الاحد 12 رمضان 1423 هـ الموافق 17 نوفمبر 2002 اذا كان قدر ان تصبح منطقة الخليج بهذه الدرجة من الحساسية كي تتعرض لازمات اقتصادية طوال العقدين الماضيين فان حدوث ازمة اقتصادية جديدة سوف يكون لها ظلال قاتم واثار وانعكاسات وخيمة وتدخل الاقتصاد الخليجي في ظروف صعبة للغاية لاسيما وان دول وشعوب هذه المنطقة مازالت تعاني من تداعيات وانعكاسات الازمات السابقة، وحدوث ازمة جديدة لن يكون لها اثار صعبة على اقتصادات ومجتمعات الخليج فحسب ولكن في الوقت ذاته سوف تترك آثارا سلبية على الاوضاع الاقتصادية العالمية بما فيها اقتصادات الدول الصناعية، الامر الذي يدفعنا إلى تحديد تلك الانعكاسات في محاولة لتعريف اصحاب القرار في دول المنطقة أو الدول الصناعية وبقية دول العالم للعمل بالحيلولة لتجنب حدوث هذه الازمة. واذا كنا تناولنا عددا من تلك الاثار والانعكاسات في الحلقة الماضية فاننا نستكملها حسب مايلي: ـ من انعكاسات هذه الازمة انها سوف تعزز قناعة المستثمرين سواء الخليجيين انفسهم أو المستثمرين الاجانب بعدم جدوى الاستثمار في هذه المنطقة التي تتعرض لازمات متتالية وبالتالي لانهيارات اقتصادية صعبة، وهنا فان المستثمرين الاجانب سوف يحجمون عن الاستثمار في هذه المنطقة رغم كل المقومات والمزايا المتوفرة فيها، ثم ان المستثمرين الخليجيين وحتى المقيمين فيها سوف تتعزز لديهم القناعة بضرورة الابقاء على استثماراتهم ورؤوس اموالهم بعيدا عن هذه المنطقة الساخنة من العالم، ولا بأس من الاحتفاظ بها على هيئة ودائع في مصارف غربية وعلى رأسها الولايات المتحدة رغم تعرضها للتآكل بحكم التضخم أو حتى دفع فوائد عليها كما يحدث في سويسرا ورغم التهديدات المتكررة من قبل دول غربية مثل الولايات المتحدة بتجميد أو مصادرة هذه الاستثمارات أو الودائع تحت طائلة مواجهة الارهاب المزعوم من قبل افراد من ابناء هذه المنطقة، وهذا ما حدث في الولايات المتحدة مؤخرا حينما اخذت تبتز رؤوس الاموال السعودية من خلال دفعها لاسر ضحايا سبتمبر 2001 لمطالبة الادارة الاميركية بمصادرة وتجميد اموال واستثمارات سعودية يزيد قدرها عن 700 مليار دولار، ثم قبل ذلك تعرض اموال ايرانية وكذلك ليبية، ثم عراقية لاعذار واهية يمكن وصفها بانها شكل من اشكال الارهاب الاقتصادي الذي تمارسه الولايات المتحدة ضد دول وشعوب اسلامية حيث اعطت الولايات المتحدة لنفسها الحق في مصادرة حقوق هذه الدول والشعوب بعد ان صادرت حقوقهم في العيش بآمان واستقرار، ومنطقة الخليج وشعوبها يحصدون نتيجة السياسة الاميركية القائمة على الابتزاز واختراق حقوق الآخرين. ـ ان حدوث ازمة خليجية ثالثة في هذه المنطقة سيكون له تداعيات خطيرة على صعيد الاوضاع المعيشية والاقتصادية والتجارية الداخلية لدول الخليج سواء على القطاع العام أو القطاع الخاص، ذلك ان تزايد معدلات البطالة، وتقلص الانفاق العام والخاص وتراجع معدلات النمو الاقتصادي، وتعطيل مشاريع التنمية، ثم تراجع مستويات الخدمات الصحية والاجتماعية والاقتصادية التي تقدمها حكومات هذه الدول لشعوبها والمقيمين فيها انما يشكل هذا تهديدا حقيقيا للاستقرار الامني والاجتماعي والاقتصادي والتجاري في هذه المنطقة، خاصة بعد ان تصبح جل اهتمام هذه الحكومات ينصب على النواحي الامنية ويصبح الانفاق الاكبر على توفير اسباب الامن اكثر من تحقيق اسباب الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. ومن ناحية اخرى يصبح اهتمام حكومات هذه الدول هو في كيفية سداد فواتير غزو عسكري أميركي بريطاني وذلك على غرار مساهمة هذه الحكومات في فواتير تكاليف تحرير الكويت والمساعدات التي قدمتها للدول العربية والاجنبية المتضررة من ازمة الخليج الثانية، وهنا اشارة إلى ان النفقات العامة في دول مجلس التعاون قد سجلت قفزة قياسية بسبب ازمة الخليج الثانية 1995، ومثال على ذلك ما حدث في الامارات التي سجل حجم الانفاق ارتفاعا كبيرا بسبب تداعيات تلك الازمة وما ترتب على الامارات ان تدفعه لدول التحالف والدول المتضررة فقد بلغ هذا الحجم 53.5 مليار درهم في عام 1995 مقابل 38 مليار درهم في العام السابق أي في عام 1989 أي ان الزيادة قد بلغت في ذلك العام 15.5 مليار درهم وما نسبتها 40%، فيما واصل حجم الانفاق زيادة جديدة في عام 1991 ليصل حجم الانفاق إلى 60.7 مليار درهم وبنسبة زيادة بلغت 13.6%! ـ من انعكاسات حدوث ازمة جديدة في هذه المنطقة على صعيد التجارة الخارجية لدول المجلس خاصة العراق هو انخفاض وتراجع حاد في حركة التجارة والتبادل التجاري بين دول المجلس والعراق فيما اذا حدث الغزو وسوف يصيب ذلك الغزو حركة التجارة في العمق خاصة بعد ان اعتقد تجار المنطقة وشركاؤهم بان عودة الاستقرار إلى العراق سوف يفتح آفاقا جديدة امام حركة البضائع والسلع سواء المنتجة داخليا أو التي يتم اعادة تصديرها من اسواق المنطقة إلى سوق العراق، من ناحية اخرى فان الميزان التجاري بين دول الخليج قاطبة ودول العالم سوف يهتز كثيرا حينما يحدث الغزو وترتفع درجة المخاطرة في المنطقة يترتب عليه ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين على السلع والبضائع من وإلى هذه الدول، كما ان اسعار السلع والبضائع التي يتم تسويقها في اسواق المنطقة سوف تسجل ارتفاعا كبيرا سواء بفعل تكاليف الاستيراد أو بسبب تلاعب التجار والشركات الذين يجدون في هذه الازمة فرصة سانحة لتعظيم ارباحهم وتحقيق مكاسب قياسية. ـ ان حدوث غزو عسكري أميركي بريطاني للعراق سيؤدي لا محالة إلى خلق اهتزاز شديد للسوق النفطية العالمية التي سوف تشهد حرب أسعار النفط فيها سواء فيما بين الدول الأعضاء في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) أو فيما بين دول المنظمة والدول المنتجة والمصدرة للنفط من خارج المنظمة، ولعل هذا يدفع بالأسعار إلى التدهور والانخفاض، وهذا ما سعت اليه الولايات المتحدة الى تحقيقه والتخطيط له من توجيه هذه الضربة حيث من المتوقع انخفاض الأسعار من 23 دولارا للبرميل الى 13 دولارا، وهذا ايضا الدافع الأساسي من وراء رفض روسيا لغزو أميركي للعراق لانها كدولة منتجة للنفط ومصدرة له تسعى الى تحسين أوضاعها الاقتصادية الداخلية خاصة وانخفاض أسعار النفط وبالتالي لن يكون لصالحها حيث تكون احدى الدول او الاطراف الخاسرة من حدوث ازمة جديدة. ـ ان حدوث ازمة خليجية ثالثة بعد ازمات عديدة يعني تفاقم أكبر في الاوضاع المالية لدول الخليج عامة ودول المجلس خاصة وبالتالي في ظل رغبة حكومات هذه الدول وفي خصخصة اقتصادياتها ومنح القطاع الخاص فرصة تفعيل الاوضاع الاقتصادية فيها وعليه فان تعرض المنطقة لأزمة جديدة لن يتيح للقطاع الخاص فرصة تفعيل الاوضاع الاقتصادية فيها وعليه فان تعرض المنطقة لازمة جديدة لن يتيح للقطاع الخاص القيام بدوره المنتظر بعد ان تؤدي تلك الازمة الى تدفق السيولة من السوق المالية الخليجية الى الاسواق العالمية وذلك كما حدث في أزمة الخليج الثانية (1990) وبالتالي تصبح كلفة رأس المال مرتفعة ولن يقبل بها القطاع الخاص كي يقترض من المصارف ويستثمر في السوق، خاصة اذا ما دخلت حكومات هذه الدول كطرف منافس في الاقتراض الداخلي لسداد التزاماتها وتقليص عجوزات موازناتها!! ـ ان حدوث غزو أميركي بريطاني للعراق بتوجيه ضربة عسكرية له إنما يعني فشل مشاريع الاستثمار في المنطقة وتعطل مشاريع التنمية فيها وبالتالي لن يكون للقوانين والتشريعات ذات العلاقة بالاستثمارات الاجنبية والتي اصدرتها دول الخليج ومنها دول المجلس لن يكون لها جدوى حقيقية، كما لن تجدي كل الاغراءات والتسهيلات المقدمة للاستثمار الاجنبي حتى لو كان في ذلك الغاء كامل للضرائب وحرية كاملة للتحويلات. فالاستثمارات الاجنبية سوف تحجم عن الاستثمار، بل ربما يهاجر الجزء الموجود والعامل هنا الى الخارج. ـ اذا كانت دول الخليج عامة ودول المجلس خاصة وفي اطار سعيها نحو تنويع مصادر دخلها وتنويع قاعدتها الانتاجية ورغبتها في الحضور الدولي على الخريطة السياحية باستقطاب أفواج السياحة العالمية وتنظيم برامج سياحية وترفيهية من خلال مشاريع قد كلفت خزائن هذه الدول الكثير فان حدوث ازمة جديدة من شأنه أن يضرب كل مشاريع السياحة وبدلا من ان تدخل هذه الدول خريطة السياحة الدولية وتنويع قاعدتها الانتاجية فان هذه الازمة من شأنها ان تفشل كل تلك المشاريع والاستثمارات السياحية وتعطل حركة السياحة فيها. ـ اذا كانت دول المجلس قد عانت كثيرا من الازمتين الخليجيتين الماضيتين بسبب الاوضاع التجارية والاقتصادية ثم تحمل فواتير الحرب وتدفق اللاجئين العراقيين والكويتيين على السواء فان دول المنطقة سوف تعاني كثيرا في هذه المرة من تدفق اعداد من اللاجئين المقيمين في العراق ودول اخرى قريبة من منطقة الصراع والمواجهة وبالتالي على دول المجلس ان تتحمل استضافة هؤلاء الذين سيتدفقون إلى حدود دول المجلس خاصة من السعودية والكويت ودول عربية كالاردن واجنبية كايران وتركيا، وسوف تضطر دول المجلس ان تتحمل اعباء تلك الاستضافة وحتى المشاركة في تمويل مشاريع الاستضافة تلك! إذا كانت تلك تداعيات وانعكاسات واثار الغزو الأميركي البريطاني للعراق وذلك في مسارها الاقتصادي فقط فما هي تداعياتها وانعكاساتها على الاوضاع النفسية والاجتماعية والعسكرية والبيئية؟ هل قامت مراكز الدراسات والبحوث الاستراتيجية بدراسة تلك التداعيات والآثار؟ هل يعي اصحاب القرار السياسي والاقتصادي في دول الخليج عامة مدى خطورة تلك الضربة العسكرية على شعوب المنطقة ومشاريعها؟ كيف يمكن لهذه المنطقة ان تتجنب تلك الضربة التي لن يكون نطاق تأثيرها على العراق وحده وانما الخليج والعرب والعالم بأسره؟ لماذا ترفض دول بعيدة كفرنسا والمانيا وروسيا والعديد من دول العالم توجيه ضربة عسكرية للعراق فيما يصبح موقف دول الخليج يتسم بعدم الوضوح أو الضبابية وربما الازدواجية، ثم اخيرا ماذا اعدت منطقة الخليج من ضمانات وسبل لمواجهة تداعيات واثار هذه الضربة العسكرية التي ربما تمتد لتشمل المنطقة بأسرها؟!