الاحد 28 شعبان 1423 هـ الموافق 3 نوفمبر 2002 يثير اصرار الولايات المتحدة الأميركية على توجيه ضربة عسكرية جديدة للعراق الكثير من التساؤلات لدى المفكرين والمحللين الاقتصاديين والسياسيين والعسكريين ولدى شعوب المنطقة خاصة وللعالم عامة، اذ كيف للولايات المتحدة ان توجه ضربة عسكرية جديدة وهي تدرك مدى تداعيات وخطورة هذه الضربة على اقتصاديات المنطقة خاصة والاقتصاد العالمي عامة بما فيه اقتصاد الولايات المتحدة؟ فهل أصبح قدر ان تصبح منطقة الخليج العربي ساحة لأزمات اقتصادية وسياسية وعسكرية؟ وهل قدرها ان تدفع ثمناً باهظاً لأزمات اقليمية وعالمية لا يد لها فيها لاسيما في ظل محدودية قدراتها المالية، وضعف قاعدتها الانتاجية؟ وهل تحتمل هذه المنطقة أزمة جديدة والعالم على يقين بأنها سوف تكون ضربة قاسية للمنطقة حينما تكون سبباً في انعكاسات وتداعيات عميقة وخطيرة وذات ابعاد سياسية واقتصادية واجتماعية وبيئية تدميرية تحصد اليابس والأخضر وتدفع شعوبها تكلفة عالية. فمن المنتظر ان تتفاقم مشاكل الفقر والجوع والبطالة، ويحدث تزايد بمعدلات المديونية الخارجية في العراق والتي تزيد عن مئة مليار دولار، ثم تفاقم مشاكل العجز في موازنات دول المجلس وتزايد اعداد العاطلين عن العمل وتراجع معدلات الدخل لدى شريحة كبرى من مواطني دول المجلس والمقيمين فيها؟ هل تدرك قيادات وشعوب دول المجلس خاصة والخليج عامة خطورة وتداعيات اندلاع أزمة جديدة في هذه المنطقة الحساسة في العالم؟ وهل تدرك تلك القيادات التبعيات النفسية والصحية والسياسية والاجتماعية التي سوف تخلفها تلك الازمة على شعوب المنطقة واقتصادياتها؟ ثم النتائج التي سوف تحصدها شعوب العالم العربي والاسلامي ثم العالم؟ ان اصرار الولايات المتحدة على توجيه ضربة عسكرية جديدة للعراق انما يجسد اختراقا حقيقياً لمصالح هذه المنطقة وتؤكد الولايات المتحدة من خلال ذلك على ان آثار وتداعيات أزمة سبتمبر 2001 لم تنحسر أو تتلاشى ولكنها قد بدأت فعلياً من خلال اصرارها على الثأر من منطقة الخليج خاصة ومن العالم العربي والاسلامي عامة وذلك تحت مظلة مواجهة الارهاب. ان اصرار الولايات المتحدة على توجيه ضربة عسكرية للعراق يؤكد على انها لا تسعى لمواجهة الارهاب كما تدعي! وانما لفرض هيمنتها على المنطقة وبالتالي العالم والى تحقيق أهدافها ومصالحها الاستراتيجية ذات المدى الطويل والبعيد غير عابئة بما يترتب على هذه الضربة من تداعيات وانعكاسات خطيرة على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والبيئية بمنطقة الخليج، خاصة وان توقيت هذه الضربة يأتي في ظل احتدام نطاق الحروب النفطية في السوق النفطية العالمية بين الدول المستهلكة كطرف أول وخاصة بعد دخول الصين والهند كدول مستهلكة عالية لنفط الخليج، ثم دول منتجة رئيسية ومنها دول الخليج العربي. واذا كانت منطقة الخليج قد تكبدت نتائج وخيمة وصعبة من حدوث أزمة الخليج الأولى (الحرب العراقية الايرانية) والتي امتدت لثماني سنوات طويلة حصدت معها مشاريع التنمية وفاقمت من المشاكل الاقتصادية بالمنطقة ودفعت شعوبها فواتيرها كاملة فان المستفيد الرئيسي هي الدول المنتجة للسلاح وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية ودول أوروبية غربية وجدت في هذه الحرب فرصة سانحة لتحقيق مكاسب كبيرة ببيعها لسلاح كاسد أو تجريب سلاح جديد للطرفين المتحاربين، ثم بقية دول مجلس التعاون التي انفقت الكثير على شراء السلاح من مصانع وشركات السلاح الأميركية والأوروبية على حساب مشاريع التنمية، واذا كانت الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة قد حصدت الكثير من غنائم هذه الحرب فان شعوب هذه المنطقة قد حصدت ويلاتها سواء التدمير البيئي والبشري أو دفع فواتير حرب خاسرة، أو تعطيل مشاريع تنموية، أو حركة التجارة ثم توقف مصانع وخطوط الانتاج بها، وتراجع معدلات النمو، ثم المزيد من التخلف التنموي والعلمي، والشلل الاقتصادي والتجاري الذي اصاب السوق المالية والتجارية في مختلف دول المنطقة وخاصة طرفي النزاع (العراق وايران). وما أن تنفست حكومات وشعوب هذه المنطقة الصعداء بعد حرب دامية كان الخاسر الوحيد فيها شعوب المنطقة، حتى اندلعت أزمة جديدة لتكون تداعياتها وانعكاساتها خطيرة جداً على المنطقة وعلى مختلف دول العالم وخاصة المنطقة العربية، ففي اغسطس 1990 غزت القوات العسكرية العراقية الكويت، ثم جاءت قوات التحالف لتقوم بعمليات تحرير الكويت وكانت هناك انعكاسات ونتائج وخيمة نجمت عن تلك الازمة سواء على صعيد الاوضاع المالية لدول الخليج وخاصة دول مجلس التعاون أو الأوضاع الاقتصادية والمعيشية لدول وشعوب المنطقة، حيث تدمير البنية التحتية للكويت وحقولها النفطية بسبب الغزو العراقي لدولة شقيقة، ثم البنية التحتية للعراق التي تعرضت لقصف تدميري من سلاح الجو الأميركي ودول التحالف أكد على حقيقة الحقد الغربي لدولنا العربية والاسلامية، واذا كانت الكويت قد دفعت ثمناً باهظاً كان جزءاً منه فاتورة قدرها خمسين مليار دولار دفعتها لدول التحالف فان تآكل استثماراتها وفوائضها المالية واحتياطياتها ثم الدمار البيئي للكويت والنفسي والاجتماعي والمعيشي لشعب الكويت يشكل ذلك الجزء الآخر من فاتورة الحرب، اما العراق فقد دفع ثمنا غالياً لخطئه التاريخي حينما شهد تدميراً خطيراً للاقتصاد والانسان والبيئة، ثم فرضت عليه الأمم المتحدة بإرادة أميركية غربية حاقدة حصاراً اقتصادياً ونفسياً قاهراً ادى الى تراجع حاد في صادراته النفطية بعد تراجع انتاجيته النفطية، ثم تراجع كبير في صادراته من السلع والبضائع التجارية الاخرى، وضعف في معدل النمو الاقتصادي، وتفاقم شديد في أوضاعه الاقتصادية حيث عجز حاد في ميزانيته وتفاقم في مديونيته الخارجية، ثم ارتفاع شديد في الاسعار ونقص كبير في الاحتياجات والمتطلبات المعيشية، ثم تذبذب شديد في أسعار صرف الدينار العراقي واعباء كبيرة بسبب تزايد مديونيته الخارجية، وشلل كبير في قطاعاته الاقتصادية المهمة، ولم تخرج دول التحالف من المنطقة إلا بعد اقتسامها لغنائم الحرب سواء في هيئة عقود لشركاتها في اعادة وتأهيل ما تم تدميره، ثم صفقات نفطية بأسعار منخفضة، وأسعار مغرية لسلعها ومنتجاتها التجارية، فيما دخلت الكويت والعراق ودول مجلس التعاون الاخرى في نفق العجز المالي بعد ان وجدت نفسها انها ملزمة بدفع فاتورة أزمة هي احد الاطراف الخاسرة فيها حيث تآكلت موجوداتها واحتياطياتها الاجنبية وتراجع حاد في أسعار نفطها، وارتفاع قياسي في أسعار البضائع والسلع المستوردة من الخارج، وتراجع في معدلات النمو الاقتصادي، وتزايد المشاكل الاقتصادية والمعيشية كالبطالة وتدهور سوق العمالة، ثم الفقر وارتفاع معدلات التضخم، وتدفق سريع وبحجم كبير من سيولتها المالية الى الاسواق العالمية لتستقر بها ولتخدم اقتصاديات غربية، ثم أدت الازمة تلك الى تدهور واضح في أسواق الاسهم الخليجية، ثم سوق العقار بدول المنطقة. تلك تداعيات وانعكاسات ازمتي الخليج الأولى والثانية، ثم زاد الوضع حرجاً مع أزمة آسيا في عام 1997 حيث انخفاض حاد في أسعار النفط وأزمة نفطية القت بظلالها القاتمة على مسيرة الأوضاع الاقتصادية بدول الخليج عامة ودول المجلس خاصة. واذا ما حدثت أزمة جديدة من خلال توجيه ضربة عسكرية أميركية بريطانية الى العراق كيف سيكون عليه الوضع وخاصة الاقتصادي؟ ما هي تداعيات وانعكاسات أزمة جديدة على الاوضاع الاقتصادية والبيئية بدول المجلس ومنطقة الخليج عامة؟ ما هو موقف الدول الخليجية من حدوث أزمة كهذه وهل تدرك هذه الدول حقيقة آثار وانعكاسات هذه الازمة آنيا ومستقبلاً؟ هل استعدت دول الخليج ومنها دول المجلس لهذه الازمة أم ان يبقى الوضع على ما هو عليه؟ وهل سوف تتحمل موازنات دول المجلس أزمة جديدة؟ وهل سوف تقبل شعوب الخليج مضاعفات تلك الأزمة بعد ان عانت من ويلات الازمات السابقة؟