خلال جلسة إدارة الحكومات «واقع عالمي والتأثيرات المحلية»، مناقشات ساخنة حول إدارة الحكومة الأميركية لقضايا العالم

الاربعاء 24 شعبان 1423 هـ الموافق 30 أكتوبر 2002 رغم ان عنوان الجلسة هو «ادارة الحكومات ـ واقع عالمي والتأثيرات المحلية»، الا ان الحديث الذي شهدته الجلسة الرابعة والاخير لاعمال اليوم الاول للمنتدى شمل جوانب متعددة بعدت عن مضمون الندوة احيانا وكانت بؤرته احيانا اخرى وكان النقاش ساخنا في القضايا السياسية التي تشهدها الساحة الدولية في الوقت الراهن واهمها الدور المزدوج للولايات المتحدة الاميركية في ادارة الازمات وتدخلها في معظم القضايا على الساحة بشكل يعكس ازدواجية المعايير التي تتبعها في الحل. ولم يكن هذا النقاش ساخنا الا بسبب وجود ادوارد ووكر مساعد وزير الخارجية الاميركي الاسبق ورئيس معهد الشرق الاوسط بالولايات المتحدة الاميركية وجوديث كيبر، رئيس برنامج الشرق الاوسط بمركز الابحاث الاستراتيجية بالاضافة الى شفيق غبرا استاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت وادار الجلسة عبدالعزيز الصقر رئيس مركز الخليج للبحوث. وشهدت الجلسة توجيه العديد من الانتقادات للسياسة التي تتبعها الادارة الاميركية في تناول الازمات الدولية وتقصيرها في قضايا اخرى عديدة ومناقشة دورها في الصراعات الاقليمية ورؤيتها لها وكذلك نظرة المجتمع الاميركي للعرب والمسلمين عقب احداث الحادي عشر من سبتمبر ومن المسئول عن تغيير هذه النظرة هل هو الاعلام أم الادارة الاميركية ام المسلمون انفسهم. المتغيرات الدولية وفي مستهل الجلسة تحدث شفيق غبرا عن ابرز المتغيرات الدولية التي وقعت خلال العقد الماضي والتي بدأت بحرب الخليج عام 1990 ومن بعدها فقاعة شركات الانترنت وأخيرا أحداث 11 سبتمبر الماضي، وهي جميعها احداث تركت اثارا واضحة على العالم. وتطرق غبرا كذلك الى قضية العولمة وقال انها عملية نجمت عنها العديد من المشكلات على الرغم من نظر البعض اليها على انها المحرك الاول في مجال دمج وتوحيد الشعوب. انفراد الولايات المتحدة وقال غبرا ان الموقف الدولي الراهن يشير الى انفراد الولايات المتحدة بالقوة المطلقة في ظل غياب اي معادل أيديولوجي أو عسكري او سياسي او اقتصادي على الساحة الدولية وقال انه لم يسبق للولايات المتحدة ان اجتمعت لها كل معطيات القوة هذه، مؤكدا ان هذه حقيقة لا يمكن اهمالها أو اغفالها او تغاضي النظر عنها في المنطقة العربية والشرق الاوسط والا سيكون لذلك عواقب وخيمة على مستقبل المنطقة. وتوقع استاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت ان تشهد السنوات العشر المقبلة تغييرا واسعا في المنطقة العربية على الصعيدين السياسي والاقتصادي وقال ان المنطقة لن تبدو على ما هي عليه الان بعد 10 سنوات من الان حيث سيكون هناك تغيير لا ندري له جوهر او في اي تجاه يسير، لكن المهم هو النظر للتاريخ والادوار التي يمر بها بالطريقة التي تساعد على جعل التقييم عملية سهلة حتى نتجنب ان سلبيا او عنيفا. وقال غبرا انه لا يوجد احد في العالم العربي يستطيع ان يؤكد نجاح ايديولوجيته مهما كان الامر فالكثير من الايديولوجيات التي مرت بها المنطقة اثبتت فشلها باستثناءات قليلة. واضاف ان العرب يواجهون جميعهم محنة التنمية وتجريب الجديد ومحنة الديمقراطية ايضا التي تعاني منها المجتمعات العربية. وقال ان التقرير الذي صدر عن الامم المتحدة بشأن التنمية الانسانية في العالم العربي يثير الحزن فالوضع العربي محزن فكثير من دول العالم تنظر الينا الان بالشك والريبة. وفي مداخلة من احد الحضور حول ما هي السبل التي يمكن ان نجد لها حلولا لهذه المشاكل التي قالها الغبرا وكيف نستطيع تحسين الصورة، قال الغبرا (مازحا) اني لدي مشكلة وهي ان اسمي الغبرا فأنا انثر الغبار فقط لكنني سوف أجيب على هذا التساؤل بأننا فعلا نستطيع ايجاد الحلول وهي موجودة بيدنا نحن وبالجهد الجماعي للمفكرين والمثقفين والعلماء والباحثين الجميع مشترك في اهمية تقديم الحلول. وقال ان احد هذه الحلول يتمثل في الديمقراطية التي مع قليل من التدريب يمكن ان تصبح سلوكا عاما والتي هي في جوهرها عملية تنمية، واضاف اننا نحتاج لرؤية منهجية وتحديد للمعايير التي نبتغيها. المؤسسات الدولية وفي معرض اجابته على احدى المداخلات حول دور المؤسسات الدولية في التأثير على الحكومات سواء بابداء النصح او التغيير وعلى الاخص صندوق النقد الدولي والبنك الدولي قال الغبرا ان المؤسسات الدولية لديها بعض من عوامل القصور ولان معظم الحكومات لديها قيود تفرض عليها اتباع سياسات معينة لا تتواءم مع سياسات تلك المؤسسات فانها تواجه بالفشل في بعض الاحيان، فالبنك الدولي مثلا يأتي بحلول لكنها ليست كتلك الحلول المثلى التي تتعلق بالمشاكل في المنطقة او في الدولة. وقال الغبرا ان هناك دورا كبيرا يجب ان تقوم به الحكومات في سبيل تحسين دور المؤسسات والتشريعات بها وخلق نوع من العلاقة الجيدة بين الاطراف جميعها. واوضح ان البنك الدولي قد يسعى لاعادة توجيه سياساته لتصبح اكبر قبولا وقال ان هناك دورا يمكن ان نتحمله من اجل تطوير الاستراتيجيات والايديولوجيات وارساء اطر سياسية تتماشى مع السياسات الجديدة. وتناول غبرا في كلمته الحديث عن الأقليات وكيف اصبحوا اقوى من ذي قبل اقتصاديا وقال اذا لم يحدث تقارب بين الاقليات والاغلبية ستحدث حروب اهلية وصراعات اقليمية عديدة. واشار الى ان تراكم القوى لدى دولة واحدة في اشارة الى الولايات المتحدة الاميركية التي تعد اقوى عسكريا من الـ 15 دولة التالية لها مجتمعة هو امر غير مسبوق. وتحدث كذلك عن اوضاع منطقة الشرق الاوسط وردة فعل الشارع العربي ازاء العديد من القضايا. وتناول ايضا مشكلة القيادة وما يمكن ان تحدثه القيادة من تغيير قوي، واشار الى المعوقات البيروقراطية التي تهيمن على دول المنطقة وايضا اهمال العملية التعليمية والمساجد وقال ان ذلك ادى الى ظهور معارضين متطرفين حيث اهتم التعليم بالمناهج العلمية دون التركيز على المناهج الروحية وبعد المساجد عن تأدية دورها في اعداد التهيئة الدينية السليمة للشباب. إدوارد ووكر من ناحيته ابرز ادوارد ووكر رئيس معهد الشرق الاوسط ـ الولايات المتحدة الاميركية ان دور الولايات المتحدة على صعيد السياسة العالمية شهد تغيرا واضحا في اعقاب انتهاء الحرب الباردة وغياب المعادل الموضوعي للقوة الاميركية المتمثل في الاتحاد السوفييتي المنهار. وقال ان تغيير الولايات المتحدة لسياستها يخضع للعديد من العوامل، منها وبشكل كبير الرأي العام العالمي والمحلي وضرب ووكر مثالا بتغيير واشنطن لموقفها تجاه الحظر المفروض على العراق استجابة للرأي العام في الشارع العربي الذي أجمع على ان المتضرر الحقيقي من الحظر هو الشعب العراقي وليس النظام العراقي. وقال ووكر انه عندما سئل عن دور الولايات المتحدة في الصراعات الاقليمية ان الدور الاميركي بدأ يتغير وجزء من هذا يرجع للوضع العالمي الجديد وغياب المواجهة بين القوتين العظميين فخلال حرب اكتوبر 1973 هدد الروس بارسال قوات الى مصر مما حدا بالولايات المتحدة الى تعديل استراتيجيتها، لكن مثل هذه الامور لم تعد موجودة الان، الا انه اشار ان الولايات المتحدة ليست وحدها في الملعب فهناك اطراف اخرى يتعين عليها اخذ رأيها فعلى سبيل المثال الولايات المتحدة تواجه حاليا صعوبات لاستصدار قرار من مجلس الامن بشأن العراق وقال: اعتقد ان الولايات المتحدة لن تنظر الى بعض الاحتمالات الاخرى والظروف الحادثة في المنطقة والرأي العام في الداخل والخارج اكثر مما قيل. وفي معرض رده على انتقاد وجه للدور الاميركي في التغلغل الى الصحافة العربية وتوجيه بعض الاقلام للكتابة على «الهوى» الاميركي كما حدث عندما طالب السفير الاميركي بالقاهرة الكتاب المصريين بالابتعاد عن توجيه النقد المباشر لاميركا، قال ووكر ان هناك خللا في هذا الجانب وهناك فجوة كبيرة ولا بد من وجود جسر بين الصحافة العربية والاميركية ليفهم بعضها البعض. واختتم ووكر بالقول ان لدينا كثيرا من التناقضات في السياسة الاميركية. التحول في المجتمع الأميركي وفي الجلسة ذاتها تحدثت جوديث كيبر رئيس برنامج الشرق الاوسط بمركز الابحاث الاستراتيجية العالمية حول التحول الحادث في المجتمع الاميركي نتيجة لاحداث الحادي عشر من سبتمبر وقالت ان المجتمع الاميركي اصبح عاكفا اكثر من اي وقت مضى على التعرف على الحضارة العربية والاسلامية حيث تم ترجمة ذلك من خلال الاقبال الكبير على المطبوعات التي تتحدث عن العرب والمسلمين وكذلك الاقبال المتزايد على برامج تعليم اللغة العربية، حيث اصبح المواطن الاميركي حريصا على التعرف على مفردات تلك الحضارة. وقالت على الرغم من اختلاف الموقف على الصعيد السياسي نظرا لتعقيد النظم السياسية التي تتطلب وقتا طويلا لتحليل المواقف واتخاذ ردود الفعل المناسبة فان مواقف الصراع تحتاج الى النظر في مواطن الامور ومسببات الصراع، بدلا من الاخذ بظواهر الامور. ودافعت كيبر عن الموقف الاميركي قائلة ان الولايات المتحدة تعمل على مواجهة اخطار تتهدد العالم وان تلك الاخطار عديدة ومن بينها اخطار اسلحة الدمار الشامل والمشكلات البيئية والصحية وانتشار المخدرات وغيرها من المشكلات مشيرة الى ان حرب الولايات المتحدة الحالية هي حرب ضد التطرف وليست ضد الاسلام والعرب. وقالت كيبر انه مهما كانت قوة الولايات المتحدة فنحن بحاجة لمنهجيات متعددة الاطراف لانه صار هناك فجوة كبيرة تفصلنا عن العالم وعلينا ان نفهم الاخر فالامر لم يعد حاليا يقتصر على العلاقة بين الحكومات بعضها البعض والتعامل بينهما. ودعت كيبر الى اهمية الاخذ في الاعتبار ان هناك اختلافا بين ما تنقله الصحافة التي تعبر عن وجهة نظر الكاتب اذا ما كان الموضوع تحليليا او وجهة نظر وبين الخبر الصحفي الذي يعتمد على حقائق، لهذا فان رؤية الكتاب لا تمثل وجهة النظر الاميركية ومن ثم فلا يمكن الحكم على السياسة الاميركية من خلال وجهة نظر صحفية. وطالبت بأهمية ان تتسامح المجتمعات مع الثقافات المختلفة داخل المجتمع الواحد وببناء مجتمع كوني عالمي يسمح للجميع بالانخراط في العولمة. وتطرقت الى الحديث عن الحكم الرشيد وقالت انه يتعلق بمدى مشاركة الافراد فيه لانه ما لم يكن هناك شعور بالمواطنة فان ذلك يناقض نظام الحكم الرشيد، واضافت اننا نقوم في الولايات المتحدة ببناء مجتمع مدني يتمتع بالمرونة وتناولت جوديث كيبر الحديث عن التطرف.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات