الاحد 28 شعبان 1423 هـ الموافق 3 نوفمبر 2002 لا شك ان التنمية البشرية تمثل التحدي الابرز الذي يواجه دول مجلس التعاون الخليجي في السنوات المقبلة. فازاء التطورات المستجدة الاقليمية والعالمية لم يعد بالامكان الحديث عن اعداد الكوادر البشرية التي تلبي احتياجات التنمية واسوق العمل بالطرق التقليدية التي كنا نتحدث عنها قبل عشر سنوات. وللاسف فاننا لم نواكب بعد هذا الجانب بعد. فمن الواضح اذن ان التحديات التي تواجهنا بهذا الصدد هي تحديات مضاعفة ومعقدة وبحاجة الى جهود غير اعتيادية واساليب غير تقليدية. اذ هل نحن قد تمكنا من تحديد هوية اقتصادياتنا لعصر العولمة واي القطاعات التي سوف نعتمد عليها بشكل اكبر وكيف ستكون تأثيرات الانفتاح الاقتصادي على اعادة تكييف دور وحجم كل قطاع من القطاعات وهل هناك استراتيجيات تنموية بديلة وهل وضعت الخطط والبرامج وهل تم التخطيط لهوية التنمية البشرية وبرامجها واستراتيجياتها وماهو الدور المتوقع الذي سوف تظل تلعبه العمالة الاجنبية في استراتيجيات التنمية الجديدة. انها جميعها تساؤلات افتراضية يتطلب منا الاجابة عليها بصورة او بأخرى حتى نتمكن من الارتقاء الى مستوى التحدي الذي تواجه التنمية البشرية. ان العمالة الاجنبية تستنزف في الوقت الحاضر ما يقارب 29 مليار دولار سنويا من اموال المنطقة سنويا على هيئة رواتب فقط. وسوف يرتفع هذ الرقم ال نحو 58 مليار دولار اذا ما تم الاخذ بالاعتبار مصاريف وخدمات الاعاشة من مدارس ومستشفيات ومسكن.الا اننا نعتقد ان هذا الرقم على الرغم من اهميته - فانه يعتبر رقما متواضعا جدا ولا يمثل حقيقة الارقام المستنزفة من اموال دول المنطقة.فنحن نعرف اليوم تماما ان عشرات بل مئات الالاف من العمالة الاجنبية تشتغل في المهن الحرة والتجارة والاعمال اليدوية الاخرى سواء تحت غطاء «الفري فيزا» او بمشاركة ومعاونة الوكيل نفسه. وقبل ايام قرأنا مقالة تلقى بعض الضوء على كيفية ادارة الاعمال الحرة التي تتولاها العمالة الاجنبية على طريقة عصابات المافيا العالمية حيث يتم وصول تمويلات من الخارج لمساعدتها على التوسع والانتشار السريع ثم يتم تهريب الاموال بالسرعة الممكنة وتبقى هذه الاعمال معتمدة على التسهيلات الائتمانية والشراء بالاجل دون الالتزام باي شيء ازاء السوق المحلي. واذا ما أخذنا هذا الجانب بالاعتبار علاوة على المصاريف الكثيرة الاخرى غير المباشرة مثل النفقات الخاصة بتدريب وتأهيل العمالة الاجنبية - وحول هذا الموضوع يقول السيد وزير العمل البحريني ان دول المنطقة باتت من اكبر المناطق العالمية تأهيلا وتدريبا للعمالة الوافدة - فلنا ان نتخيل كم سيتضاعف حجم تلك الاموال المستنزفة بحيث لن تقل باي حال من الاحوال عن 100 مليار دولار سنويا. وفيما يتعلق بالتنمية البشرية ايضا، فلقد بات من المطلوب بشكل ملح اعادة النظر في مستوى الرواتب والاجور للشرائح الاوسع في العديد من المجتمعات الخليجية التي ظلت تمتهن الوظائف الحكومية او الانشطة التجارية والصناعية والتقالوية - وربما نستثني العديد من الوظائف المصرفية وخاصة الاوفشورية. اننا واثقون أن أي رصد تاريخي مقارن لمعدلات نمو الدخل الحقيقي لهذه الشرائح مع معدلات نمو النفقات مع الاخذ بالاعتبار تطور مظاهر الحياة الاجتماعية سوف تكون نتيجته واضحة. وكمثل بسيط هو ما اعلن عنه الجهاز المركزي للاحصاء في البحرين حول تفوق مصروفات البحريني على دخله السنوي. ان احد المداخل الاستراتيجية لمواجهة مشكلة نمو العمالة الاجنبية هو السعي الحثيث والجدي الى تنفيذ برامج توظيف العمالة الوطنية بدول المجلس وسبل واجراءات تسهيل تنقلها بين دول المجلس.ولقد سبق للهيئة الاستشارية للمجلس الاعلى لدول مجلس التعاون ان ناقشت هذه الموضوعات ايضا وذلك من خلال مشروع وضعته ويشمل مرئيات الدول الأعضاء حولها. وقد ذكر في حينها أن هذا المشروع يتضمن مجموعة من الاقتراحات والتصورات من ابرزها ترشيد الاستعانة بالايدي العاملة الوافدة بحيث لا يتم الاستخدام الا بعد التأكد من ان هناك حاجة فعلية للعامل وعدم وجود عمالة مواطنة يمكن ان تسد الحاجة مع وضع ضوابط موحدة لتنظيم عمل مكاتب الاستقدام، ورفع كلفة العمالة الوافدة التي يمكن استبدالها بالعمالة المواطنة الى الحد الذي يجعل توظيف المواطن مجديا لصاحب العمل ويجعل استفادة الوافد من العمل لحسابه غير ممكنة مع الزام كل مستخدم بدفع التكاليف قبل الاستقدام ومقابل تقديم الاقامة ورخصة العمل مع الاستفادة من تلك التكلفة في ايجاد حوافز للتوظيف للقطاع الخاص وفي برامج تدريب المواطنين يمكن ان يكون رفع الرسوم تدريجيا وعلى فئات معينة وفق برنامج زمني يأخذ التوطين التدريجي في الحسبان بدلا من الاستخقام. ويتضمن المشروع كذلك التأكيد على الجهات ذات العلاقة بضرورة توفير المعلومات الاحصائية والبيانية بصفة دورية وفق نماذج موحدة اتفقت عليها دول المجلس، وتسهيل تنقل العمالة وتوفير فرص العمل للمواطنين فيما بين دول المجلس، ودعم حرية حركة العمالة المواطنة وانتقالها بين دوله والسعي الى جعل معلومات سوق العمل بدول المجلس متاحة للجميع. ان تسهيل تنقل العمالة الوطنية بين دول المجلس يتطلب وجود التشريعات الضرورية مثلما يتطلب وجود خطوات تنسيقية عملية فيما بينها. فعلى سبيل المثال قيام كل دولة خليجية عند حاجتها لعاملين من غير المواطنين في القطاعين العام والخاص باستطلاع امكانية سد احتياجاتها من مواطني دول المجلس الاخرى عن طريق الاتصال الرسمي بين دولة او عن طريق الاعلان ومكاتب التوظيف والتشغيل فيها. لذلك فان انشاء مركز اقليمي او الاستفادة من احد المراكز القائمة بجمع وتبويب وتبادل المعلومات عن متطلبات سوق العمل ورصد متغيراته في دول المجلس والمساعدة في توفير الاحصائيات والبيانات اللازمة على مستوى دول المجلس.