الاحد 28 شعبان 1423 هـ الموافق 3 نوفمبر 2002 بعد تطورات سلبية للأموال العربية في الخارج،وهبوط معدلات نجاحها أمام المستثمرين العرب، يتساءل الكثيرون- هل تستمر هذه الاموال في الإستثمار بالخارج ضاربة بكل هذه التطورات السلبية عرض الحائط! لقد كان هناك اعتقاد بصحة ما تم نشره في صحيفة (الفاينانشيال البريطانية) بأن المستثمرين العرب سحبوا ما بين مئه إلى مئتي مليار دولار أميركي من الأموال العربية المودعه في الولايات المتحدة الأميركية، بسبب مخاوفهم من قيام إدارة الرئيس بوش بتجميدها، غير أن المستثمر السعودي الكبير الوليد بن طلال نفى صحة ما أوردته الصحفية قائلا: انه لا يعلم حدوث تحويلات كبيرة قام بها المستثمرون العرب، كما أكد أنه رفع حصته المستثمرة في العديد من الشركات الأميركية على رأسها سيتي بنك! في السنة الأخيرة كانت هناك مطالبات عديدة من مؤتمرات عربية متنوعة ومن أعلى المستويات الإدارية في الدول العربية، بضرورة استرداد الأموال العربية من الخارج وبأسرع وقت ممكن، فمؤتمر الاقتصاديين العرب على سبيل المثال الذي انعقد في بيروت خلال شهر يوليو الماضي قام ببحث هذا الموضوع وطالب بضرورة إسترداد الأموال العربية وإستثمارها بالمنطقة العربية،وقد أصدر توصية هامة في هذا الشأن تتلخص في أن الوطن العربي يفتقد مناخ الإستثمار اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا،وأن التنمية العربية يجب أن تأخذ بجدية ووضوح وتناسق بين السياسات مع توفير البيئة المناسبة في إطار سياسات عامة تشجع الإستثمار المحلي والعربي والاجنبي، خاصة وأن توفير البيئة الملائمة أهم من الاعفاءات والمزايا الضريبية والجمركية التي تنهال على المستثمرين الأجانب. كما أن الملتقى السادس لرجال الأعمال العرب الذي انعقد بدمشق منذ شهور قليلة خرج بتوصيات عديدة أيضا في مجال إستثمار الأموال العربية داخل المنطقة العربية وضرورة استردادها من الخارج، ومن بين هذه التوصيات توفير التمويل اللازم للمشروعات العربية المشتركة الخاصة، وذلك من خلال مؤسسات التمويل العربية والإسلامية ومؤسسات ضمان الإستثمار العربي مع تبسيط الإجراءات وتوفير الضمانات اللازمة للمستثمرين العرب وتطوير أداء الأسواق المالية العربية وتحديث التشريعات الإستثمارية وتضمينها كافة المزايا الممكنة. ولم يكن إتحاد المستثمرين العرب ولا إتحاد المصارف العربية بعيدين عن هذا الموضوع حيث أصدر كل منهما توصيات عديدة في مجال ضرورة وأهمية إسترداد الأموال العربية من الخارج بعد صعوبات شديدة تواجه إستثمارها حاليا في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا وخاصة بعد أحداث سبتمبر الماضي، حيث ثم تجميد جزء كبير منها ووقف التعامل على جزء آخر، بل وصل الحال إلى منع أصحابها من السحب عليها أو استخدامها في أغراضهم الشخصية بدعوى احتمال اتصالهم بالجماعات الإرهابية التي عددوها من وجهة نظرهم وأصدروا بها منشورات لكل بنوك العالم تقريبا. أن الاموال العربية المستثمرة بالخارج وصلت حاليا وحسب آخر تقديرات البنك الدولي إلى ما يقرب من تريليون دولار أميركي، لم يسترد منها بعد مجهودات عديدة ومؤتمرات مكثفة واجتماعات على أعلى المستويات العربية وتوصيات، لم يسترد منها إلا ما يقرب من عشرين مليار دولار أميركي خلال العشر سنوات الأخيرة منها حوالي ثلاثة مليارات دولار أميركي تم استردادها من الإستثمارات الإماراتية في الخارج إلى مصارف الامارات والباقي تم استرداده إلى باقي دول الخليج والدول العربية الأخرى، وهي بادرة طيبة طالما عادت أجزاء أخرى من الإستثمارات العربية في الخارج وطالما تم استثمارها في مشروعات حيوية عربية داخل المنطقة العربية. غير أنه ألمنى ما قرأته مؤخرا في دراسة علمية تم نشرها في مجلة «بيلان» السويسرية حيث ذكرت الدراسة أن العرب مازالوا يتصدرون قائمة الشخصيات الثلاثمئة الاكثر ثراء في العالم الذين يحتفظون بحساباتهم وأعمالهم التجارية والمالية في سويسرا ، كما أضافت المجلة الحقائق التالية: - أن ثمانية شخصيات عربية تمثل المجموعة الأولى حيث تتراوح ثرواتهم ما بين ثمانية وأربعة عشر مليار فرنك سويسري يتصدرها سليمان العليان 82 وهو سعودي الجنسية الخامس في القائمة وأول الشخصيات العربية ويمتلك أربعين مؤسسة مالية وإنشائية ويقيم في مقاطعة لوشيرن السويسرية . - والثاني في القائمة فهو المصري هشام النشرتي 44 عاما الذي تصل أرصدته إلى ملياري فرنك ويقيم في مقاطعة «دي فود» ويعتبر مستثمرا مهما في القطاع الفندقي حيث اشترى العديد من المجموعات الفندقية في جنيف ولوزان ويخطط لبناء سلسلة فنادقه الخاصة في الشهر المقبل. - وتضم القائمة أيضا السعودي عبد العزيز السليمان المقيم في جنوه منذ 30 عاما ويمتلك حصة مؤثرة في فندق «انتركونتيننتال» الشهير، وله استثمارات فندقية عديدة. - كما تضم القائمة أيضا عائلة الخريج السعودية من جدة ويقودها الشيخ محمد الخريج وهو في الثلاثينيات من عمره ويدير مؤسسة قابضة تمتلك عددا كبيرا من أسهم مجموعات هويا الإيطالية العملاقة التي تسيطر على الإتصالات في إيطاليا. - وأخيرا فإن القائمة ضمت الشقيقين تيمور وعبد الله الرضا وهما من السعودية أيضا ويديران أعمالا بأموال تصل إلى 600 مليون فرنك سويسري في قطاعات النفط والأغذية والمقاولات والتجارة. أقول ما هي الأسباب الفعلية التي أدت إلى إستثمار هؤلاء العرب المدرجين في القائمة التي نشرتها مجلة «ميلان» السويسرية في الخارج بعيدا عن بلادهم العربية وبعيدا عن أبناء شعبهم، أعتقد أن المناخ الإستثماري الذي وفرته لهم الدول الأجنبية يتضمن عاملين كان يرى المستثمرون العرب في الماضي أنهما لا يتوافران في المنطقة العربية وهما: الضمان حيث يحافظ المناخ الإستثماري الأجنبي على أصل أموال المستثمرين العرب سواء كانت في شكل ودائع أو أصول عقارية أو مشروعات أو أوراق مالية، خاصة وأنه لم يحدث أن تم تجميد أي من هذه الأموال إلا في السنوات الأخيرة، كما أنه بعد أحداث سبتمبر الماضي بدأ التجميد لهذه الأموال في مناخ كراهية العرب والمسلمين وهو مناخ جديد لم يكن سائدا من قبل حيث كان رؤساء الدول الأجنبية يقابلون كبار المستثمرين العرب في الخارج ويقيمون لهم حفلات جذب وتشجيع للمزيد من إستثماراتهم «دعا كلينتون منذ حوالي أربع سنوات الوليد بن طلال للإحتفال به وشكره على كبر حجم وتعدد استثماراته بالولايات المتحدة الأميركية» وبالتالي فإن عامل الضمان للأموال العربية في الخارج لم يعد متوافرا بينما بدأت الدول تهتم بتوفيره بجدية وتشريعات مختلفة وقواعد تنظيمية وتشجيعية داخل الدول العربية. ـ المزايا التي تقدم للإستثمارات العربية في الخارج كانت تفوق البلاد العربية بالنسبة للعوائد والفوائد والضرائب والجمارك . الخ، غير أنه في ضوء تطبيق الإتفاقيات الدولية كالإتفاقية العامة للتجارة واتفاقيات الشراكة مع أوروبا وسريان مزايا متبادلة في الجمارك وتخفيف القيود التجارية بين الدول العربية والولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، حيث يهتم كل طرف، خاصة الطرف الأجنبي، بالحصول على أكبر مزايا ممكنه منها، وبعد قيام الإتحاد الأوروبي ومنطقة التجارة الحرة لأميركا الشمالية «الولايات المتحدة وكندا والمكسيك»، وبعد تركيز اهتمام الولايات المتحدة الأميركية على دول أميركا الجنوبية لإنتشالها من أزمات اقتصادية طاحنه آخرها ما يحدث حاليا في الأرجنتين والاورجواي في ضوء ذلك كله، فإن المزايا التفصيلية للإستثمارات العربية بالخارج لم تصبح ذات أثر يجذب الإستثمارات العربية وقواعد وتنظيمات وسياسات تعمل على جذبها من الخارج. إنها حقائق جديدة ظهرت مع التطورات الدولية الجديدة وفي مقدمتها «العولمة» التي تسعى إليها الدول المتقدمة من وجهة نظرها وطبقا لشروطها، هذه الحقائق لابد أن تجعل المستثمرين العرب يعيدون التفكير في أماكن إستثمار أموالهم، لكي يبعدوها عن التجميد الذي أوشك على التفعيل الأجنبي، وبدعوات متعددة ظاهرها محاربة الإرهاب وباطنها الإنتقام من العرب لأنهم في نظرهم المسئولون عن الحوادث الإرهابية التي حدثت في الولايات المتحدة الأميركية وفي أجزاء أخرى من العالم. على أن هناك حقائق أخرى يتعين ان يكون المستثمر العربي على دراية بها في ضوء الاحداث السياسية والعسكرية التي تتم ضد المنطقة العربية منها: ـ نقل الإستثمارات العربية من الخارج إلى المنطقة العربية وتحويلها إلى أصول عقارية وبنية أساسية ومشروعات إنتاجية، ستؤدي إلى قوة جديدة وبعث جديد للأمة العربية التي قاست طوال النصف قرن الأخير من إستثمار أجنبي وإسرائيلي، وسوف نرى هذه الإستثمارات المتزايدة وقد تحولت إلى طرق واسعه وأنفاق وكباري وميادين وعمارات وأبراج ومدارس وجامعات وهي بنيه أساسية لازمة للإستثمارات المجدية التي تدر العوائد المطلوبة. ـ إن هذه الإستثمارات العربية بعد أن تتحول إلى أصول جاذبة في المنطقة العربية ستؤدي إلى إعادة بناء المواطن العربي وتنميته بقوة ثقافيا وعلميا وإنتاجيا وإجتماعيا وصحيا، وهو المواطن الذي سيساهم في إعادة بناء وهيكلة المنطقة العربية ، وبعث الحب ومحاربة العنصرية وخلق مجتمع عربي متعاون ومتقارب نفسيا وفكريا بين أبناء الشعب العربي وهو ما يطمع فيه الجيل العربي الحالي لحياتهم ولمستقبل أبنائهم وقوة بلادهم. ـ إقامة المشروعات الإنتاجية والخدمية على امتداد الدول العربية وبأموال عربية مستردة من الخارج سوف يساعد على زيادة متوسط دخل المواطن العربي والتقارب بين المناطق الفقيرة والمناطق الغنية. أن أكبر مشكلة تواجه الدول العربية اليوم تتركز في كيفية استرداد الأموال العربية من الخارج واستثمارها داخل المنطقة العربية، فهي المشكلة الأولى التي، إذا تم علاجها، سوف تؤدي إلى إنقلاب اقتصادي عربي وتمكن الأمة العربية من الوقوف كقوة اقتصادية كبرى بين التكتلات الاقتصادية الإقليمية التي ظهرت مؤخرا.