الاحد 12 رمضان 1423 هـ الموافق 17 نوفمبر 2002 لقد افرزت العولمة المالية حسنات عدة لا يمكن انكارها اهمها تحسين توزيع موارد العالم المالية في مختلف البلدان، وفتح سبل جديدة امام موردي الخدمات المالية وزبائنهم لتنويع مخاطرهم ودفع الدول الى التكتل ضمن مجموعات اقليمية للاستفادة من الوفورات الاقتصادية للحجم الكبير. وقد اطلقت مؤخرا مجموعة الدول الاوروبية عملتها الموحدة اليورو التي من المتوقع ان تشكل مستقبلا عملة منافسة للدولار الأميركي في تكوين الاحتياطات المركزية والخاصة وفي الصفقات والمبادلات واصدارات الصكوك الدولية. لكن العولمة المالية كشفت بالمقابل عن مخاطر عديدة مقابلة، فهي أحدثت تعقيدات جديدة في مجالات سياسة البنوك المركزية الثلاثة: السياسة النقدية، والتنظيم المالي والرقابة، وسياسة نظام المدفوعات. كما كشفت الازمات المالية التي اندلعت بفعل عمليات التحرر المالي من وجود ترابط وثيق بين سلامة المؤسسات المصرفية والمالية في بلد معين من جهة وسلامة نقده الوطني من جهة اخرى. ويقع في رأس المطلوب من المصارف العربية من اجل حسن مواكبة العولمة المالية تعميق عمليات الدمج المصرفي في كل بلد عربي وهذا أمر يصب باتجاه تدعيم مشروع اقامة السوق العربية المشتركة، فليس من الممكن تصور قيام هكذا سوق دون وجود لمؤسسات مصرفية عربية عاملة في كافة ارجائه. أيضا من المهم والحيوي ان يكون هناك تحوط قوي من جانب المؤسسات المصرفية العربية من انتقال ازمات وعدوى الاسواق الخارجية اليها، وهذا الامر يتطلب اعتماد السياسات والانظمة الخاصة بحسن الاحتراز من المخاطر المتأتية من التعامل مع الخارج. فيجب ان يكون هناك حذر في تكوين المحافظ الاجنبية، وان يتم التعاطي بمرونة مع ظاهرة الدولرة من خلال السماح للقطاع المصرفي الاحتفاظ بجزء كبير من أمواله الخاصة وودائعه بالعملات الاجنبية وايضا السماح لهذا القطاع بتكوين المؤونات العامة والخاصة المطلوبة بالعملات الاجنبية. تبييض الأموال الملوثة وتسويد الاموال النظيفة جميع المسئولين في القطاعات العامة والخاصة بما فيها القطاع المالي على اقتناع بان المصلحة العامة تقضي بحفظ هذه المؤسسات العربية عن العمليات غير المشروعة. فاقتصاد الجريمة لا يمكن التعويل عليه كبديل أو حتى كرديف للاقتصاد الشرعي في التأسيس لأي نمو داخلي أو اقليمي، كذلك الجميع على اتفاق بان السعي لجذب الاموال المحلية والاجنبية للاستثمار داخل الدول العربية يجب ان يتم من خلال التحوط من تسرب الاموال غير المشروعة الى الاقتصاديات العربية لما يلحقه هذا الامر من ضرر بسمعة هذه الاقتصاديات وبخططها التنموية خصوصا تلك المتعلقة بالخصخصة. لقد سجلت السنتان الاخيرتان نجاحا بينا في تجهيز العديد من الدول العربية بقوانين وانظمة تنقي مؤسساتها المالية من شبهة امكانية استخدامها في عمليات تبييض الاموال لنقص تشريعي أو تنظيمي يحكم اداء هذه المؤسسات، الا أن المستجد، بعد احداث 11 سبتمبر 2001، ظهور اجماع دولي في مكافحة الارهاب من خلال استعمال تقنيات وأدوات النظام المالي. وقد تجلى هذا الامر بقرار مجلس الامن رقم 1373. الواقع المستجد يفرض بلا ريب ضغوطات مرهقة على الدول العربية باعتبار ان الاسماء التي تداولتها وسائل الاعلام حول مسئوليتها وارتباطها بعمليات الارهاب هي بغالبيتها العظمى اسماء عربية واسلامية، من جهة اخرى ترزح غالبية الدول العربية تحت ثقل عجوزات متنوعة ولا تستطيع التكيف بسرعة مع قرارات مالية قاسية تقيد عمليات التحويل منها واليها وتحجب السيولة عنها. ان من أهم الاجراءات المطلوب اتخاذها عربيا من اجل ضمان سمعة القطاع المصرفي العربي في هذه المرحلة، التالي: ـ انشاء آلية ولجنة اقليمية شبيهة بتلك الموجودة في أميركا اللاتينية والشمالية وشرق آسيا بهدف تنسيق المكافحة الجماعية لتبييض الاموال وتمويل اعمال الارهاب. ـ انشاء مركز اقليمي لتسوية شتى المدفوعات البينية العربية للتقليل من حاجة استعمال مراكز اجنبية وسيطة. ـ اخضاع جميع نشاطات عمليات تحويل الاموال، بما فيه تلك التي تتم بالوسائل الالكترونية أو عن طريق الحوالة، للاشراف ورقابة السلطات المالية أو النقدية على ان يكون ذلك على وجه لا يقيد حرية حركة رؤوس الاموال أو جهود تحرير الاقتصاد. ـ التشدد في توفير متطلبات الادارة السليمة والافصاح والشفافية في المؤسسات المالية الاسلامية للتصدي لبعض المحاولات التي حصلت لمحاصرة هذه المؤسسات بسبب الشبهة التي اثيرت بعد حوادث سبتمبر 2001 حول نشاط بعض المؤسسات الانسانية. دعم برامج اطلاق الاسواق المالية العربية بالمقياس العالمي، لا تزيد حصة الدول العربية من اجمالي حركة الرساميل المذكورة على 2% وهي نسبة ضئيلة اذا ما تمت مقارنتها بالنسب الاخرى العائدة الاسواق الناشئة في آسيا وأميركا اللاتينية وشرق أوروبا. ومن أهم العوائق امام نمو الاسواق المالية العربية عدم الشفافية الكافية في الاصدارات الدولية وغياب بيانات الشركات العربية، اضافة الى النقص الكبري في السيولة وصغر قيمة الاصدارات المحلية، تنامي سيطرة الملكية العائلية على معظم الشركات مما يعني الاصدار الجزئي أو المحدود لأسهم الشركات الكبرى في الاسواق العربية، تعدد وصرامة التقييدات المالية التي فرضتها بعض الدول الغربية بعد احداث 11 سبتمبر والتي دفعت الى استعادة قسم من التوظيفات العربية من هذه الدول. من أهم الاجراءات والتدابير المطلوبة لرفع جاذبية الاسواق العربية للاستثمارات المحلية والعربية التالي: ـ تطوير الأطر التشريعية والتنظيمية والرقابية، ويشمل ذلك بناء الاطر والهياكل المؤسسة وخاصة ما يتعلق بجانب الوساطة المالية، وبالذات في مجال تطوير خدمات السمسرة وضمان تغطية الاكتتاب في الاصدارات. ـ الولوج في عمليات الخصخصة وتنامي دائرة ملكية المساهمين في الشركات التي انتقلت اليها الانشطة. ـ تحقيق درجة أعلى من الربط بين أسواق الأوراق المالية العربية وفتحها للتداول الاقليمي عبر تشجيع الادراج المتبادل، وإتاحة المجال للوساطة المالية عبر الحدود وتنفيذ عمليات التسوية العائدة لها من خلال مؤسسات اقليمية. ـ تحسين مستوى الشفافية المالية ودرجة الافصاح المالي واعتماد المعايير الدولية المقبولة عند نشر الاحصاءات والبيانات. تجاوز ضغوطات أحداث 11 سبتمبر وتداعياتها تباطأ النشاط المصرفي العربي في العام 2001 بالقياس الى مستوياته في العام الماضي، ومن المقدر ان يتواصل هذا التباطؤ في العام 2002 وربما فيما يليه. بيد ان نمو الصناعة المصرفية يبقى بالرغم من كل ذلك ممكنا شرط تجاوز التحديات السابقة المذكورة أعلاه. وأهم التطورات التي تأتت من احداث 11 سبتمبر 2001 وساهمت في تباطؤ النشاط المصرفي العربي التالي: ـ انخفاض العوائد العربية تبعا لانخفاض معدلات الفوائد في اسواق الدول الصناعية من اجل تحريك اقتصادات هذه الاخيرة وخسارة العرب قسماً مهماً من قيم محافظ استثماراتهم المالية الدولية والاقليمية. ـ تباطؤ تدفق الرساميل في الخارج والتي مصدرها القطاع الخاص غير المقيم (سواء من اجانب أو مغتربين عرب) الى مصارف دول المنطقة العربية. ـ اثارة مسألة ضرورة مكافحة عمليات تمويل الارهاب وما نتج عنها من طلب المرجعيات المالية والأمنية الدولية من العديد من السلطات والمصارف العربية وفرض هذه المرجعيات العديد من المعايير والقواعد من اجل التأكد من الانضباط في مكافحة تبييض الاموال وتمويل الارهاب. وقد وضعت هذه التدابير الدولية امام المصارف العربية ضغوطاً وقيوداً ساهمت بشكل مباشر في خسارة بعض الزبائن وأحداث توتر في العلاقات مع الافراد والمؤسسات التي طلب من المصارف تجميد اموالهم وحدت من التوسع الطبيعي في قاعدة الزبائن. ـ تقلص اعمال المصارف الاسلامية عموماً بسبب المضايقات التي تعرضت لها من قبل مرجعيات رقابية ومصرفية بحجة تعاملها مع زبائن يوجد شك بانغماسهم بأعمال ارهابية بنظر بعض السلطات السياسية. تجهد جميع الدول العربية حاليا في تنفيذ خطط اصلاح مالي واقتصادي يقوم اساسا على فكرة الاستقرار النقدي لتنمية اقتصادياتها اضافة الى تحرير النشاطات الاقتصادية وتوسيع مشاركة القطاع الخاص. ان المطلوب من المصارف العربية دعم خطط الاصلاح المذكورة في سياساتها وبرامجها، فأزمة الاسواق المالية الاسيوية وغيرها من الازمات اظهرت ارتباطا عضويا بين استقرار النقد وسلامة القطاع المصرفي، فلا وضع مصرفي سليم في ظل وضع نقدي متدهور والعكس صحيح. من جهة اخرى، يتعين على المصارف العربية زيادة مساهمتها التنموية في الاسواق المالية ودفع عجلة قرارات التخصيص والقيام بدور مهم في الترويج لاسهم الخصخصة أو ضمان الاكتتاب بها. لان الامرين السابقين يعتبران عاملا حيويا في التأسيس لنمو حقيقي في اقتصاديات الدول العربية ويفيد في حال حصوله المصارف ذاتها ان المطلوب من المصارف العربية في هذا المجال مراجعة دور الوساطة المالية التي تقوم به بجعله اكثر تكيفا مع المناخ الاقتصادي والمالي العربي الطاريء، والمهم هو تبنيها أسلوب عمل يقترب بها بشكل اكبر نحو المصارف الاستثمارية ونحو تمويل المشاريع المتوسطة والطويلة الاجل ليس فقط بتقديم الموارد المطلوبة بل ايضا لاداء الخدمات الاستشارية.