيفة ومدى رغبة المستثمر الاجنبي واستعداده لتحمل الاعباء القديمة للمنشات الموجودة اصلا. والاسلوب الثاني، يكمن في الاشتراك في رأس المال الفرع او الملكية الكاملة له في الدولة التي تسمح بنسبة امتلاك 10%. أما من حيث الرقابة على الاستثمار، فاذا كانت ملكية رأس المال تعد الشرط الضروري لوجود استثمار مباشر، فان هناك شرطا اضافيا وهو ضرورة احكام الرقابة على هذا الاستثمار، ويكون ذلك من خلال الملكية، اي عدد من الاصوات المتناسب مع النصيب النسبي في رأس المال والتمثيل في مجلس الادارة وايضا من خلال عقود الانتاج والادارة او السيطرة على اسلوب الانتاج. ومن حيث نقل التكنولوجيا، يقوم المستثمر الاجنبي بنقل التكنولوجيا الى المشروع وتتضمن الحزمة التكنولوجية انتقال سلع ورأس مال وعمالة ماهرة وفنية وخدمات فنية وادارية وتنظيمية وتسويقية ومعرفة فنية وعلامات تجارية. لزوميات «العولمة» وبخصوص ايجابيات وسلبيات الاستثمارات الاجنبية، فان من اهم العوامل التي تساعد الدول النامية على الانضمام لنظام العولمة، زيادة تدفق الاستثمارات الاجنبية المباشرة الى الاقتصادات الوطنية الى جانب مجموعة من الايجابيات التي تمتاز بها الاستثمارات الاجنبية المباشرة ومنها تحقيق الاستثمارات فوائد ومنافع للدول المستقبلة لها تتمثل في زيادة تراكم رأس المال، والتقدم التكنولوجي وتطوير الهياكل الانتاجية واصلاح الخلل في موازين المدفوعات وموازنة الدولة. كما تساعد هذه التدفقات على توفير فرص وظيفية ورؤوس أموال جديدة، ويعد الاستثمار الاجنبي المباشر وسيلة لنقل التكنولوجيا، وقد تمكنت دول عدة من اقامة مشروعات ضخمة ذات مستوى فني متقدم بالافادة من هذه الاستثمارات، مثل المشروعات البتروكيماوية في السعودية والكويت والامارات، وايضا تصميم وتنفيذ بعض مشروعات البنية الاساسية المتقدمة، مثل شبكات الكهرباء ومحطات تحلية المياه والطرق والجسور والموانئ والمطارات. ويساعد الاستثمار الاجنبي على خلق مجموعة من الوفورات الخارجية والمنافع الاجتماعية عن طريق زيادة رأس المال الاجتماعي من خلال ما يقوم به المستثمر الاجنبي من رصف وتمهيد للطرق المؤدية الى مشروعه، وتوصيل ومد لشبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء، وفي مقابل هذه الايجابيات، ثمة عدد من السلبيات التي يمكن ان تعوق الاقتصادات المستقبلة للاستثمارات الاجنبية من أهمها، سيطرة رأس المال والاستثمارات الاجنبية على مقدرات الدول الاقتصادية، وتركز نشاط غالبية هذه الشركات الاستثمارية في مجال التجارة وتداول السلع والخدمات، من دون أي تقدم يذكر في مجال الانتاج، حيث انها تبحث عن الربح السريع ولا تشارك في المشروعات التنموية الحقيقية. اضافة الى تشجيع الشركات الاجنبية المستمرة على الاستهلاك والانفاق عن طريق الدعاية المكثفة على سلعها وتشجيع انماط استهلاكية غير مرغوبة، حيث انها تعرض سلعاً استفزازية مستوردة ترغب في الثراء الفاحش والاستهلاك المنهك، وقد يؤدي تدفق الاستثمارات الاجنبية الى إعاقة الصناعات المحلية أو حرمانها من استحداث عمليات تصنيع جديدة أو التوسع في عمليات التصنيع القائمة لديها مع احتمال ان تؤدي الاستثمارات الاجنبية المصحوبة بتقنية عالية الى سوق تفتقد الى هذه التقنية الى طرد المنافسين المحليين وبالتالي تدمير وزوال القدرة الصناعية الموجودة في البلد، ما يؤدي في نهاية الامر الى خلق نوع من الاحتكار. تهديد الامن القومي كما تشكل الاستثمارات الاجنبية المباشرة تهديداً للأمن القومي في البلد المتلقي نتيجة تحول ملكية قطاعات معينة في البلاد كقطاع الاتصالات والطاقة وتحلية المياه، وغيرها لمستثمرين اجانب ومنافسة الاستثمارات الاجنبية للاستثمارات المواطنة، وتركز الأولى في استثمارات قصيرة الاجل لا تخدم التنمية الاقتصادية والقطاعات الانتاجية، ويمثل وجود الاستثمارات الاجنبية احياناً نزفاً حقيقياً لاحتياطي العملات الاجنبية. كما ان وجود الاستثمارات الاجنبية يؤدي الى التوسع في واردات الدولة المضيفة من السلع الوسيطة والخدمات، وتحويل ارباح تلك المشروعات الى الخارج، ما يشكل اعباء على موازين المدفوعات بسبب اتباع سياسة تسعير الصادرات والواردات التي تنتهجها الشركات الاجنبية المستثمرة. اضافة الى ان التقنية التي تصاحب الاستثمارات الاجنبية عادة لا تلائم ظروف الدول المضيفة من حيث المواصفات والمستلزمات، كما انها غالباً ما تكون كثيفة رأس المال، قليلة العمالة، ما يؤدي الى انتشار البطالة في الدول المضيفة، وتؤدي الاستثمارات الى استمرار ظاهرة الازدواجية في الاقتصاد الوطني، حيث ينقسم هذا الى مشروعات جديدة، اجنبية تعمل بأحدث الفنون الانتاجية، واخرى تقليدية وطنية تستخدم اساليب انتاج غير متطورة، ويؤدي هذا الى زيادة درجة عدم عدالة توزيع الدخل في المجتمع، اضافة الى ما يمكن ان تلقي به هذه الاستثمارات من تأثير في السياسة العامة للدولة المضيفة، وكذلك قابليتها للخضوع لضغوط الحكومات الاجنبية بشكل غير مباشر من خلال الشركات الاجنبية، ومن ثم قد يؤدي نشاط هذه الشركات الى الانتقاص من الاستقلال الاقتصادي والسياسي للدول المضيفة بدرجات متفاوتة. وعلى الرغم من سلبيات الاستثمارات الاجنبية، فان عولمة الاقتصاد لم تدع مجالاً آخر للدول لتسلكه سوى الاندماج في الاقتصاد الدولي ومسايرة قواعده والالتزام بقوانينه لان أي خروج عنها لن يضر إلا بها وليس بغيرها من اعضاء المجتمع الدولي.