الثلاثاء 30 شعبان 1423 هـ الموافق 5 نوفمبر 2002 يتفاوت أداء البورصات في دول مجلس التعاون الخليجي، كما تتفاوت طبيعة وشدة الهزات التي تتعرض لها هذه البورصات بين فترة وأخرى. ومع ذلك، فان هناك عوامل مشتركة تؤثر في أداء البورصات الخليجية الست بشكل مشترك، فتقلبات أسعار النفط في الأسواق الدولية، تجد انعكاساتها بصورة مباشرة في أسواق المال الخليجية، كما ان تذبذب مؤشر الأسهم في هذا البلد الخليجي أو ذاك يجد له صدى في بقية بورصات دول المجلس، حسبما أشار تقرير بصحيفة مصرف الامارات الصناعي في عددها الأخير. وبالاضافة إلى أسعار النفط، فان هناك العديد من العوامل المشتركة التي تؤثر في أداء البورصات الخليجية، والتي يأتي في مقدمتها العوامل التالية: ـ القيود المفروضة على التداول، والتي تقتصر على المواطنين بصورة أساسية، مما يحد من عمليات التداول ومن انتقال رؤوس الأموال بين البلدان الخليجية فيما بينها. ـ صغر حجم أسواق المال الخليجية ومحدودية عدد الشركات المدرجة في هذه الأسواق، والتي لا تتناسب والقدرات المالية الكبيرة المتوفرة لدى القطاع الخاص الخليجي. ـ تؤدي الوضعية السابقة إلى تزايد حدة المضاربات والتي تفقد أسواق المال الخليجية الكثير من المصداقية والثقة من قبل المستثمرين. ـ ضعف الشفافية ومصادر المعلومات الصحيحة عن أداء الشركات. وبشكل عام تعتبر البورصات الخليجية، بورصات ناشئة، وذات هيكلية متواضعة، إذا ما قورنت بالبورصات الناشئة الأخرى في البلدان النامية الكبيرة نسبيا والمتقدمة اقتصاديا. ونظرا للتغيرات الكبيرة التي تشهدها أسواق المال العالمية في ظل الانفتاح والعولمة، فان أسواق المال الخليجية بحاجة لاعادة النظر في الكثير من الأنظمة واللوائح التي تحكمت في تسيير تعاملات هذه الأسواق في السنوات الماضية. ويلاحظ ان هناك تفاوتا كبيرا في نسب القيمة الرأسمالية للناتج المحلي الاجمالي بين دول المجلس، حيث يرجع ذلك إلى بعض العوامل التي ساهمت في وجود مثل هذا التفاوت، فهناك بعض الاقتصادات الصغيرة نسبيا، إلا انها أكثر تطورا وتنظيما من الاقتصادات الأكبر حجما، كما لعبت المضاربات التي تعرضت لها الاقتصادات الخليجية في نهاية التسعينيات دورا سلبيا في هذا الصدد. وتشكل القيمة الرأسمالية لأسواق المال الخليجية ما نسبته 78% من اجمالي القيمة الرأسمالية لأسواق المال العربية، وذلك بالاستناد إلى القيمة الرأسمالية للشركات العربية المدرجة في هذه الأسواق. وتأتي هذه الأهمية للأسواق الخليجية في الوقت الذي تنخفض فيه أسعار الكثير من شركات دول مجلس التعاون عن قيمتها الحقيقية، وذلك لاعتبارات عديدة ناجمة عن بعض التطورات السلبية التي شهدتها الأسواق الاقليمية والعالمية في العامين الماضيين. ومع ذلك، فإن أسواق المال الخليجية مجتمعة لا تشكل ثقلا كبيرا اذا ما قيست بحجم الاسواق في بعض البورصات العالمية، كنيويورك ولندن، مما يطرح وبصورة ملحة العمل على ربط البورصات الخليجية ببعضها البعض لايجاد بورصة خليجية تدرج فيها مختلف الشركات في دول مجلس التعاون، ويسمح لكافة مواطني دول المجلس بالتداول في هذه البورصة الكبيرة نسبيا. واتخذت في السنوات القليلة الماضية بعض الخطوات الرامية إلى تنسيق عمليات التداول من خلال ربط البورصات الخليجية، كبورصتي البحرين ومسقط، الا ان هذه الخطوات ظلت محدودة، ولم تنعكس بصورة فعالة على عمليات التداول في البورصات المرتبطة، حيث ساهمت القيود المفروضة على التداول والخاصة بمواطني كل دولة عقبة أمام تكامل أسواق المال الخليجية. وتتطلب المرحلة الحالية من التنمية الاقتصادية بدول المجلس اعادة النظر في الأنظمة والقوانين التي تحكم التعاملات في أسواق المال المحلية، خصوصا وان هناك تطورات اقتصادية ايجابية قادمة على المستوى الخليجي، تتمثل في توحيد التعرفة الجمركية وتنسيق السياسات النقدية. ويشكل تكامل البورصات الخليجية، أحد أهم الأسس اللازمة لتكامل اقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي وتسهيل انتقال رؤوس الأموال بين دول المجلس. وتتوفر في الوقت الحاضر المتطلبات والامكانيات الضرورية لربط البورصات الخليجية، وذلك تمهيدا لايجاد بورصة كبيرة في المستقبل. ويأتي استقرار الأوضاع الاقتصادية والمالية والنقدية، بما في ذلك ربط عملات دول المجلس بالدولار الأميركي، كمثبت مشترك وتحديد هامش سعر صرف هذه العملات تجاه الدولار في مقدمة العوامل التي يمكن أن تساعد في عملية دمج البورصات الخليجية. ويمكن لعملية الدمج هذه أن تسير بصورة متوازنة مع برنامج العمل الخاص بتوحيد العملة في دول المجلس وفق القرارات الصادرة عن قمة مسقط الأخيرة. واذا ما تم ذلك، فان انعكاسات ايجابية عديدة سوف تترتب على عمليات الدمج، وبالأخص تنشيط عمليات التداول في أسواق المال المحلية وتعزيز المواطنة الخليجية وتكامل رؤوس الأموال في دول مجلس التعاون، مما سيؤدي إلى ربط المصالح الاقتصادية، وكذلك اقامة شركات خليجية مساهمة جديدة وهامة يتوقع أن تفتح أمامها أسواق دول المجلس دون استثناء، ويوفر لها فرص النجاح في ظل العولمة الاقتصادية، وما يصاحبها من منافسة شديدة في الأسواق العالمية المفتوحة.