الثلاثاء 30 شعبان 1423 هـ الموافق 5 نوفمبر 2002 هذا الكتاب دعوة لتقديم المقترحات والاصلاحات خلال المؤتمر الدولي الثاني للعولمة المقرر عقده في 26 نوفمبر الجاري في مدينة لوفين البلجيكية وهو موجه بصورة خاصة لجيل الشباب ضمن مبادرة ليشاركوا في المناظرة. في الوقت الحاضر بينما تتجه أنظار العالم نحو معرفة متى وكيف سيبدأ شن الهجوم على العراق، اختفت المواضيع الاخرى الملحة من عناوين الصحف. هل مازال أحد يذكر الجدل الحاد الذي دار منذ عام مضى بين الموالين للعولمة ومعارضيها؟ هل توارى موضوع الفقر عن الأنظار وتجاوزته احداث اخرى؟ لا شك ان سؤال القرن هو: كيف يمكننا ان نتجنب الصراع المؤلم بين الدول الأكثر فقرا والدول الأكثر ثراء؟ أو بين ملياري نسمة يحاولون الصمود يوميا ضد الجوع والأمراض وبين نصف مليار اخر همهم الاول متابعة مسلسلاتهم التلفزيونية المفضلة؟ وقد اصبح اليوم الفارق في الدخل بين هاتين المجموعتين بنسبة واحد الى ثلاثين في المعدل. ولا بوادر لضبطه بل انه ينمو ويتزايد أكثر فأكثر. وتتوسط مجموعة اخرى هاتين المجموعتين، تضم ثلاثة مليارات نسمة وهي التي استفادت من العولمة وهي التي تصدت وتجاوزت الصراع ضد الفقر. لقد تمكنت قرى، معظمها اسيوية وفي اطار جيل واحد، من تحسين معيشتها ولبسها وتغذيتها وهذا دليل بأن العولمة والتجارة الحرة هما أفضل السبل ان لم تكن الطريقة الوحيدة الناجحة للخروج من المأساة. ولكن أفقر الفقراء والذين يبلغ عددهم ملياري نسمة هم البرهان الحي بأن العولمة والتجارة الحرة لا تكفيان وعلينا نحن في الاتحاد الاوروبي ان ندرك ذلك. فقد سعينا منذ تأسيس الاتحاد، الى ان تتخلص الدول الاعضاء الجديدة من عبء الفقر كما اننا سنواصل جهودنا خلال السنوات العشر المقبلة مع بلدان أوروبا الوسطى والشرقية. وتمكنا من تحقيق أهدافنا تلك بفضل التعاون المكثف والدعم المالي ضمن مبدأ التجارة الحرة. لذا كفى الجري من مؤتمر عملاق الى اخر، من مونتري الى روما حتى جوهانسبورغ فعلينا نحن الاوروبيين والاميركيين ان نتوقف عن المحارجة والمناقشة حول معنى ومدى كلمات معارض أو مؤيد للعولمة. فما نحتاج اليه حقا هو الاجماع على اكثر من التنمية مع بذل أقصى الجهود لمصلحة جميع الاطراف. لقد رأينا في الدوحة العام الماضي بأن التطورات في منظمة التجارة الدولية قد اخذت منعطفا مبشرا بالخير نحو التجارة الحرة والتنمية المتواصلة. لكن نحن الأوروبيين نستطيع مواصلة المسيرة بجهودنا الخاصة دون الاكتفاء بانتظار منظمة التجارة العالمية لتكثيف التجارة الحرة. وكانت المبادرة الاوروبية في فبراير 2001 تحت عنوان «كل شيء ما عدا السلاح» خطوة عملاقة في هذا الاتجاه حيث منحت ثماني واربعين دولة من الدول الاقل حظا في التنمية امتازت مثل الاعفاء الجمركي ورفع القيود على الحصص (الكوتا) للوصول الى الاسواق الاوروبية. ولكن أليس من النفاق بأن منتجات زراعية مثل الموز والارز والسكر التي تعتبر اساسية بل مهمة لعديد من الدول النامية مستثناة لحد ما من التسهيلات الحرة للوصول الى اسواقنا حتى عام 2006 و2009؟ واليس من الاستهزاء ان عددا من الدول النامية التي تعد من ناحية الدخل من افقر الدول مازالت محرومة من التسهيلات الاوروبية المذكورة أعلاه؟ واليس من المحزن ان لغاية اليوم نسبة ضئيلة من القوى التجارية الثرية قد اعتمدت المبادرة الاوروبية؟ وهنا نخص بالذكر الولايات المتحدة الاميركية، التي تبدو غائبة عن مسرح احداث قضايا العولمة بل انها مؤخرا فرضت رسوما على استيراد الفولاذ وقررت زيادة الدعم للمنتوجات الزراعية والنسيج. فعلينا ان نعمل المزيد. والزراعة هي الوسيلة. تعتمد نسبة تزيد عن السبعين بالمئة من سكان الدول النامية على الزراعة لكسب معيشتها بينما في الشمال الثري نادرا ما تتجاوز هذه النسبة الخمسة بالمئة. وبالرغم من ان ملايين الناس يراهنون على الزراعة للعيش نرى ان الدول الاعضاء في الـ OECD تفرض رسوما على استيراد المنتوجات الزراعية بنسبة اربعين بالمئة في المتوسط. ويبدو على سبيل المصادفة ان هذه النسبة كانت نفس التعريفة المطبقة على البضائع الصناعية في منتصف القرن الماضي عندما لم تكن تجارة حرة على الاطلاق والتي تقلصت حاليا لتبلغ نسبة الخمسة بالمئة. وهناك المزيد، فالدعم الذي ساعد أوروبا على مواجهة نقص المواد الغذائية في الخمسينيات من القرن الماضي نجده اليوم سببا يدفع مزارعي الدول النامية الى ترك اراضيهم. وعلى سبيل المثال، تبلغ تكاليف انتاج السكر في اوروبا ضعف ما يكلف انتاجه في جنوب افريقيا ولكن السكر الاوروبي هو الذي طرد السكر المحلي من اسواق هذا البلد. كما ادى استيراد الحليب المجفف الاوروبي الى تراجع انتاج الحليب في جامايكا الى الثلث مما كان عليه خلال السنوات الماضية. والدعم الكبير الذي يقدم للصيادين الاوروبيين يسمح لهم بالتوجه بسفنهم الحديثة الى السواحل الافريقية التي بدأ مخزونها يستنفد يوما بعد يوم. ورغم الاصلاحات الا ان المزارعين والشركات الزراعية الاوروبية مازالت تستفيد من الدعم وهذا امر يؤدي الى ابعاد افقر المنافسين عن الاسواق. سنويا، تسدد اوروبا ما يقارب المئة والعشرين مليون يورو من مساعدات الى جنوب افريقيا التي لا تزال تخسر اكثر من مئة مليون يورو لعدم تمكنها من تصدير سكرها الى الخارج. فنحن الاوروبيين نحارب الفقر من ناحية ونعمل لابقائه من ناحية اخرى. فاننا نخفف الفقر ولكننا ايضا نساهم في استمراره. تحاول بعض البلدان الهروب من الفقر بالاستثمار في انتاج المنسوجات والملابس لكنها هنا ايضا تواجه الصعوبات بسبب الرسوم المفروضة على استيراد هذه البضائع في البلدان الصناعية الغنية. فالمستهلك الاوروبي والعامل الاسيوي او الافريقي هما المتضرران. تحتاج الدول الفقيرة الى المال الذي يمكن تحصيله بتخفيض الديون او الاعفاء منها كليا شرط ألا يهدر المال لشراء سيارات فخمة للنخبة الحاكمة في البلاد. وان مبادرة الـ ذةب التي تربط الاعفاء من الديون ببرنامج مكافحة الفقر والاصلاحات الاقتصادية خطوة سليمة لكن يجب توسيعها لتشمل مزيدا من البلدان الفقيرة وحتى ايضا ربطها بالجهود المبذولة لتكثيف التنمية. فلماذا لا نجمع معا جميع الدائنين ضمن صندوق الـ ذةب مع ضم الجهود للتنسيق مع أهداف الامم المتحدة للتنمية الانسانية في الالفية؟ كما يمكن الحصول على مزيد من المال بزيادة المساعدات الانمائية. في عام 1990، قرر الغرب التبرع لكل مواطن افريقي بما يعادل الاثنين والثلاثين دولارا. لقد تراجع هذا المبلغ الى النصف تقريبا بدلا من ان يتضاعف وفقا للشروط التي كانت مطروحة. يتوجب علينا وابتداء بنا ان ننظم صرف المعونات. يعود تقسيم قروض التسليف بين الميزانيات الوطنية الى العهود الاستعمارية وتتعارض مع توقعات التربح التجاري. فالمؤسسات غير الحكومية تعاني من البيروقراطية ومعظم رأسمالها يخصص لتأمين سيرها الداخلي. تتميز المنظمات والمؤسسات الغربية غير الحكومية بشعور الابوية نحو البلدان الفقيرة حيث نجدها احيانا تتولى دور الحكومة بينما ما يهم هذه البلدان هو التحرر لتنمو وتزدهر. استنتاجا، علينا ان نتحلى بالشجاعة لنتوقف ونستمع الى ما لدى البلدان الفقيرة من اقوال وطلبات. لذا ما اعرضه هو تأسيس سلطة سياسية دولية تعتمد على التعاون الدولي والمشاورة الديمقراطية على صعيد عالمي حيث ترتفع اصوات القارات الفقيرة عاليا ويكون لها ثقلها اكثر من ذي قبل. نحن في اوروبا يمكننا تكثيف روابطنا وتعاوننا مع دول الاتحاد الافريقي خاصة ضمن اطار الشراكة الجديدة للتنمية الافريقية التي تجمع بين كافة عناصر التنمية الجديدة. تحتاج مواجهة الفقر الى منهج موحد يتبعه الجميع. ومناشدة التجارة الحرة التي وضعت منذ فترة طويلة لا تكفي بل يجب العمل والابداع في مجالات لا تغطيها التجارة الحرة. كما قال بنيامين باربير: ان لم نجد انصافا في العدالة فسوف نجدها في الظلم. وان لم يستطع الجميع ان يتمتعوا بالازدهار والرفاهية فسيقضي الفقر سواء المادي أو المعنوي علينا جميعا. هذا درس قاس نتعلمه من الارتباط المتبادل. هذا هو التحدي الذي علينا التصدي له من صالحنا وفائدتنا. بقلم: غي فيرهوفستاد _ رئيس وزراء بلجيكا