الاحد 5 رمضان 1423 هـ الموافق 10 نوفمبر 2002 لقد تناولنا في الحلقة الماضية تداعيات وانعكاسات ازمتي الخليج الاولى والثانية واشرنا إلى ان الاوضاع الاقتصادية في دول الخليج عامة ومنطقة مجلس التعاون خاصة لا تحتمل حدوث ازمة جديدة ولكن امام اصرار الولايات المتحدة وحليفتها بريطانيا بتوجيه ضربة عسكرية للعراق فاننا نلاحظ ان هناك بوادر لازمة اقتصادية قد بدأت بالظهور على الساحة الاقتصادية الخليجية حتى قبل حدوث أو توجيه الضربة. وذلك مع استمرار التهديدات الاميركية - البريطانية غير المشروعة بضرب العراق، وربما تلحقها ضربة اخرى إلى السعودية من منطلق ادعاءات الولايات المتحدة بمحاربة الارهاب، غير ان هناك اهدافا استراتيجية تسعى الولايات المتحدة وبريطانيا إلى تحقيقها واصبحت غير خافية على الرأي العام العالمي وقيادات دول العالم. ان توجيه ضربة عسكرية أميركية بريطانية للعراق من شأنه ان يفاقم الاوضاع الاقتصادية ليس في دول منطقة التعاون وانما سوف يكون نطاقها عالميا وسوف تكون لها تداعيات واثار وانعكاسات خطيرة على الوضع الاقتصادي والامني والاستقرار العالمي، ولكن سوف تفاقم الاوضاع الداخلية ولاسيما الاقتصادية بدول المجلس لاسيما وان اثار الازمات السابقة مازالت قائمة. ان اتساع نطاق اثار اية ازمة جديدة ليشمل العالم انما يؤكد دون شك على مدى حساسية منطقة الخليج للعالم خاصة بعد تزايد الاطماع العالمية فيها واستهدافها من قبل دول عظمى واخرى صغيرة، حينما وجدت ان استقرارها السياسي والاقتصادي والامني وترجمة اهداف استراتيجياتها مرتبطة بهذه المنطقة الحساسة وذلك نظرا لما تملكه هذه المنطقة من احتياطيات نفطية وغازية ضخمة، وسوقا تجارية تتسم بنزعتها الاستهلاكية، وقوة شرائية كبيرة، واستعدادا جيد لشراء اسلحة من دول غربية وشرقية لتأمين حدودها وصيانة استقرارها. ان حدوث ازمة جديدة في هذه المنطقة يعني تكبد دول وشعوب هذه المنطقة لخسائر مالية ضخمة بعد ان تعرضت لازمات سابقة حولت هذه الدول من دول ذات فائض إلى دول ذات عجز، ومن دول دائنة إلى دول مدينة، حيث دفعت تكاليف باهظة وفواتير عالية من جراء الازمات السابقة وبالتالي فان حدوث ازمة جديدة بهذه المنطقة يعني خسائر مالية واقتصادية وبشرية وخيمة وربما تؤدي إلى كسر اقتصادات ومجتمعات وشعوب هذه المنطقة، ثم تترك اثارا عميقة على باقي الاقتصادات العربية والعالمية الاخرى بسبب درجة حساسية الاوضاع الاقتصادية في عالم اليوم، ثم لارتباط هذه المنطقة وبشكل مباشر بالاسواق العالمية تأثراً وتأثيراً وهنا نحدد الاثار والانعكاسات والتداعيات المتوقعة على دول مجلس التعاون واقتصاداتها في حال الغزو الأميركي - البريطاني للعراق وبالتالي للمنطقة ومنها الامارات . - من حيث الاوضاع المالية لدول مجلس التعاون فان هذه الدول اصبحت تعاني من العجز في موازناتها الحكومية مما اضطر البعض منها إلى تمويل هذا العجز بالاقتراض الخارجي من خلال مؤسسات ومصارف التمويل الدولية، وهذا دون شك يفرض على هذه الدول تحمل اعباء مديونية خارجية والخضوع لشروط مؤسسات التمويل الدولية، فيما يلجأ البعض الاخر إلى تمويل العجز في الموازنة الحكومية من خلال الاقتراض الداخلي، أي بالاقتراض من المصارف والمؤسسات المالية العاملة في داخل الدولة، وهذا يؤثر بدون شك على السيولة المحلية وارتفاع كلفة الاقتراض من قبل القطاع الخاص في الاقتراض المصرفي الامر الذي يؤدي إلى ارتفاع تكلفة رأس المال عند مؤسسات ووحدات القطاع الخاص، اما البعض الاخير فقد لجأ إلى تمويل العجز من خلال الاحتياطيات والموجودات والاستثمارات الخارجية الامر الذي يؤدي إلى انعكاسات سلبية على المركز المالي لهذه الدولة أو تلك، ثم يؤثر ذلك على سعر صرف عملات هذه الدول في السوق العالمية وكذلك إلى تدهور وتآكل اصولها الدولية، ومن هنا فان غزو القوات الاميركية - البريطانية للعراق يعني بدون شك تحمل دول المنطقة لاعباء مالية جديدة هي ليست مؤهلة لها وسوف تجد نفسها انها مضطرة إلى دفع نصيبها من تكلفة الغزو سواء للقوات الغازية، أو للاطراف المتضررة ومنها دول عربية واجنبية اخرى سوف لن تتردد من تقديم فواتيرها بمجرد انتهاء عمليات الغزو، وسوف تضع الولايات المتحدة جدولا زمنيا للسداد وتحدد تكاليف الغزو والاضرار وتضع نسبتها ونصيب كل دولة من الدول الاخرى، فضلا عن المنظمات الدولية التي سوف تدخل طرفا في العمليات المالية واقتسام الغنائم، ولعلنا في هذا الحال نتذكر كيف اقتسمت الدول الاستعمارية تركة الدولة العثمانية وممالكها بعد الحرب العالمية الاولى. ان الاعباء المالية التي سوف تترتب على دول مجلس التعاون أو تلك التي ستفرض عليها ستفاقم من العجز في موازنات دول المنطقة الامر الذي ينعكس على استقرارها المالي والنقدي وبالتالي الاقتصادي حيث سيكون ذلك على حساب رصيد احتياطياتها واستثماراتها الاجنبية التي سوف تتقلص بعد اقتطاع جزء منها لتمويل تكاليف الحرب كما حدث في ازمة الخليج الثانية، ثم تزايد العجز سيؤدي إلى تقليص الانفاق الحكومي على مشاريع التنمية، ثم على الادخار المحلي والاستثمار المحلي الحكومي والخاص. وهنا نشير كمثال على ذلك إلى الامارات التي سجلت ميزانيتها الحكومية خلال عقد السبعينيات فائضا ماليا وصل اقصاه في نهاية عام 1980 عندما بلغ 14.7 مليار درهم وخلال فترة قياسية مدتها عامين تحول هذا الفائض إلى عجز عندما وصل في عام 1982 إلى 289 مليار درهم في اول ظهور له في ميزانية الدولة وليستمر خلال السنوات التالية في التصاعد حتى بلغ في عام 1999 إلى نحو 295 مليار درهم على الرغم من جهود الحكومة الاتحادية لتقليص هذا العجز من خلال ترشيد الانفاق والسيطرة عليه ويعزى ظهور هذا العجز بالاساس إلى حدوث ازمتي الخليج الاولى والثانية ثم ازمة آسيا حيث انخفض الطلب على النفط وبشدة. من هنا فان حدوث ازمة جديدة بسبب الغزو الأميركي البريطاني للعراق سوف يترتب عليه اوضاع وانعكاسات وخيمة على الاوضاع المالية لدول المجلس وحينها سوف لن يكون هناك مفر امام دول المجلس من اللجوء إلى الاقتراض الداخلي رغم آثاره الاقتصادية السلبية، أو الاقتراض الخارجي وتزايد اعباء المديونية الخارجية، أو اللجوء إلى الاصول الخارجية وفي هذا الكثير من المخاوف الاقتصادية والسياسية، وسوف يتفاقم الوضع المالي حينما يؤدي هذا الغزو إلى انخفاض في اسعار النفط وحرب سعرية بين الدول المنتجة الاعضاء في الاوبك والدول غير الاعضاء ولعل هذا احد الاهداف الاستراتيجية التي تسعى اليها الولايات المتحدة وبريطانيا، وهو ضرب اسعار النفط، ثم تدهور مالي لدول المجلس وادخالها في نفق المديونية ولاسيما الخارجية، وبالتالي جعل اقتصاديات المنطقة تعاني من تصدع!! - ان الغزو الأميركي البريطاني للعراق لن يترتب عليه ارتفاع في اسعار النفط وبالتالي استفادة دول المجلس أو دول الخليج المنتجة للنفط ان دول المجلس سوف تجد نفسها انها مرغمة على تغطية النقص الذي قد ينجم من توقف صادرات النفط العراقية، وسوف تزيد دول المنطقة من انتاجها وفقا للطلب العالمي ربما الذي تحدده الولايات المتحدة ودون المساس بالاسعار التي قد حددته سلفا الدول المستهلكة، واذا ما حققت الولايات المتحدة هدفها الظاهر وهو الاطاحة بنظام الرئيس صدام حسين فان الاوضاع العراقية سوف تدفع بالعراق إلى زيادة طاقته الانتاجية من النفط الخام بناء على اوامر أميركية الامر الذي سوف يؤدي دون شك إلى زيادة المعروض من النفط الخام وبالتالي انخفاض الاسعار التي سوف تتراجع في السوق العالمية من 23 دولارا إلى 13 دولارا، وربما اقل وهذا ما تسعى اليه الولايات المتحدة، فيما يزيد الوضع المالي والاقتصادي حرجا في دول المجلس، لاسيما إذا ما دخلت السودان كطرف منتج للنفط، ثم الاكتشافات النفطية في بحر قزوين ودول افريقية اخرى. - ان حدوث ازمة ثالثة في منطقة الخليج بسبب الغزو الاميركي البريطاني للعراق انما يترتب عليه تراجع في الايرادات المالية لدول المجلس والخليج عامة الامر الذي يؤثر على الانفاق العام ولاسيما الانفاق الرأسمالي وبالتالي سوف يترتب عليه تراجع الاوضاع الاقتصادية وخاصة في القطاعات السلعية كقطاعي الزراعة والصناعة، ثم مشاريع التنمية الاقتصادية في هذه الدول سواء تلك التي قيد التنفيذ أو المشاريع الجديدة، أو حتى صيانة مشاريع البنية التحتية التي حققتها دول الخليج خلال العقود الماضية، وهذا يعني ان اقتصادات المنطقة سوف تعاني من ركود اقتصادي حقيقي ربما يستمر لسنوات طويلة قبل الخروج منه. - ان حدوث ازمة جديدة في هذه المنطقة سوف ينعكس مباشرة على حركة الاستثمار الوطني والعربي والاجنبي في هذه المنطقة وذلك من منطلق ان رأس المال يبحث دوما عن الاستقرار وبالتالي فان الظروف المستجدة اثر الغزو الأميركي للعراق لن يشجع المستثمرين في الاستثمار في هذه المنطقة رغم قوانين الاستثمار الاجنبي التي صدرت مؤخرا، ورغم كل التسهيلات المعطاة والمتوفرة للاستثمار الاجنبي، كما ان الطلب المحلي على رأس المال وعلى السيولة المصرفية سوف يتقلص وبالتالي فان رأس المال والسيولة المصرفية سوف يجدان طريقهما إلى الخارج. - اذا كانت دول مجلس التعاون تسعى جاهدة نحو خصخصة قطاعها العام وذلك من منطلق تشجيع القطاع الخاص نحو المساهمة في احداث تنمية اقتصادية حقيقية في هذه الدول ثم يأتي ذلك في اطار التوجه العالمي نحو الخصخصة استعدادا لمتطلبات العولمة الاقتصادية، فان القطاع الخاص سوف يكون اكثر احجاما وتراجعا وسلبية من قبل في ظل عدم الاستقرار في المنطقة، فيما اذا حدث غزو اجنبي للعراق، وبالتالي فان مشاريع الخصخصة لن تنجح في ظل هذه الوضعية.