الاحد 5 رمضان 1423 هـ الموافق 10 نوفمبر 2002 دعونا نحتفي بالابطال الحقيقيين للاقتصاد الاميركي والاقتصادات الدولية ونقصد بهم المستهلكين الأميركيين، فهؤلاء الذين لم تحبطهم اسعار الاسهم نجحوا في التغلب على الركود الاقتصادي هنا وفي الخارج كذلك من خلال الواردات، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا بقوة هو: هل استنفد المستهلكون انفسهم وباتوا على وشك الافلاس؟ وإذا كان الامر كذلك، فان الصورة المستقبلية للاقتصاد تكون كئيبة، لكن هنالك بعض المؤشرات المنذرة بالسوء ومنها: ـ مبيعات التجزئة تشهد تراجعا، فحتى محلات وال مارت، التي استفادت مع بحث المتسوقين عن المدخرات عانت من تباطؤ في مبيعاتها، وطوال الجزء الاكبر من عام 2002، ارتفعت مبيعاتها من 5% إلى 6% في المحلات المفتتحة منذ سنة على الاقل، وفي سبتمبر الماضي، كانت نسبة ارباحها 3.3%، وكانت نتائج ارباح العديد من سلاسل المحلات التجارية الاخرى اسوأ بكثير. ـ هنالك هبوط في الثقة: في اكتوبر الماضي، هبط مؤشر جامعة ميتشيغان حول رأى المستهلك إلى 80.6 وهو ادنى مستوى له منذ عام 1993، وكانت نسبة الاسر المبلغة عن تراجع وضعها المادي لاعلى في غضون عقد من الزمن. ـ اقتراض المستهلكين ربما يشهد تباطؤاً: في اغسطس الماضي، زاد الاقتراض بمعدل سنوي بلغ 2.9%، بينما كان المعدل في وقت سابق من العام 59%، ربما يكون المقرضون متخوفين من الخسائر وقد يشعر المقترضون بأنهم مفرطون في التورط، أو ربما كلاهما. يقول ماري زاندي من شركة ايكونومي دوت كوم إن «المستهلكين يفكرون بتقييد الانفاق». ان هذا الوضع من شأنه ان يترك آثاراً مدمرة لان الانفاق الاستهلاكي وبناء المنازل يمثل قرابة 75% من الاقتصاد «الناتج المحلي الاجمالي»، وكل شيء عدا ذلك يعتبر ضعيفاً ومنذ اواخر عام 2000، تراجع الاستثمار الاقتصادي باستمرار، وهناك بالفعل الكثير من المكاتب الخالية والمصانع الفائضة، والانفاق الحكومي الفيدرالي العالي يخففه الانفاق الضعيف على صعيد الولايات والصعيد المحلي، والصادرات تتراجع لان الاقتصادات الاجنبية تتراجع هي الاخرى، يقول زاندي إن مفتاح الحل هو الوظائف، فاذا احتفظت الشركات بسياستها فيما يتعلق بجدول الرواتب «لا تفصل المزيد من المستخدمين»، عندها سيكون لدى المستهلكين ما يكفي من السيولة النقدية، وسيكون الاقتراض رخيصا بدرجة كافية، ليجعلنا نعبر هذه الازمة بدون حدوث ركود اقتصادي. ان الاخطار المحدقة بالمستهلكين - علاوة على الوظائف - تعتبر واضحة، واحد تلك الاخطار هو سوق الاسهم، فقد خسرت هذا العام 27 تريليون دولار من قيمتها «حتى 25 اكتوبر» حسب بيانات شركة ويلشاير اسوشيتس، وعندما يشعر المستهلكون بأنهم اكثر فقرا، فانهم قد يزيدون من ادخارهم ويقللون من انفاقهم، والتهديد الاخر هو الدين، ففي يونيو الماضي، افرد المستهلكون 14% من دخلهم المخصص للانفاق لخدمة الدين، ومن ضمنها فائدة الرهن والدين الاصلي، وكانت تلك النسبة تعد بمثابة انخفاض طفيف عن النسبة القياسية التي سجلت في اخر عام 2001 والبالغة 144%، كما ان ديون بطاقات الائتمان المتأخرة في البنوك، الدفعات المستحقة منذ 30 يوما أو اكثر، تقترب الان من تسجيل رقم قياسي بنسبة تبلغ 391%، وفرضت شركة سيرز مؤخرا رسوما بقيمة 222 مليون دولار لمواجهة الخسائر الائتمانية المستقبلية وهي تقوم بتشديد الاجراءات المتعلقة بالاقراض. ومع ذلك، فان معظم المتنبئين يعتقدون ان الانفاق الاستهلاكي القوي سيحافظ على الانتعاش الاقتصادي، وقد يكونون على حق لاسباب ثلاثة، السبب الاول هو ان المتسوقين باتوا على درجة عالية من الوعي بالاسعار، فالناس يتسوقون مع اقتراب موعد العطلات «اعياد الهالوبين والميلاد» للحصول على اكبر الخصومات، وقد تكون البيانات الشهرية الخاصة بالمبيعات اقل قابلية للاعتماد، وذلك لان الانفاق يعتبر اكثر انتفاخا، وهذا قد لا يساعد البائعين بالتجزئة الذين انخفضت اسعارهم وارباحهم، ولكنه يمكن ان يحافظ على الانتاج بحسب ما يشير مارك ليفنسون من شركة «جي بي مورغان سكيوريتيز». ثانياً، ان اسعار الفائدة المنخفضة تبقى مسكنا اقتصاديا هائلا، فعمليات اعادة تمويل الرهن كانت عبارة عن كسب غير متوقع، فقد استطاع اصحاب البيوت ان يقللوا من الدفعات الشهرية أو قاموا باقتراض مبالغ اكبر بضمان قيم اعلى للمنازل، وبالنسبة لعام 2002، فان زاندي يقدر ان عمليات اعادة التمويل «النقدية» هذه وقروض المنازل الجديدة ستصل قيمتها الاجمالية إلى 269 مليار دولار، القصة مماثلة في مجال صناعة السيارات، ففي اغسطس الماضي، بلغ متوسط اسعار الفائدة على القروض الجديدة من شركات تمويل السيارات 2% وكان الرصيد النموذجي يبلغ 26200 دولارا، وفي عام 1999، بلغ متوسط اسعار الفائدة 67% على الرصيد البالغ 19900 دولارا، ويعتبر الاقتراض بفائدة منخفضة احد الاسباب التي تجعل شركة جنرال موتورز تتوقع ان تبقى مبيعات صناعة السيارات قوية نسبيا في عام 2003، بحسب ما يقول بول باليو، كبير محللي السوق لدى جنرال موتورز، وتتوقع جنرال موتورز ان يبلغ حجم المبيعات 165 مليون سيارة العام المقبل مقارنة بـ 17 مليون سيارة في عام 2002. واخيرا، قد يكون المستهلكون اقوى ماليا مما كان يعتقد، ففي اواخر التسعينيات، كان معدل ادخار الناس اقل من معدل انفاقهم، وعلى ما يبدو انهم كانوا يعتمدون على ارتفاع الاسعار في سوق الاسهم وعلى الثروة الاسكانية، وهذا يوحي بانه اذا انخفضت الاسهم، فان ذلك النمط سينعكس بحيث يرتفع الادخار وينخفض الانفاق، والناس سيقومون باستكمال النقص في المدخرات، والمحت الشخصيات الحكومية إلى وجود تحول جوهري في الانفاق، وذلك لان معدل المدخرات الشخصية «المدخرات كحصة من الدخل القابل للانفاق» اختفى عملياً: فقد كان حوالي الصفر لعامي 1998 و2000 و24% لعام 1999، و16% لعام 2001، وبالمقارنة، فان متوسط ذلك المعدل للفترة من 1990 - 1995 بلغ حالي 7%، ولكن الارقام تلك قد جرى تعديلها الان بمنحى تصاعدي «لتصل إلى 47% لعام 1998، 26% لعام 1999، 28% لعام 2000 و23% لعام 2001» وهذا يوحي ضمنيا بأن أي تحول من الانفاق إلى الادخار قد يكون اقل ايقاعا للفوضى.