الاحد 5 رمضان 1423 هـ الموافق 10 نوفمبر 2002 حقق القطاع المصرفي والمالي العربي قبل الحادي عشر من سبتمبر 2001 نتائج ايجابية بفضل التحسن الذي حصل في مناخ الاستثمار العام خلال الخمس سنوات الأخيرة من الألفية الثانية. هذا التحسن يمكن رده للتالي: عودة أسعار النفط العالمية إلى الارتفاع لمستويات مناسبة، سياسات وبرامج الاصلاح الاقتصادي وتوجهاتها التحررية لتحركات أسعار الفائدة والصرف، سياسات نقدية نجحت في تحقيق الاستقرار النقدي، وبرامج عمل ساعدت في توسيع فرص الاقراض للقطاعات الانتاجية والدخول في أنشطة أسواق رأس المال. إلا ان المنطقة العربية انصدمت بأحداث الحادي عشر من سبتمبر، إذ عرفت سياساتها واستراتيجياتها بعض التقلبات في القطاعين الاقتصادي والمالي اضافة إلى الجوانب السياسية والأمنية. وهناك مجموعة من التحديات مازالت تواجه البلدان العربية نتيجة هذه الأحداث، أهمها الانضمام إلى العولمة لا سيما العولمة المالية، اطلاق الأسواق المالية العربية، دعم نمو المصارف الإسلامية، تعزيز فرص مشاركة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي وخاصة النشاط المصرفي، واستعمال الخدمات المصرفية الالكترونية. ومن أجل اعادة هيكلية القطاع المصرفي العربي والمعايير الدولية يجب أن يتحقق في ظل الأمور التالية: ـ ضغط الاستجابة السريعة للمعايير الدولية في العمل المالي: إن المصارف العربية في صدد ورشة عمل تجهزها في أمور عدة أهمها تطبيق معايير المحاسبة الدولية والتدقيق الداخلي والخارجي وإدارة شتى أنواع المخاطر والعمليات، بما فيها العمليات الالكترونية، والتسوية والشفافية والافصاح وحسن الادارة وغيرها. من أهم المتطلبات الملحة والضاغطة حاليا تلك العائدة لاتفاقية «بال 2». بالرغم من جوانب الضعف في اتفاقية «بال 1»، التي وضعت عام 1988 لتغطي المخاطر الائتمانية، فقد حققت انجازات عدة وأتت بمنهجية بسيطة سهلت اعتمادها من قبل معظم الدول، كما خلقت نقطة ارتكاز للسلطات الاشرافية في تقييمها للمصارف الخاضعة لها. إن المصارف العربية مدعوة إلى التحضير للالتزام بـ «بال 2» من أجل تدعيم موقعها التنافسي في مرحلة التوجه العربي للانضمام الى منظمة التجارة العالمية والانخراط في ركاب العولمة المالية بدلا من البقاء بعيدا عنها مع ما يحمل ذلك من مخاطر التهميش. كما ان الالتزام بـ «بال 2» يتوافق مع استراتيجية معتمدة من قبل السلطات النقدية العربية باعتماد القواعد والمعايير المعمول بها في الصناعة المصرفية العالمية وأهمها: اتفاقية «بازل 1» لكفاية الرساميل الخاصة ومبادئ وقواعد المحاسبة الدولية في مجال الافصاح والشفافية الصادرة عن الـ IASC ومبادئ وتوصيات الـ FATF في مجال مكافحة تبييض الأموال الملوثة وتسوية الأموال المشروعة ومبادئ وقواعد الرقابة الاحترازية الصادرة عن الـ BIS بالاضافة إلى عدد لا بأس به من القواعد والمعايير الدولية. لكن تطبيق اتفاقية «بال 2» سيرتب على المصارف العربية، شأنها شأن المصارف في بقية البلدان الناشئة متطلبات مكلفة مادية وغير مادية. وتتلخص بضرورة زيادة الأموال الخاصة الأساسية أو الأموال الخاصة المساندة لتحقيق عدد من الأهداف أهمها التالية: ـ زيادة قدرة المصارف على بلورة وادارة مناهج قياس المخاطر المعقدة التي تشكل الاضافة الأساسية لاتفاقية «بازل 2» واضطرارها لاتباع المقاربة التي تربط نسب تثقيل المخاطر (Risk weights) بدرجات المخاطر التي تقررها وكالات التقييم العالمية للدول المصارف والمؤسسات. وفي حال عدم توافر هذا التقييم العالمي اعتماد نسبة تثقيل 100%. وتعتمد النسبة الأخيرة أيضا إذا كانت درجة التقييم دون درجة BB على مقياس ستاندرد أند بورز (وهو حال معظم الدول والمؤسسات العربية) مما يعني ان القروض للجهات السيادية، التي تشكل نسبة كبيرة من موجودات المصارف، ستنتقل من درجة مخاطر هي حاليا صفر بالمئة إلى درجة مخاطر 100%. ـ تغطية مخاطر اضافية لم تكن ملحوظة في اتفاقية بازل 1 هي مخاطر التشغيل (Operational Risk). ـ تغطية مخاطر اضافية وهي مخاطر الفوائد أو ما يسمى مخاطر تحويل الآجال التي تجعل من القروض التي هي في الظاهر قصيرة الأجل قروضا متوسطة أو حتى طويلة الأجل، ومنها معظم القروض للمؤسسات في القطاع الخاص وأيضا الاقراض للقطاع العام، سيعتبر وفقا للمنظر ذاته اقراضا طويل الأجل نظرا للاختلالات البنيوية العميقة والمزمنة في المالية العامة لعدد كبير من الدول العربية والتي تجعلها غير قادرة على الالتزام بالسداد ضمن جداول محددة الاستحقاقات. هذا وتثير اتفاقية بال 2 لدى المصارف العربية عددا من الهواجس المشروعة أهمها: ـ عدم تضمن اتفاقية بال 2 مرونة كافية تأخذ بالاعتبار الوضع الخاص لبعض القطاعات والمؤسسات المصرفية العربية، فليس من المعقول الزام الاخيرة التي ينحصر نشاطها بالمعاملات المصرفية التقليدية في السوق المحلي بالطريقة المعيارية المعقدة الموضوعة اصلا لضبط عمليات المصارف الناشطة دوليا. وهذا الأمر سيكون المنطلق لاطلاق عمليات منافسة غير عادلة تبدد المكتسبات التي تروج لها من اعتماد سياسات الانفتاح التي ينظر إليها على انها من مرتكزات العولمة المالية الواعدة للجميع. ـ ضمور دائرة الضمانات والتحوط من المخاطر المعتمدة عربيا، ككفالة الاطراف الثالثة والضمانات العقارية غير السكنية والاتجار والحسابات قيد التحصيل، والاخيرة معتمدة بشكل أساسي في الاسواق التسليفية العربية. ـ ضغوطات متأتية من اعتماد وكالات التقييم الائتماني أو ما يسمى المؤسسات الخارجية لتقييم الائتمان ECAI فمن المعروف انه ليس هناك انتشار لهذا النوع من التقييم الائتماني في الدول العربية أو في معظم الدول الناشئة، حيث ثقافة التقييم مازالت في بدايتها، علما بأن استخدام وكالات التقييم الخارجية ليست بالحل المثالي لا بل ان من الممكن ان تضر بأسواقنا الناشئة. فقد أثبتت التجارب ارتكاب هذه الوكالات للأخطاء مرات كثيرة، وقد تكون متسرعة في رفع درجات التقييم أو مترددة في خفضه، ومن الأمثلة على ذلك ما حدث مع شركة «انرون» وكذلك التقييمات المرتفعة لبعض الدول الآسيوية قبل وبعد الأزمة المالية اضافة الى تعرضها للضغوطات السياسية كما حصل مؤخرا مع الاصدار السيادي لايران ايضا من المعروف ان وكالات التقييم الدولية لا تعمل وفق أنظمة واحدة بل بجداول تصنيف مختلفة الواحدة عن الأخرى، كذلك لا يوجد هيئة أو مرجع تقييمي لوكالات التقييم الدولية ذاتها!! ـ رفع كلفة الاقراض للمؤسسات المتوسطة والصغيرة التي هي الشريحة الواسعة من المؤسسات العربية. ـ تثقيل مخاطر التجارة الخارجية فالاتجاه في اتفاقية «بال 2» هو تثقيل مخاطر تمويل التجارة الخارجية بنسب مرتفعة، وهذا الامر لا يضربالاوضاع المصرفية للدول المتطورة للتدني النسبي لحصة التجارة الخارجية في اقتصادياتها، بعكس الدول العربية حيث تمويل عمليات التجارة الخارجية هو من أهم مظاهر النشاط المصرفي ويتم عادة لآجال تتراوح ما بين الـ 3 أشهر وستة أشهر. فعلينا كدول عربية التعبير عن هذه المآخذ والملاحظات وان يكون لدينا «صوت» لدى المنظمات الدولية مثل الـ BIS.