السبت 4 رمضان 1423 هـ الموافق 9 نوفمبر 2002 تعتبر المشاريع الصغيرة والمتوسطة إحدى أهم الركائز الأساسية لاقتصاد أي بلد كان، فهي المحرك الأساسي لها، باعتبار أنها تلعب دورا بارزا في خلق الوظائف والتقليل من نسبة البطالة في ذلك البلد. كما تلعب دورا آخر وهو تفجير طاقات الشباب الذين سيتمكنون من إدارة أعمال خاصة بهم تحقق لهم الفائدة ولمجتمعهم، ومن أجل ذلك فإنه لابد من إيجاد وتوفير البيئة الاستثمارية الضرورية والجيدة لهم لدفعهم بشكل أكبر للعمل في مجالات وقطاعات متنوعة والتي بدورها تساهم في دفع عجلة التنمية الاقتصادية بالدولة وزيادة الناتج المحلي الإجمالي للاقتصاد الوطني. لهذا نجد العديد من الحكومات العالمية والعربية أولت اهتماما كبيرا لهذه المشاريع، والإمارات بشكل عام ودبي بشكل خاص قامت بمبادرات كثيرة تهدف إلى تشجيع الشباب والشابات للولوج في هذه المشاريع وذلك إدراكا منها لأهمية الدور المستقبلي الذي ستلعبه المشاريع الصغيرة والمتوسطة في اقتصاد الدولة. ويشير الباحثون والمهتمون بالشئون الاقتصادية ومن لهم مشاريع مشابهة إلى وجود تحديات كبيرة أمام الشباب المواطن تحد من انطلاقهم نحو تلك المشاريع ويأتي في مقدمتها المنافسة الكبيرة من الجنسيات الأخرى التي أصبحت تسيطر سيطرة شبه كاملة على مثل هذه المشاريع. إضافة إلى وجود فئة من التجار الكبار الذين تكون لهم سيطرة كبيرة على بعض القطاعات، برنامج الطموح يوضح صلاح محمد أمين مدير برنامج «الطموح» إن مفهوم المشروعات الصغيرة والمتوسطة يختلف من دولة إلى أخرى، وذلك اعتماداً على حجم الدولة وتركيبتها السكانية فمثلا في الهند وجمهورية مصر العربية تعتبر المشاريع الصغيرة والمتوسطة تلك المشاريع التي لا تتعدى تكلفتها الإجمالية 4 ملايين درهم، ولقد حدد برنامج «الطموح» المشروعات الصغيرة بأنها تلك التي لا تتجاوز تكلفتها الإجمالية مليوني درهم، أما المشروعات المتوسطة هي المشروعات التي لا تتجاوز تكلفتها الإجمالية 4 ملايين درهم. ويضيف أمين أنه بالنسبة لمجتمع الإمارات ومع توجه الحكومة الى جذب الاستثمارات وتشجيع إقامة المشاريع، تقوم دبي التي تعتبر مركزاً تجارياً هاماً في المنطقة بدور بارز، ومع تبينها لمشاريع ضخمة، أصبحت الفرصة مواتية للشباب المواطن في اقتناص تلك الفرص وتطوير مهاراته واقتحام هذا المجال بكل جدارة واقتدار. ويبين أمين أن نجاح مثل هذه المشروعات لا يتأتى إلا بتضافر جهود عدة جهات سواء كانت حكومية أو غير حكومية لترسيخ قاعدة الاقتصاد الوطني، لذا يجب الأخذ في الاعتبار نقاط عدة أهمها : توفير مراكز تدريبية كافية لاستيعاب الكوادر الوطنية، إضافة إلى إقامة ورش عمل مجهزة بأحدث التقنيات العلمية لتطوير مهارات الشباب، إلى جانب وجود الدعم المالي الذي له الدور الأساسي لخروج تلك المشروعات إلى حيز الوجود، كما أن مساهمة رجال الأعمال بخبرتهم وإمكاناتهم لتبني الكوادر الوطنية الناشئة وتدريبهم على العمل داخل مؤسساتهم سيعود بالفائدة على المواطنين الشباب، الذين يجب أن يتمتعوا بالجدية لإنجاح تلك المشاريع. ويرى أمين أن الدولة بحاجة إلى المشروعات الصغيرة والمتوسطة والتي لها دور بالغ الأهمية في توسيع قاعدة الاقتصاد الوطني، ومن ثم الوصول إلى مكانة اقتصادية تنافس التكتلات الاقتصادية في الدول الأخرى، مضيفا أن وجود المشروعات الصغيرة والمتوسطة سوف يشجع الشباب على العمل في قطاع الاقتصاد مما يفسح المجال لمواطنين آخرين للعمل بالقطاع الحكومي وهكذا، فإن هذه المشروعات سوف تساهم في تخفيض نسبة العمالة الأجنبية وتشجيع الشباب المواطن على الدخول في مجالات مختلفة كانت مقتصرة على الأجانب من قبل. ويقول أمين إن وجود دعم من جهات حكومية سيقوي ركيزة هذه المشروعات الصغيرة كبرنامج «الطموح» الذي بادرت به مجموعة بنك الإمارات وبدعم من الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع، حيث حظي عدد كبير من المواطنين بفرص أكبر من الدعم المعنوي والمادي من مختلف الجهات، ولهم الأولوية في الحصول على التعاقدات والمناقصات، ومثال ذلك «مؤسسة محمد بن راشد لدعم مشاريع الشباب» التي أضافت ميزة جديدة وساعدت الشباب من خلال تخصيص المؤسسات الحكومية نسبة 5% من مشترياتها من المشاريع التي تمول عن طريق المؤسسة، وكذلك برنامج «الطموح» الذي قام بتقديم دعم مالي يصل إلى 90% من القيمة الإجمالية للمشروع وبحد أقصى مليون درهم، بالإضافة إلى إعفاءات من رسوم ا لدوائر الحكومية المختلفة. كما أن هذا الدعم أعطى برنامج «الطموح» أهمية كبيرة داخل وخارج الدولة. وحول كيفية الاستفادة من شريحة طبقة المتقاعدين فيقول أمين أنه لا يمكن تجاهل خبراتهم التي تعتبر ثروة وطنية لابد من الاستفادة منها بالطرق الصحيحة، وذلك عن طريق إشرافهم على المؤسسات الصغيرو الناشئة أو وجودهم في المراكز أو المؤسسات التدريبية والتي من خلالها يستطيعون تقديم خبراتهم للشباب المواطنين الناشئين، كما أن وجود عدة برامج مماثلة كبرنامج «الطموح» سوف يساهم بحد كبير في الوصول بالشباب إلى الرقي والتقدم واكتساب الخبرات، فالساحة الوطنية شاغرة لعدة مشاريع مماثلة لبرنامج «الطموح». مؤسسة محمد بن راشد ومن جهته يقول عبدالباسط الجناحي مدير «مؤسسة محمد بن راشد لدعم مشاريع الشباب» أن تعريف المؤسسة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة هو أنها تلك المشاريع التي لا يتجاوز عدد موظفيها عن 50 موظفاً ولا يتعدى رأس مالها المكون 10 ملايين درهم، مضيفا أن البيئة مهيأة والوقت مناسب لإقامة واحتضان مثل هذه المشاريع أكثر من أي وقت مضى وذلك لأسباب عديدة منها ارتفاع المستوى التعليمي والوعي لدى جيل الشباب، والاتجاه الحكومي للتوطين، و الانفتاح على الأسواق الأخرى، ووجود عدة جهات داعمة لمشاريع الشباب، إضافة إلى انجذاب الشباب للأعمال الحرة وخاصة في الآونة الأخيرة. ويشير الجناحي إلى وجود آليات عدة لدفع الشباب للخوض في عالم الأعمال والتجارة وذلك من خلال البداية الفعلية للانطلاق من المدرسة، بأن يكون النظام التعليمي محفزاً ومشجعاً للطلاب من أجل تأهيلهم للأعمال الحرة، كما أن وجود مؤسسات ومشاريع داعية وراعية لهؤلاء الشباب «كالطموح» و«انطلاق» و«مؤسسة محمد بن راشد لدعم مشاريع الشباب» وغيرها من المبادرات الحكومية بالدولة من شأنها أن تفتح لجميع الشباب الطريق لإقامة مشاريع تعود بالفائدة عليهم وعلى المجتمع، كما لابد من وجود قاعدة بنكية لدعم مشاريع الشباب. ويضيف الجناحي أن الدولة بحاجة ماسة لمثل هذه المشاريع خاصة وأنها تعمل على تقدم وتطور الاستثمارات الاقتصادية الوطنية المختلفة، إضافة إلى زيادة فرص العمل للمواطنين، وتحويل المواطن من شريك نائم إلى صاحب عمل فعلي. ويذكر الجناحي أن وجود الدعم والإشراف الحكومي خصوصا في بداية تأسيس المشروع له أهمية كبيرة للأخذ بيد الشباب المواطن لجذبهم للأعمال الحرة تدريجيا، مشيرا إلى أن الاقتصاد الحالي يعتمد بشكل أساسي على الأجانب مما يعتبر مؤشرا غير صحي، فلابد أن تكون الحصة متكافئة بين المواطن والأجنبي والأفضل أن تكون حصة المواطن أكبر منه. ويبين الجناحي أن الدور الحكومي واضح في دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وهذا ما نجده في التوجيهات السديدة للفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع، حيث أمر سموه بإلزام المؤسسات الحكومية وشبه الحكومية بتخصيص 5% من مشترياتها لصالح الشركات الجديدة والمسجلة في «مؤسسة محمد بن راشد لدعم مشاريع الشباب»، وبذلك نكون قد أمنا للشباب سوقاً محلية مضمون وفرصة للنمو وتحقيق الاستقلالية. دائرة التنمية الاقتصادية من جانبه يبين طارق هلال لوتاه رئيس وحدة تنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة بدائرة التنمية الاقتصادية بدبي أن سر الاهتمام الكبير بالمشاريع الصغيرة والمتوسطة خصوصا في الآونة الأخيرة يرجع إلى أن المشاريع الكبيرة والناجحة والتي حققت توسعات عديدة في أرجاء الدولة، أنها بدأت أولا كمشاريع صغيرة ومتوسطة ومن ثم حققت شيئا فشيئا نجاحات واضحة وفرضت نفسها على الخارطة الاقتصادية بالدولة، إذن فالمشاريع الكبيرة التي نجدها اليوم هي في الأساس كانت عبارة عن مشاريع صغيرو ومتوسطة، وهي أيضا لها اهمية كبيرة في مساهمتها في الناتج المحلي القومي للدولة. ويضيف لوتاه أن بيئة أعمال المشاريع الصغيرة والمتوسطة في الدولة بشكل عام ودبي بشكل خاص جيدة ومهيأة جدا، فمكونات البيئة فيها هي عبارة عن الفرد نفسه والذي يعتبر العنصر الأساسي في نجاح هذه المشاريع، إلى جانب عناصر أخرى مكملة كالترخيص والتمويل والبيئة السوقية، فمتى تكاملت هذه العناصر لاشك أن المشاريع الصغيرة والمتوسطة سوف تحقق النجاح والنتائج الجيدة والتي تنعكس إيجابيا على التقليل من الاعتماد على الاستيراد من الخارج. ويرى لوتاه أن الدعم الفني والمقصود به التدريب والذي يعد أحد أهم الآليات الداعمة لأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة إضافة إلى الدعم التمويلي من شأنهما أن يعملا على إيجاد هذه المشاريع، كما أن أبرز إيجابيات التدريب هو توجيه المشاريع الصغيرة لتفادي أسباب الفشل أو التعثر وتعزيز فرص نجاحها. ويبين لوتاه أن وجود مثل المشاريع لاشك انه سيساهم وبشكل مباشر في خلق فرص عمل لعدد كبير من خريجي وخريجات الجامعات المختلفة من المواطنين، وهي بذلك تخفض من نسبة البطالة بالدولة، إضافة الى أنها ستعمل على زيادة المردود المالي لشخص بمعنى زيادة مدخلات الشخص إلى جانب راتبه الشهري الذي يتقاضاه من وظيفته، كما أن هذه المشروعات تقوم بالاحتفاظ برؤوس الأموال الناتجة من الاستثمارات المختلفة لها داخل الدولة بدلا من خروجها للخارج. ويضيف لوتاه أن شريحة طبقة المتقاعدين بالدولة يمكن الاستفادة منها بشكل كبير، خاصة مع امتلاكهم الخبرة الواسعة والتي تعتبر من أهم الأولويات لمن يريد أن يقوم بتأسيس أو إقامة مشروع ما. ويطالب لوتاه بزيادة التعاون والتنسيق فيما بين البرامج الموجهة للشباب بالدولة وذلك للوصول إلى الهدف المنشود وهو الاعتماد على الكوادر الوطنية المؤهلة في كافة المشاريع. المشاريع الصغيرة والمتوسطة من جانبه يرى نجيب عبدالله الشامسي الباحث الاقتصادي ومدير أول في المصرف المركزي بفرع رأس الخيمة أن المشاريع الصغيرة لا تعني بالضرورة أنها مشاريع ذات رأس مال صغير أو محدد وكذلك الحال بالنسبة للمشاريع المتوسطة، فتلك المشاريع لها أهمية كبرى وذلك يسهل التحكم فيها من قبل أصحابها و يسهل السيطرة على الحركة فيها، خاصة وأنها بالأساس تتوسع تدريجيا إلى أن تصبح مشاريع كبيرة أو عملاقة، فهي في الحقيقة تغذي هذه المشاريع الكبيرة، فالعالم الآن بحاجة ماسة إلى المشاريع الصغيرة، ومع التوجه العالمي سواء للشركات أو الأفراد نحو التخصص في المشاريع، بمعنى ان أي مشروع كان أو شركة تقوم بإنتاج سلعة معينة لنقل مثلا إنتاج أو تصنيع «سيارة»، فهذه الشركة الأم تقوم باستيراد بعض قطع الغيار الخاصة بالسيارة من شركات أخرى بعد الاتفاق فيما بين الشركة المعينة بإنتاج المنتج الصغير على المواصفات والخطوط العامة للمنتج، وقد تلجأ الشركة الأم إلى الشركات الأخرى بحثا لأسباب تعود إلى تخصص هذه الشركات أو لرخص العمالة فيها. ويضيف الشامسي أنه لا بد من توضيح أهمية المشاريع الصغيرة على المدى البعيد في الدولة، وهي أن هذه الشركات من شأنها أن تغذي الشركات المتوسطة والكبيرة، فهي تشكل أرضية لانطلاقة هذه المشاريع، كما أنها تساهم في خدمة الاقتصاد الوطني، وقد تكون المشاريع الصغيرة أكثر فائدة للاقتصاد الوطني من المشاريع الكبيرة. ويبين الشامسي أن السوق الإماراتية تتصف بعدة سمات تشكل مقومات انطلاقة المشاريع الصغيرة، وبنظرة عامة للخريطة الاقتصادية والسوق الإماراتية نجد أن هذه السوق تتسم بالهيمنة الأجنبية سواء من حيث رأس المال أو العمالة أو حتى الإدارة، ولذلك نجد أن الاقتصاد الإماراتي أصبحت العولمة الاقتصادية فيه واضحة. وبمجرد النظرة على الشارع التجاري بالدولة نجد أن الغالبية العظمى التي تتحرك في السوق من العناصر الأجنبية سواء من ناحية رأس المال وحتى أسماء الشركات فهي فروع لشركات أجنبية، فهذا الأمر يعتبر ضمن التحديات التي تواجه المشاريع الصغيرة الوطنية، كذلك سوق الإمارات تتسم بالاحتكار سواء احتكار المشاريع الأجنبية للمشاريع الوطنية، أو الاحتكار الناتج عن المشاريع الكبرى، فمن المؤسف حقا أن نجد لافتات واجهة المحلات للمشاريع الصغيرة تحتل أسماء شركات وطنية ولكن في واقع الأمر هذه الشركات ما هي إلا عبارة عن وكالات يديرها ويملكها ظاهريا مواطن ولكن المسيطر الفعلي هو الأجنبي، فبالتالي سلطة القرار الاستثماري والتجاري والاقتصادي بيد الأجانب وليس المواطن، حيث أنه ما هو إلا واجهة في نهاية كل عام يأخذ مبلغا معينا، ونجد أن هذا الأمر كان سببا أساسياً في تفاقم مشكلة التركيبة السكانية في الدولة، كما وإن وجدت مجموعة من المواطنين أصحاب رؤوس الأموال وهؤلاء المواطنون لم يساهموا في دعم هذه المشاريع ولم يساهموا كذلك في تطوير قطاع أعمال الشباب المواطنين، لأنه يفترض أن يكون هؤلاء التجار المواطنون وهم القلة الذين استفادوا من دعم الحكومة لهم خاصة في فترات السبعينيات والثمانينيات والذين استفادوا أيضا من قربهم من سلطة النفوذ، حيث أنهم انتهزوا الفرص التي أتيحت لهم في هذه السنوات، فالقطاع الحكومي قدم لهؤلاء الدعم وكل التسهيلات والمزايا لمجموعة من التجار المواطنين بغية أن يكون لهؤلاء التجار دور في عملية التنمية، ولكن حتى يقوموا بهذا الدور المفروض عليهم ان يستقطبوا المواطنين، ويقوموا بتدريبهم وتأهيلهم من خلال الشركات التي يمتلكونها، حتى يكتسب المواطن الخبرة والتجربة من هذه المشاريع الكبيرة، بعد ذلك يستطيع أن يقدم على تأسيس مشروع صغير له، ونلاحظ أيضا أنه ومن الأسباب التي أدت الى تعثر أصحاب المشاريع الصغيرة هي الهيمنة والسيطرة الأجنبية والاحتكار من شريحة معينة من التجار الإماراتيين الكبار، فبالتأكيد لم تتح الفرصة أمام المواطن الصغير لكي يعمل بشكل جيد. ويشير الشامسي إلى أن هناك سمة أخرى تتسم بها سوق الإمارات وهي ان الحكومة أو الحكومات المحلية مازالت لا تدعم المشاريع الصغيرة إلا في السنوات الأخيرة، فالتأسيس لم يكن بشكل جيد وصحيح ولم تكن هناك نظرة واستراتيجية لذلك، لهذا يجب أن تنتهج كل إمارة استراتيجية معينة للتنمية الاقتصادية تشتمل على البعد التجاري والصناعي والزراعي وغيرها، ومن ثم يجد المواطن الفرصة لدعمه في ظل هذه الاستراتيجية. كذلك سوق الإمارات تتسم أيضا بمعوقات عديدة وخاصة في الفترة الحالية، لأن التشريعات وحتى القوانين لا تخدم التاجر الصغير، إنما هي تخدم التاجر الأجنبي والتاجر المواطن الكبير، فقانون الشركات وهو القانون الاتحادي رقم 8 لسنة 1984 أو قانون الوكالات التجارية، لاتخدم ولا تنشط العملية الاقتصادية والتجارية بقدر ما هي تخدم شريحة معينة من التجار خاصة التاجر الأجنبي، والسؤال الذي يطرح نفسه هو كيف ننظر للمستقبل في ظل الانفتاح الاقتصادي والتجاري الموجود بالدولة، وذلك لاعتمادها على الحرية الاقتصادية الداخلية والانفتاح الاقتصادي مع الخارج، والان كون الإمارات عضوة في منظمة التجارة العالمية فهي ملزمة في عام 2005 بتنفيذ قرارات هذه الاتفاقية، وكذلك هناك العولمة الاقتصادية والتجارة الالكترونية، فكل ما سبق ذكره يعتبر تحديات تواجه التاجر الصغير، وبالتالي سوف يعاني من ذلك ما لم يجد الدعم الكافي، أيضا لا توجد هناك حماية بالأساس للتاجر الصغير حتى في الدول العظمى أو الدول المتقدمة صناعيا كما يطلق عليها تحمي الصناعة المحلية والتاجر أو المستثمر المحلي، فكذلك الحال أيضا بالنسبة للتاجر الصغير بالدولة، حيث لا توجد ضوابط لحمايه ليحقق خلالها أهدافه ونموه، وبالتأكيد أن الاستيراد من دول ذات كثافة سكانية أو أيدي عاملة رخيصة وتمتلك خبرة طويلة وتصل لدول بتكلفة أقل ستكون منافسة شديدة لسلعة المنتجة محليا من قبل شريحة التجار الصغار. اقتصاد خدمي كذلك هناك نقطة أخرى وهي أن اقتصاد الإمارات يتسم بأنه خدمي وليس اقتصاداً انتاجياً، فالاستثمارات الواضحة هي قطاع المقاولات والتشييد والبناء وهي تعتبر من القطاعات الخدمية الوحيدة المهيمنة ما بين القطاعات الإنتاجية الأخرى، فقطاع الصناعة والزراعة مساهمتهما في الناتج المحلي ضئيلة وجدا محدودة، ولاشك أن المستثمر والتاجر المواطن الصغير حينما يقدم سوف يعمل على إنشاء مشروع صناعي أو زراعي، فالسؤال المطروح في هذا الفلك هو هل سيجد التاجر المواطن الصغير لسلعته سوقاً في ظل هذه المنافسة العالمية؟ وهل سيحقق رأس مال وطني مستثمر في المشاريع الصغيرة؟ وهل سيحقق عائداً وأرباحاً من هذه المشاريع في ظل وجود منافسة قويه له في السوق المحلي؟ لذلك قبل الحديث أو التطرق لذلك لابد من وجود مشاريع صغيرة يجب أن تكون غربلة حقيقية لواقع السوق في الإمارات حتى نستطيع أن ندعم المشاريع الصغيرة أو التاجر المحلي والآن يتعرض هذا التاجر إلى مشاكل وخيمة تؤدي الى إحجامه أو انسحابه من السوق، كما حاول ذلك بعض التجار في السابق، فكثير من التجار الصغار حاولوا أن يستثمروا أموالهم ولكنهم انسحبوا من السوق نتيجة الوضعية غير الجيدة وعدم وجود الضوابط، إضافة إلى المنافسة الأجنبية الموجودة والاحتكارات التي نجدها في سوق الإمارات، لذلك لا بد من وجود أرضية جيدة لاحتضان مثل هذه المشاريع، ويجب أن تكون هناك حماية لهذه الصناعات الصغيرة تلزم مؤسسات الحكومة الاتحادية أو المحلية وكذلك مؤسسات القطاع الخاص بشراء الناتج المحلي، ويجب أن تتصف منتجات المشاريع الصغيرة بالجودة العالمية، فهذه النقطة أساسية حتى تستطيع هذه المنتجات أن تنافس المنتجات المستوردة من الخارج، كما انه لابد من وجود حماية حقيقية لهذه الصناعات الصغيرة، ودعم حكومي لتمويل هذه المشاريع الصغيرة وذلك بتوجيه المصارف التجارية وخاصة الوطنية لتمويل هذه المشاريع، ولابد من سن تشريعات وقوانين تخدم التاجر المحلي وتدعمه، فمثل هذه الخطوات مع وجود مؤسسات اقتصادية وإرشادية توفر المعلومات للمستثمر والتاجر الصغير حتى لا يقع في منافسة مع غيره من المشاريع التي قد يتشابه مشروعه بها مما يعرقله من تحقيق أهدافه وتنمية مشروعه. فنحن بالفعل بأمس الحاجة إلى المشاريع الصغيرة والمتوسطة لأن السوق أو النشاط التجاري الاقتصادي لا يخدم أهداف الإنسان والمجتمع في الدولة خاصة بالوضعية الحالية وفي ظل الهيمنة والسيطرة والتحكم من قبل الأجانب، فلن يكون هناك تطور حقيقي، فنحن الآن نبحث عن التوطين الاقتصادي في قضية محورية وأساسية، والذي بدوره يعني وجود رأس المال والعمالة والإدارة والتقنية، فمع وجود الدعم والتسهيلات والمزايا التي يمكن أن توفرها الحكومة والمؤسسات الأخرى كالقطاع الخاص سوف يعمل على إعادة التوازن لسوق الإمارات، بدلا من أن تكون الكفة مرجحة لصالح الأجانب، كما أنها ستمنح الفرصة للمواطن كي يساهم في التنمية، وكذلك ستوجد فرص عمل للمواطنين، فالمشروع الذي يمتلكه المواطن سوف يعمل على استقطاب العناصر المواطنة لأنها أكثر ثقة، وبالتأكيد سوف يعتمد عليها ويضمن سلامة هذا المشروع لاعتماده على العنصر المواطن، ولكن لا بد من وجود الضوابط والقوانين والدعم الحكومي. ويضيف الشامسي أن المرحلة المقبلة تعتبر مرحلة صعبة جدا في ظل الانفتاح والتحديات المقبلة لأننا مقبلون في عام 2005 على ضرورة تنفيذ قرارات منظمة التجارة العالمية، وذلك لأنها تفرض انفتاحاً أكبر لمنتجات وسلع خارجية. ويرى الشامسي أنه ومن ضمن المشاكل التي يمكن أن تعالجها هذه المشاريع في حال إيجادها أنها ستوفر سلعاً منتجة داخل الاقتصاد الوطني، فتصبح هذه السلع منتجات وطنية ولا شك أنها أيضا ستساهم بصورة أكبر في الناتج المحلي الإجمالي للاقتصاد الوطني، كما ستعمل على خلق فرص عمل لخريجي الجامعات المختلفة بالدولة، ففي الواقع المجتمع الإماراتي يعاني من وجود بطالة كبيرة في صفوف هؤلاء الخريجيين والتي باتت تتزايد بشكل ملحوظ، فهذه البطالة في الحقيقة مفتعلة ومصطنعة، فوجود هذه المشاريع الصغيرة والمتوسطة من شأنها أن تشجع وتعمل على إيجاد أرضية جيدة وتعيد التوازن لسوق الإمارات، بحيث يبقى المواطن هو صاحب القرار في السوق، ولكن ما نجده حاليا يخالف الواقع، فمتى وجدت هذه المشاريع وتعاونت المؤسسات فيما بينها ضمن استراتيجية واتفاقية معينة سوف تدفع العجلة الاقتصادية للأمام. ويقول الشامسي نلاحظ سواء في دبي إو الامارات الأخرى مجالس أعمال خاصة بالآسيويين وأخرى للأوروبيين، ولكن لا نجد مجالس أعمال خاصة بالمواطنين على مستوى الدولة، حيث تكمن أهمية هذا المجلس في أنه يخدم التاجر الصغير والكبير في آن واحد، فمن خلال هذا المجلس قد تطرح أفكاراً جديدة تخدم كليهما، فالأفكار تنتج أفكاراً جديدة، فالاحتكاك سيعمل على إيجاد ابداع فكري وتجاري وصناعي واقتصادي يخدم التنمية الاقتصادية المحلية. ويوضح الشامسي أن القطاع الخاص لا يرحب بالمواطنين لأنه لا يمثل قطاعاً وطنياً، فحينما نطالب القطاع الخاص بدعم مسيرة التنمية الاقتصادية لا نجد آذاناً صاغية لذلك، خاصة وأنه إذا كان قانون الشركات ينص على الملكية 51% للمواطنين و49% للأجنبي فنجد أن كثيراً من الشركات مملوكة للأجنبي بنسبة 100% ، فنلاحظ أن القطاع الخاص لم يعد مملوكا من قبل المواطنين وبالتالي من السذاجة جدا أن ننادي القطاع الخاص والذي له أهداف معينة في تحقيق أرباح قياسية والاعتماد على الأيدي العاملة الرخيصة بأن يفسح المجال أمام رأس مال وطني أو لدعم مشاريع صغيرة. ويشير الشامسي إلى أن طبقة المتقاعدين يمكن الاستفادة منها كخبرة استشارية، فهؤلاء أفضل من غيرهم وخاصة الخبرات الأجنبية، لأن طبقة المتقاعدين هم على دراية أكثر بالأوضاع المالية والتجارية والاقتصادية للدولة. أصحاب المشاريع وكان لأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة آراء مختلفة حول مدى أهمية الدور الذي تلعبه هذه المشاريع في دفع عجلة التنمية الاقتصادية، فيقول جاسم البناي صاحب مكتب البناي لتحصيل الديون لم تكن المسألة هينة بالنسبة لي عندما فكرت في إقامة مشروعي، خاصة وأن فكرة المشروع بحاجة إلى من لديه دراية وخبرة واسعة في مجال تحصيل الديون إضافة إلى الموهبة التي لابد أن تكون الشرط الأساسي في الشخص الذي يريد إقامة شركة لتحصيل الديون. ويرى البناي أن المواطن الذي يمتلك أي مشروع كان وخاصة المشاريع التجارية بحاجة إلى التفرغ الكامل فلا يمكن الجمع بين الوظيفة والعمل الحر، فلكي يحقق النجاح لابد أن يقف صاحب المشروع على رأس عمله. ويضيف: «لم أجد الدعم في تأسيس مشروعي لكن كان الاعتماد على رأس المال الصغير الذي كان لدي إضافة إلى الخبرة التي تكونت لدي نتيجة عملي في السابق كمدير لأحد البنوك. ويبين البناي أن المشاريع الخدمية من أفضل المشاريع التي يمكن الاستثمار فيها وذلك لأنها لا تتطلب الخبرة الواسعة أو رأس مال كبيراً، بعكس المشاريع التجارية التي إذا فشل فيها سيضطر إلى تسديد ديون الأمور المتعلقة بها. ويوضح البناي أن الشارع التجاري والاقتصادي يعتمد بشكل كبير على المشاريع الأجنبية وهناك اهمال واضح للمشاريع الصغيرة للمواطنين، ولكن في الاونة الأخيرة باتت الحكومات المحلية بالدولة تستشعر أهمية هذه المشاريع ومساهمتها في الناتج المحلي لذلك أوجدت برامج ومشاريع تحتضن وتخلق مشاريع وطنية ناجحة مثل «الطموح» و«انطلاق» وأخيرا «مؤسسة محمد بن راشد لدعم مشاريع الشباب» وغيرها. ويرى البناي أن طبقة المتقاعدين أعمارهم صغيرة فهي تترواح ما بين 45 فما فوق فلا شك يمكن الاستفادة منها بشكل كبير خاصة وأنهم يمتلكون الخبرة الواسعة والمعرفة أكثر بسوق الدولة فلابد إذن من إعداد برامج خاصة وموجهة لهذه الشريحة. ويؤكد البناي ضرورة التنبه للانفتاح التجاري والاقتصادي ودخول الدولة في اتفاقية التجارة العالمية والتي لن تفتح المجال لمنتجات التاجر الصغير وخاصة إذا كان إنتاجه ينقصه الجودة ويستطيع منافسة المنتجات والسلع الأخرى. أما زميله محمد شاعل وهو أحد الشباب الذين استفادوا من برنامج «الطموح» فيقول انه في بداية تأسيسه للمشروع واجه صعوبات عدة كغيره مثل تعاون بعض الدوائر الحكومية مع القطاعات التي تديرها العمالة الأجنبية وعدم الثقة بالعناصر المواطنة، إضافة إلى «أن بعض الأفراد في هذه القطاعات عند تعامله معنا يتعامل معنا من منطق السيطرة بعكس تعامله مع الأجنبي والذي يتعامل معه بالرفق، فلابد من وقوف الذين لديهم الخبرة والدراية بالسوق معنا وذلك لحاجتنا إلى خبرتهم ومعرفتهم في ظل المنافسة الكبيرة التي نواجهها حاليا». ويضيف شاعل: «برنامج الطموح لم يألو جهدا في تقديم المساعدة والدعم، حيث أن القائمين عليه وقفوا معي قلبا وقالبا في تحقيق الهدف المرجو من مشروعي». ويرى شاعل أن الشباب بأمس الحاجة سواء لدعم الحكومي أو الخاص، لكون العمالة الوافدة لها باع طويل في سوق الإمارات وثقة بعض الشركات والدوائر بهم، ولكن في الوقت نفسه لا ننكر مدى الاستفادة من خبراتهم، والذي أريد قوله هو أننا بحاجة إلى الدعم والتدريب. مضيفا أن الأجانب المسيطرين على السوق المحلي يقومون باستخدام كافة السبل والطرق من أجل توطيد وإحكام سيطرتهم عليها وذلك لإخراجنا وطردنا من أي مجال كان. ويقول شاعل إن أفضل المشاريع يمكن للمواطنين أن يخوضوها هي المشاريع المتعلقة بالتسويق وتجارة الإنترنت والسياحة، مبينا أن المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي يملكها ويديرها المواطنون لا تذكر فهي صغيره في عددها ومخجلة جدا. ويبين شاعل أن المبادرات الحكومية وخاصة في الفترة الأخيرة ساهمت بشكل كبير في إفساح المجال لجميع المواطنين للخوض في المشاريع التجارية المختلفة، مشيرا إلى أن صغار التجار لن يستطيعوا منافسة كبار التجار إلا إذا وقف القطاع الحكومي والشركات معهم، موضحا أن طبقة المتقاعدين يمكن الاستفادة منهم بشكل كبير خصوصا مع امتلاكهم الخبرة والتجربة، فهؤلاء يمكن لهم كسب المال والاعتماد عليهم بدلا من جلب العمالة الوافدة من الخارج. تحقيق: أمينة الزرعوني